on
نجيب أبو فخر: الآستانة ما بين السطور
نجيب أبو فخر: كلنا شركاء
ليس هناك من سوري وطنيّ واحد لا يدعم اليوم وقف العنف والحرب والقتل والدمار في سوريا ، وليس هناك من سوري شريف لا يريد حلاّ سياسيا يضمن حياة كريمة حرة وعادلة لجميع السوريين ، إلا أن استخدام هذه العناوين المرغوبة لتفريغ الهم السوري من محتواه القيمي هو جريمة بحق السوريين كلهم ، والتهليل لهذا التفريغ على أنه انتصار للإرادة الوطنية السورية هو الكارثة بعينها . وما حدث في الآستانة لا يستدل عليه مما قيل في الإعلام أبدا ، ولا مما تم عمدا تسليط العدسات عليه خلال مؤتمر الآستانة لصرف النظر عن جوهره ، بل يستدل عليه فعليا مما يحدث على الأرض بعده وعلى امتداد مساحة سوريا ..
وإن بدأنا نقطة نقطة في بناء سلسلة التفكّر في الحدث ، يجب علينا أولا أن نسأل أنفسنا السؤال الجوهري : هل أهل الثورة عام 2011 ولنهاية عام 2012 قاموا بالثورة لتصفية حسابات طائفية ؟ ؟ أو كانوا ممن يطالبون بدولة دينية ؟! أم كانوا يطالبون بالحريّة لجميع السوريين ؟ وهذا حكما سيقودنا لسؤال آخر : إلى أي مدى كان الحاضرون كممثلين- تم انتقاؤهم بعناية – عن ( إرادة التغيير !!) يمثلون فعلا مطالب ثورة عام 2011 ؟؟ وفي نقلة ٍ أخرى نسأل أنفسنا : كم هي المسافة التي تفصل سلوك النظام الذي ثار الشعب عليه مطالبا بالحريّة ، عن سلوك الفصائل التي دُعي قادتها لتمثّل إرادة التغيير في الآستانة في مواجهة النظام ، وما هو الفرق بين سجن المخابرات الجوية في المزة وسجن التوبة في ريف دمشق في دوما التي يتحكم بها جيش الإسلام التابع لمحمد علوش حاليا رئيس وفد المفاوضين عن إرادة التغيير الثورية !؟ !!! وهل تختلف أسباب النظام الذي اعتقل الآلاف من النشطاء السلميين عن أسباب اعتقال جيش الإسلام لمئات نشطاء الثورة المدنيين ؟؟ وهل يصعب على عاقل تمييز الواقع أن غالبية هذه الفصائل التي اختيرت لتمثّل إرادة التغيير كانت متفقة في السلوك والمنهج مع نظام الإستبداد في دمشق باعتقال وتصفية كل النشطاء المدنيين الذين يناضلون فعلا لأجل سوريا لجميع السوريين ؟؟ ولو حاولنا الإستعانة بالإحصاءات الميدانية ، كم من المعارك فعلا قامت بين قوات النظام وبين الفصائل التي انتقيت ( بعناية ) لتجالسه على طاولة الآستانة كممثل عسكري عن المطالبين بالتغيير ؟؟ وهل خلال ستة سنوات من القتل والتهجير والدمار كان هناك فعلا صراع عسكري بين هذه الفصائل وجيش النظام ؟ أم أن الصراع في غالبيته كان بينيا بين الفصائل أو بين النظام وجبهة النصرة في 70% من معارك السنوات الستة ؟!!
كل الإجابات تقودنا لنتيجة واحدة ، أن الذي أرادوه من مؤتمر الآستانة هو استلاب جديد ل قرار التغيير في سوريا ، وفي أحسن حالاته ومع إعمال النوايا الصافية بمطلق إمكاناتها الملائكية ، قد يمكننا أن نصفه أنه إعادة ترتيب للوضع الراهن بين الفصائل العسكرية ، لكن الواضح أن ما نتج عنه هو إعادة تموضع لهذه الفصائل ونقل للبندقية من كتف الإدعاء بأنها لمواجهة نظام القتل والإستعباد والاستبداد ، إلى كتف مواجهة الفصائل الإسلامية الراديكالية الأكثر تشددا وفي مقدمتها جبهة فتح الشام ، النصرة سابقا التي كانت قبل شهر رأس الحربة في مقارعة النظام والتي كان معظم هؤلاء القادة يتسابقون لنيل شراكتها في معركة ٍ ذات غنائم وفيرة هنا أو هناك .. نعم .. لقد بدّلوا كتف البندقية في الآستانة دون أدنى شك ، والأحداث اليومية منذ انتهاء المؤتمر لا تدل إلا على ذلك وتثبته يوميا أكثر وأكثر .. ومع أني لست أبدا من دعاة الحرب ، ولا يمكن أن أكون مساهما في أي تحريض على الدم ، إلا أنني أجد من واجبي تعرية ما تم توليفه ليدخل التاريخ على أنه مفصل وطني بامتياز في حين أنه مقدمة لاستلاب الإرادة الوطنية وتقاسم الكعكة السورية بين القوى المستبدة الدينية والقوى المستبدة السياسية دون أي اعتبار لمصالح الشعب الفقير المنهك الذي ساهم كل طرف سوري ممن كان على طاولة آستانة بتجويعه وحصاره وإذلاله ، لكن كل حسب طريقته .!!
