on
د.سام دلة: بالروسي الفصيح…مشروع الدستور المطروح هو بيع لجلد الدب قبل اصطياده
د.سام دلة: كلنا شركاء
تواصل معي عدد من الأصدقاء وألحوا أن أبدي برأيي في مشروع الدستور المقدم من “خبراء” روس والذي عُرض على الأطراف السورية مؤخراً، بل البعض طالبني بأن أقدم صياغة لمشروع بديل…
في الواقع لم أكن أريد ولا أريد أن أدخل في سجال عقيم في هذا الصدد، خصوصاً أنه موضوع يتعلق بقضية وطنية تهم كل مواطن سوري ولا يملك أياً منّا مهما كان موقعه وخبرته الادعاء بأنه الأقدر والأحق على احتكار هذا الحق، فكل ما نملكه هو مجرد رأي فردي من الناحية الوطنية، أما من ناحية الخبرة الفنية فتختلف من شخص لآخر بحسب تكوينه وتأهيله المهني، ولذلك سأكتفي بإيراد بعد الملاحظات الرئيسة والسريعة ومن منطلق فني بحت.
في المبدأ:
- بدايةً الدستور عمل الرعية كما يقال، أي أنه عمل يحدد بموجبه المواطنون شروط ممارسة السلطة السياسية، حيث أن الحكام ليسوا أحراراً في حيازة السلطة، و البقاء فيها، وفي استخدامها كما يشاؤون، فهم خاضعون في ذلك لاحترام القواعد التي تمليها الأمة (الشعب). والدستور ليس عمل ينحصر في تنظيم كيفية ممارسة السلطة، وإنما عمل يحدد فيه شكل وبنية ومدلول المجتمع، حيث أنه يشكل الضمانة الأساسية لحقوق المواطنين وحرياتهم. أي أنه عمل يهدف إلى تحقيق التوازن بين ضمانات الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين وضرورات فاعلية السلطة.
- من ثم الدستور ليس سوى مجرد إحاطة قانونية بظاهرة سياسية، أي أن الدستور ليس سوى حياكة قانونية لتوافق سياسي/وطني في المجتمع. لذلك أي صياغة من أي فئة أو جهة بتكليف أو تفويض من هذا التوافق السياسي/الوطني هو كمن يبدأ بقص وتفصيل القماش قبل معرفة مقاس الشخص الذي سيرتدي الثوب، أي وضع العربة قبل الحصان. وبالتعبير الروسي الفصيح: بيع جلد الدب قبل اصطياده. أي أن هكذا عمل سيكون جهداً عبثياً، وفي الحالة السورية سيزيد عن عبثية المشهد.
- وبالتالي لا تملك أي فئة من المجتمع احتكار كتابة أو صياغة مشروع دستور دون تكليف أو تفويض من قبل هذا التوافق السياسي/الوطني. ومن باب أولى إذا تمت صياغة هكذا مشروع من قبل جهة خارجية.
- بعيداً عن أي مزايدة بمسألة السيادة، ولا الإصابة بضربة فخر وطنية خصوصاً بعدما أصبح القاصي والداني يتدخل في الشأن السوري، تبقى مسألة صياغة مشروع دستور، ومن ثم إقراره قضية وطنية بامتياز من الألف إلى الياء، على الرغم من عدم إنكار تأثير القوى الدولية والإقليمية.
- لم يجري في التاريخ لا قديماً ولا في العصر الحديث أن قامت دولة أجنبية بتقديم مشروع دستور لدولة أخرى. حتى في حالة ما يسمى “دستور بريمر” في العراق 2003/2004، فقد سمي بهذا الاسم نظراً لوجود الاحتلال الأمريكي للعراق، حيث أن بريمر لم يقدم مشروع دستور وإنما مجموعة من العراقيين كتبت المشروع بإشراف سلطة الاحتلال الأمريكي. هذا لا ينفي تأثير الدول في صياغة دساتير الدول المحتلة (ألمانيا، اليابان، كوريا الجنوبية، العراق…).
- إن محاولة السيد لافروف القول إنما ما قُدم هو مجرد أفكار ومبادئ، هو محاولة جيدة لتصحيح خطيئة سياسية لا تغتفر، فما سرب هو مشروع مصاغ بمواد وأحكام مع مقدمة من الألف إلى الياء.
- لا بد من التأكيد إن مصداقية أي وثيقة دستورية ترتبط بدايةً وفي المقدمة بالجهة التي أعدت الدستور بتكليف أو تفويض من التوافق السياسي/الوطني والتي تحتاج من ثم لتصديق من هذا التوافق. وهذا غير متوفر بالنسبة للروسي، ناهيك عن أنه طرف أجنبي.