الآستانة من حيث المبدأ لم تكن جهدا سوريا ، إنما كانت استثمارا في حالة الإنهاك السوري من جهة ، واستغلالا لحقيقة يكابر الغالبية بالاعتراف بها ، وهي تراجع مستوى الثقة التركية بتمسك معظم القيادات الثورية السورية بإرادة التغيير ، وهي النقطة الأكثر حسما في هذه المعادلة ، فالأتراك أكثر من يعلمون حجم المساعدات التي تم تقديمها لقادة الفصائل الثورية بذريعة إسقاط النظام ، وبالتالي هم أكثر من يعلمون مدى الخلل البنيوي في بنية الفصائل التي تتدعي العمل على التغيير بدءا من انقسامها وليس انتهاءا بنهب معظم قادتها لكل موارد الثورة مرورا بمتاجرات السياسيين بمصالح التغيير وخيانتهم لبعضهم البعض وتغيير تحالفاتهم وهرولتهم نحو الداعمين الشخصيين لهم وليس الداعمين للقضية ..
نعم ، الواقع أن كل أوراق التوت للمعارضة السياسية والفصائل العسكرية قد سقطت منذ زمن أمام الأتراك الذين كانوا أول من آمن بحق السوريين في التغيير ، كل السوريين دون استثناء ، ولم تحاول أن تفرض في أي يوم شيئا على السوريين في اجتماعاتهم ومؤتمراتهم التي تجاوزت السبعين على أرضها ، ولم تطلب من سوري واحد أن يبيع ولاءه لوطنه لحسابها ، مع أن الذي ظنوا أن ممارستهم لذلك قد تزيدهم تقربا منها حسبما اعتادوا في حياتهم في كنف نظام الفتنة في دمشق ، إلا أن الأتراك ما كانوا ليحترموا في يوم من يخون وطنه تحت أية ذريعة ، لكنهم بكل أسف وجدوا الكثيرين من هذه النماذج ، وتكشفت أمامهم كل آلاعيب السياسيين ومتاجرتهم بالهموم الوطنية للوطن السوري الذي من المفترض أن يعملوا معا كسوريين شركاء في الحلم ، لانتزاعه واعادته لسكة التطور الحضاري ، في الوقت الذي ربط معظمهم مصالحه بالمزيد من خراب الوطن ، ولهذا وأكثر ولأن تركيا التي تعلم أن حجم الدعم المنهوب الذي دخل لسوريا يكفي لإسقاط عشرين نظاما على شاكلة نظام آل الأسد الأمني والقمعي المستبد ، قد وجدت أنه من العبث الإستمرار بالنظر للأمور بغير عين الواقعية السياسية والميدانية أيضا ، وأدركت أنه ليس مطلوبا منها أن تكون قيصرا أكثر من القيصر ذاته ، وأخذت في الحسبان حجم الضرر السياسي والإقتصادي الذي لحق بها جرّاء موقفها الداعم للسوريين وحقهم في التغيير ، واتخذت القرار في المشاركة بتعزيز فرص الحل السياسي في سوريا بأسرع وقت ، لكن بإشراف مباشر منها أو بشراكة مباشرة منها لأنها الدولة الأكثر تضررا من تطاير شرر الحرب في سوريا إليها ، والأكثر تهديدا بتمدد مخاطر أية نتائج غير محسوبة إليها أيضا ، لهذا كانت مساعيها تصب في دعم تأطير شكل الحل السياسي ليتم السير نحوه بأسرع وقت بالشراكة مع الدول الإقليمية الفاعلة وعلى رأسها روسيا التي تستحوذ على أفضلية في القدرة على إنفاذ القرارات التي تقود للحل السياسي على كل من نظام دمشق وطهران أيضا ومن والاهم .. وهكذا بدأت الآستانة تنضج باتجاه الظهور باستغلال هذين الظرفين الأساسيين ، بالإضافة إلى غياب الإرادة الوطنية السورية بالمطلق في المشهد السوري الذي انقسم سياسيوه وانقسمت فصائله بين موالي لهذه الدولة ومبايع لتلك الدولة لينشأ التناقض الذي خشينا طويلا أن يتمدد لسوريا بعد العراق ، وعبر تناقض السياسسين تبعا لاختلاف الأجندات التي يتبعون لها ، لكننا وصلنا إليها بكل خزي وعار سيظل ملاصقا للذاكرة السورية زمنا طويلا .
كل شيء كان جاهزا في الآستانة ، ويحتاج فقط إلى شكليات يمارسها بضعة ممن يحملون الجنسية السورية من كل الاطراف ليضعوا بصمتهم عليه ومن ثم يصبح أساسا معترفا به دوليا للبدء بفرض حل سياسي رغما عن انف الجميع وفي مقدمتهم الموقعين عليه ، وكلنا يعلم أن ثلاثة عشر ساعة من الاجتماعات لا تكفي لمناقشة ارهاصات الحالة السورية الي دامت ستة سنوات دامية ، إلا أن الجهد الدولي كان قد فصّل ما يجب أن ُيقال وقرر ما يجب أن يقرّ وانتهى الأمر ببضعة بهلوانيات عبثية صبت في مصلحة النظام بالمطلق ومنحته ليس فقط الشرعية للاستمرار ، بل منحته فصائل مقاتلة توجه بندقيتها حيث يريد ، لكن عبر همس روسي وليس عبر طلب علني منه ، وها قد بدأ الفعل على الأرض بفتح عهد اقتتال الفصائل المسلحة ببعضها تحت شعار المشاركة في مكافحة الإرهاب !!
السوريون بالمجمل لا يملكون قرارهم المستلب منهم بتدبير وإرادة دولية وغالبا عربية عبر السنوات الستة المنصرمة ، إن جلّ ما فعلته الديبلوماسية العربية المخابراتية هو تنصيب من لا علاقة لهم بإرادة التغيير أوصياءا على مسار التغيير وثورة الشباب تحولت بفضل الدعم العروبي إلى لعبة كهول ، وفي مستويات أخرى إلى صراع ديني وفي مستويات مغايرة إلى صراع طبقي أيضا ، وهكذا مع توليد كل نوع جديد من أنواع الصراع على الأرض السورية بذريعة إسقاط النظام ، كانت المسافة تطول نحو التغيير والآمال تتحطم شيئا فشيئا ، لأن لعبة الموت هي آخر ما تمنى السوريون الأحرار رؤيتها تفتك بوطنهم ..
ورقة التوت الأوقح في الآستانة كانت الخصومة مع إيران !! وكثرة التصريحات ضدها ، والتي ذكّرتنا بتصريحات نظام دمشق ضد إسرائيل طيلة الخمسة عقود المنصرمة والتي كان خلالها حارس الحدود الأمين لإسرائيل في الوقت الذي ما كان يقبل أبدا أن تمر أية فرصة إلا ويكيل لإسرائيل التهديد والوعيد والشتم ، .. قالوا في الآستانة عن إيران ما يشبه ذلك ، إيران عدوتنا وشريك في قتل السوريين ..- وهذا كلام صحيح – ثم أكملوا إلا أن روسيا شريك استراتيجي في الحل !!! روسيا التي سحقت حلب وطحنت ما لايقل عن نصف حمص وريف إدلب وقصفت القرى السورية من بحر قزوين ومن البحر المتوسط وأمطرتها بالنار من الجو والبر والبحر ، شريك استراتيجي !! في الحل !! ،
هذه الوقاحة في تزييف الحقائق ، لا تغير فعليا من حقيقة أن روسيا قد تكون في هذه المرحلة هي الحلّ برمته ، ما لم يتدخل مستقبلا الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب بقلب الطاولة على الجميع واجتراح حل من نوع مختلف ، إلا أن التاريخ لن ينسى أن مستوى الإذعان السوري في الآستانة لم يسبق له مثيل على مستوى الأزمات الوطنية في العالم برمته ، لقد وصل الأمر لدرجة أنهم تسلّموا نسخا من الدستور الذي أعدتّه روسيا – التي أحرقت درة المدن السورية ودمرتها – لمستقبل سوريا ووقعوا على تبنيّه ، مع تحفّظ سخيف شكلا ، إلا أنه – أي التحفّظ – يفضح كل مضمون الفكر الرجعي وما تحت المستوى الوطني الذي يحمله معظم المجتمعون في الآستانة ، حول علمانية الدولة السورية مستقبلا !!