- لا يوجد شيء يسمى دستور مثالي أو عصري، فالدستور الأمثل والأفضل هو ما يتوافق عليه الشعب والذي بالضرورة يراعي الحدود الدنيا لمتطلبات العصر.
- إن الدستور ليس مجرد أحكام مصاغة بحرفية في مجموعة مواد، الأهم من الدستور الحاصل على التوافق هو الحامل الاجتماعي/السياسي الضامن لحسن تنفيذ هذا الأحكام، وكذلك التوافق على بقية الأحكام اللاحقة ولا سيما قانون الانتخابات.
من الناحية الفنية:
- إن الدساتير التي تأتي بعد أزمة عميقة كالأزمة السورية تأتي في صياغات مطولة بحيث يكتب معظم الأشياء الخلافية ولا تحال لقوانين لاحقة، والأمثلة كثيرة في هذا المجال (الدستور الروسي، الألماني، الإسباني، البرتغالي، التركي، الأرجنتيني…) في حين جاء حجم الصياغات محدود ومختصرة وترك الكثير من القضايا الرئيسية لقوانين لاحقة دون ضوابط كافية (في مجال اللامركزية والحقوق والحريات والسلطة القضائية….) أي ترك الأمر مفتوح للنزاع المستقبلي.
- كمياً 80% من المشروع المقترح (وهو المصاغ بشكل حرفي) مأخوذ من دستور 2012 المأخوذ بدوره من دستور 1973 ومن دساتير سورية سابقة ونجدها في كثير من دساتير العالم، وهي معظمها ليست خلافية لأنها تتضمن أحكام تقليدية تتعلق بالحقوق والحريات المتعارف عليها والكثير من الأحكام البرامجية (أهمية الرياضة والبحث العلمي، والأسرة…).
- أكثر من 10% من المتبقي من المشروع هو محاولة لإعادة صياغة أحكام موجودة في دستور 2012، والتي شوهت أكثر مما حسنت، حيث خلقت نوع من الخلط والتضارب في عمل المؤسسات الدستورية.
- ما تبقى والذي يقل عن 10% جديد جاء بصياغات ضعيفة مهلهلة تدل على أن من قام بذلك ليس مجرد مبتدئين وليس لديهم أدنى خبرة دستورية. مثال الفقرة (4) من المادة /6/ من المشروع “تستنكر سوريا الإرهاب…”: هذه الصياغة ليست لا قانونية ولا سياسية وإنما خطاب إعلامي ضعيف، وهناك الكثير من الأمثلة المشابهة.
- إن إقرار المشروع المقترح مبدأ المحاصصة في المناصب (الفقرة (3) من المادة /64/ من المشروع) سيدخلنا في النفق الذي دخله اللبنانيين عام 1924 ولم يستطيعوا الخروج منه حتى الآن.
- مغازلة إسرائيل من خلال نص الفقرة الثانية من المادة 8 من المشروع “تنبذ سوريا الحرب كنمط للإخلال باستقلال دول أخرى وكوسيلة لحل نزاعات دولية”. هذا النص رسالة طمأنة لإسرائيل بانتهاء أي فكرة لتحرير الأراضي السورية المحتلة عن طريق المقاومة المشروعة، والتي تعتبر حق مكرس أصلاً في الاتفاقات الدولية.
- إن مسألة اللامركزية التي جاء بها المشروع والتي تعتبر مسألة أساسية جاءت بصياغات عامة وأقل مما هو موجود في نص دستور 2012، ووضعت من خلال إعطاء خصوصية للمناطق التي يتواجد فيها الأكراد نوع من اللامركزية غير المتناظرة، والتي لا أعتقد بل أجزم أن من صاغوا المشروع لا يفقهون مضمون هذا المفهوم وما هي متطلباته.
باختصار
و في جميع الأحوال وبغض النظر عما طرحه من إشكاليات سياسية، فأن المشروع المقترح لا يستحق من الناحية الفنية أي دراسة يمكن البناء عليها، فمن خلال صياغاته الضعيفة تم تشويه عمل مختلف المؤسسات الدستورية وتضمن العشرات من الثغرات والتضارب بين أحكامه، ولم يتضمن أي فعالية مؤسسة لتحقيق توازن بين السلطات ولا سيما في آليةتشكيل ومدة عضوية المحكمة الدستورية العليا.