إذا هم يريدون أن تبقى سوريا حصةً للأقوى ، ولا يريدونها لكل السوريين ، وربما لا يريدونها أن تبقى سوريا بالأصل !! ومع العلم أن الأجدر بهم أن لا يقبلوا استلام أي وثيقة تتعلق بقرار سيادي سوري مثل الدستور القادم الذي يشكل حلم السوريين حتى لو كان مطابقا لكل آمال السوريين لأن في ذلك انتهاك لسيادة القرار الوطني ، إلا أن كل الأطراف تهافتت على استلام نسخها إرضاءا للسيد الروسي المتحكم الجديد بالبلاد والعباد .. لقد تمادت روسيا على سوريا والسوريين بشكل لم يشهده التاريخ لسبب واحد ، هو أن نظام العهر الذي استقوى بها على شعبه واستقدمها لأجل حفاظه على الكرسي بأي ثمن ، باعها كل سوريا لعقود طويلة ، وهي بالتالي من وجهة نظر قانونية تتصرف في سوريا تصرّف المالك وليس المستأجر حتى ، ومن مصلحتها الحفاظ على النظام ليس حبا فيه بل لأنه الطرف – الشرعي – الذي تنازل لها عن كل ثروات وامتيازات سوريا فوق الأرض وتحتها ، لهذا فهي بحاجته وبحاجة بقاءه حتى استكمال باقي التواقيع من خصومه للتنازل لها عن ثروات سوريا وامتيازات سوريا ومستقبل سوريا والسوريين .. !!
أين السوريون الوطنيون من كل هذا ؟!! مغيبون .نعم مغيبون فعلا !!! . فقد فصلت الرياض معارضتها الهرمة التي لا تنطق عن هوى آل سعود وفصلت موسكو معارضتها التي لن تنطق عن مسار الآستانة واستولت على باقي منصات المعارضة بعد أن دفعت بشكل أو بآخر للدول التي قامت بتصنيعها كلفة التصنيع مع فائض من الأرباح والمصالح والوعود المستقبلية .. السوريون لن يكون لهم قرار بشأن وطنهم إلا بمعجزة .. والذي زاد الطين بلّة هو جيش الكومبارس الذي رافق قيادات الفصائل العسكرية – الثورية – إلى الآستانة من محللين وإعلاميين ومهللين وكلهم ادعى لنفسه أنه الناطق الرسمي باسم الفصائل التي سارعت في نهاية اليوم الآول بحسم كل هذا الخداع وتسمية أسامة أبو زيد ناطقا رسميا وحيدا باسمها ، إلا أن الكومبارس استمروا في ممارسة دورهم ، إذ كان مطلوبا منهم تركيز أنظار السوريين إلى انتصار واهم في الآستانة ، فصرنا نسمع ذاك يشيد بإتقان الصلاة وذاك يكتب الملاحم عن شخصيات المشاركين الفذة وذلك بكل ما في العالم من رخص يحاول خداع السوريين بتصوير أن ما كان ، لم يكن ممكنا له أن يكون لولا وجود فلان أو علاّن في الإجتماع ، لقد أعادونا لزمن تأليه الأشخاص بكل ما فيهم من صفاقة ووضاعة ، حتى شعرنا بالصدمة جراء نقطة العودة السحيقة تاريخيا التي أعادونا إليها ، وصدمنا جرّاء سطحية محاور الحوار والخلاف ، واختزال كل الهم السوري بثلاث نقاط اعتدنا سماعها من كل الساسة المراهقين الثورجيين طيلة السنوات الستة وكأن في ترديدها كالببغاوات دون نتيجة بطولة من نوع ما .. وعلى الرغم من أهمية إطلاق سراح المعتقلين مثلا إلأ أن هذا اليوم قد أصبح واحدا من عشرات الهموم السورية التي تهدد حياة السوريين في معظم المناطق ، وعلى الرغم أيضا من أهمية فك الحصار عن المدن المحاصرة إلا أن هذه كان يجب أن تكون شروطا مسبقة لقبول حضور المؤتمر بالأصل وليست مطالب يتم التغني بها خلال مؤتمر يناقش قضايا عسكرية لوقف النزاع في سوريا .. وحين انبرت آراء السوريين للتعبير عن رفضهم أو نقدهم الحر لمجريات الآستانة ، تجرأ البعض من مدّعي المطالبة ب الديمقراطية هؤلاء من حشود الكومبارس اللا مهني بسبّ المنتقدين وشتم المعترضين وفي أحسن حالاتهم اعتبروهم ناقصين !! نعم بعض مدّعي تمثيل إرادة التغيير نحو مجتمع حر يحترم حرية التعبير والإعلام اتهم كل من انتقد شخوص اجتماع الآستانة بالنقص !! هل ترانا سنشهد نقاصةً ووضاعة أكثر من هذا بعد ؟ ؟!!!
لقد كانوا إعلاميا نسخا مطابقة عن إعلام نظام العهر الذي خرجوا من لدنه أصلا وما اختلفوا عنه بشيء ، بل بالعكس ربما سبقهم إعلام النظام بمراحل في أدبيات الخصومة وإدارتها بذكاء على الأقل . لقد ذكرتنا هذه الحادثة بنكتة يتداولها بطرافة أهل حمص السورية ، ( ( أن هناك من أراد أن ينهي الإحتقان الطائفي بين أهل البلدة فبنى على نفقته جامعا لهم يصلون به معا ، واستقدم إماما محنكا ليكون إماما لهم في الصلاة ، وقال له يا شيخنا ، سأعطيك خمسون ألفا في الشهر لكن بشرط أن لا تذكر علي أو عثمان أو الحسن أو الحسين أو أبو بكر وعمر في خطبتك وصلاتك لكي لا تستثير تنافر المصلين السنة والشيعة .. فأجابة الشيخ ، خليهن ميت ألف بالشهر وإذا بدك حتى سيرة الله ما رح جيبها !!! … )) وصنعة هؤلاء مثل صنعة هذا المدّعي المشيخية ، وما أكثرهم بيننا وما أشد تأثيرهم فتكا بأرواح السوريين وتدميرا لفرص المستقبل السوري الآمن والحر ..
الآستانة باختصار مسرحية انتزاع الشرعية وتحويل الأنظار ونقل البنادق ، وتثبيت الاستلاب الروسي لسوريا ، وأدى الجميع فيها بطريقة أدنى بكثير من مستوى الأمل الوطني بأهمية التأسيس لحل يرضي معظم السوريين وينهي الكارثة الإنسانية والوطنية في سوريا ، إلا أن ما حدث ينبئ بتمدد الكوارث وتراكم المعاناة ولن ينقذ السوريين منها إلا جهد وطني سوريّ فعال من كل السوريين الشرفاء المخلصين الذين يرفضون بيع وطنهم ويرفضون تأجيره ويرفضون استلاب قراراتهم المصيرية المشتركة ويرفضون قطعا تفصيل مستقبلهم بأي يد غريبة ، ويدركون أن السوريين لم يفشلوا بالتوصل إلى حلول إنما الذين فشلوا عمدا هم الذين اختارتهم القوى الدولية ليكونوا الممثلين لأجنداتهم وليس للقضية السورية وكان فشلهم هو المهمة الرئيسية لهم التي تثبت الدول من خلالها عجز السوريين عن التوصل لحلول لتمنح نفسها الذريعة للتدخل في كل شاردة وواردة في سوريا على غرار ما حدث في العراق ، ويحدث اليوم بشكل أبشع في سوريا، لهذا فإن استجماع القوى الوطنية هو أمر ملحّ ومطلوب حاليا أكثر من أي وقت مضى ، والمطلوب أكثر أن يثبت السوريون سوريتهم اليوم أكثر من أي وقت مضى أيضا ، وأن يكون ولاؤهم الحصري والوحيد للمصلحة الوطنية السورية العليا ، لا لأحزابهم ولا لطوائفهم ولا للدول الداعمة لهم ولا لقوميتهم ولا لأي انتماء ينافس انتماءهم السوري بأي طريقة .. لأن التاريخ عن قريب سيسألنا جميعا عمّا فعلناه لننقذ وطننا من براثن استغلال واستعمار واستلاب جديد بات يثبّت براثنه في الجسد السوري المنهك ، وعلينا الأن نعمل معا لنصنع إجابة تليق بما نريد أن نسجله في تاريخنا كسوريين وضعوا مصلحة وطنهم عاليا وتشاركوا جميعا تحصينه وحمايته والذوذ عن سيادته كدولة حرية وعدالة لكل السوريين .
Tags: محرر