محمد عبد الباسط الخطيب: الإعلام الألماني والثورة السورية

محمد عبد الباسط الخطيب: كلنا شركاء

ربيع 2015 في مدينة لايبزيش كنت قد وصلت من جديد لألمانيا وأحمل بجعبتي الكثير من الهموم والمآسي ومتقوقع ضمن حالة معينة هي أن الثورة هي الحدث الأهم على مستوى العالم وأن ما قدمه الشعب السوري من تضحيات جمّة لا بد أنها قد طرقت أبواب العالم ودخلت منازلهم من خلال نقل الإعلام لأوجاع الشعوب في دول العالم الثالث وباعتبار أن الحرية هي الحق الطبيعي لأي كائن بشري وأن لا فرق بين إنسان وإنسان إلا بتلك الحدود التي وضعتها السياسات التافهة وبالطبع أنني وصلت لأحد أكثر الدول التي ترعى وتتبنى قضية الحرية لباقي شعوب العالم .

 حصل أن قررت صحفية إجراء مقابلة للحديث عن العمل الإعلامي في الحرب السورية ( على حد وصفها ) بعد أن انتهى اللقاء وكانت تتحدث العربية بطلاقة وجدتها لا تدري عن ما يجري حقاً في سوريا ما دفعني لأسألها عن معلوماتها عن ما  يجري وما يعرفه الشعب الألماني عن سوريا فأجابت : باعتبار أنني قد درست في  لبنان لعدة سنوات بالطبع أعرف معلومات أكثر من باقي الناس الذين لا ينطقون باللغة العربية إنما في الحقيقة الغالبية العظمى من الشعوب هنا تعتقد أن في سوريا حرب تدور رحاها بين النظام السوري و تنظيم داعش   ! هكذا باختصار كانت الإجابة… ..

صُدمت من الرد الذي بالكاد يعطي الحقيقة إن لم يكن مجحف بحق السوريين الذي قدّموا مئات الآلاف من الشهداء لأجل الحرية مجحف بحق ثورة عظيمة يجب أن يسطرها التاريخ على جدرانه الصلبة الصخرية ! 

هل يعقل أن ثورة جابت شوارع سوريا على مدار أعوام لا يعلم بها أحد أن ثورة اعتقل على اثرها مئات الآلاف لا يدري بها أحد ! 

مرّت الأيام وها أنا في عامي الثاني بألمانيا لا يدري أحد عن خلفية الإسوارة المرسوم عليها علم ثورتي ! ولطالما سُئِلت ماتعني ولما هذه الألوان ! ليس بالضرورة أن يناصر العالم الثورة السورية لكن بالضرورة أن يعلم العالم أن في سوريا يستشهد العشرات يومياً لمطالبتهم بالحرية والعدالة ! أن هؤلاء السوريين ليسوا أقل قيمة من الكنغر الذي تعرض للضرب وقامت لأجله كندا ولم تقعد ! أن لافرق بين من يموت بمفخخات داعش في الريف الشمالي لحلب عن الفرنسيين الذين وَقَفت معهم دول الأرض اجمع ، أن لافرق بين أي طِفل يموت في حلب عن الطفل الغريق على الحدود التركية أنا لم يسبق لي أن سمعت بأن حقوق الإنسان وقضايا الحرية و الإنتفاضات الإعلامية تنتهي على الحدود السورية ولا تشمل الشعب السوري .

لن أغوص في هذا البحر عميقاً يكفي لي المجتمع الذي أعيش فيه ( المانيا ) .

ربما ليس على هذا الشعب عتب ربما السبب يعود لأنه لم يسمع بما يجري ! 

أستيقظ كل صباح اتصفح وسائل التواصل الإجتماعي فقصف هنا وتعذيب هناك هجوم شرس هنا وحصار هناك أشغل الراديو للإستماع للإعلام الألماني فلا جديد كما كل يوم الأخبار السياسية الدولية والتي تتجدد حسب الزمان يعتليه هذه الأيام ترامب فيما تسبقه الملفات النووية واسمع ما يجري في كل العالم من اضطهاد وإن كان هناك هجمة من تنظيم داعش على أي مكان فيتصدر المشهد البغدادي وبياناته ، أخبار الحزب الجديد ومن نجح في الإنتخابات المحلية لمقاطاعات المانيا شعبية ميركل تتقلص وما إلى ذلك ، لا جديد حول ما يجري في سوريا غير الأخبار التي تفيد بهجمات ناجحة للتحالف الدولي على مقرات داعش ! أغلق بسرعة حتى لا اندمج كثيراً بالوهم الناتج عن هذه الوكالات .

بالطبع أنا لا أريد ولا اطمح بأن يقوم الإعلام الألماني بنقل تفاصيل ما يجري حرفياً إنما ايضاً لا اقبل بأن لا يكترث الإعلام العالمي بدماء البشر أو أن تختفي هذه الوكالات والمحطات عن نقل الحرب على داعش متناسية ثورة ونهر من الدماء متناسية جيش يجرم بحق شعب متقصدة أن لا تنقل حقيقة هي أن داعش نتاج نظام أهوج تخريج سجون الأسد ! لماذا لا أقرأ عنوان على دير شبيغل يقول قادة التنظيمات المتطرفة كانوا معتقلين في سجون الأسد ! لماذا لا يبدأ الراديو ومحطات المقاطعات المحلية بعنوان نحن في 2017 و مازالت أذيال الديكتاتورية تقتل العشرات يومياً في سوريا ! 

الكثير من الأسئلة والإستفسارات بلا أجوبة ولا تبرير !

فكرت كثيراْ بالأسباب وحاولت أن أدرسها من كل جانب طر على رأسي الإعلامي المشهور يورغن تودنهوفر ولاشك أن له شعبية في المانيا ، جميعنا يعلم ماذا فعل يورغن عندما دخل لمناطق تنظيم الدولة وقد أخذ إذن خطي من البغدادي بأن لن يمسه سوء أثناء تجوله في مناطق داعش وقد حصل ذلك واستطاع يورغن أن يوثق مجريات الأحداث التي تدور بين داعش والنظام والأكراد متناسياً ثورة بحالها فيما بعد ذلك أيضاً دخل وادعى مقابلة مع قيادي في جبهة النصرة ( رغم أن النصرة نفت أي مقابلة معه قد جرت ) فيما يقول نشطاء أن المقابلة أجريت مع ضابط للنظام السوري ، أيعقل أن الحال في سوريا يقتصر على النظام والتنظيمات المتطرفة ! نعم ستعتقد ذلك لو كنت متابع للإعلام الألماني .

في هذه الأثناء اقتنعت حقاً لماذا لا شعبية عالمية للثورة السورية وأيقنت بأن كل الإعلام والصحافة تتقوقع بسياسة محلية تملي شروطها على الوكالات لتتماشى طرداً مع سياسة الدولة سواء أكانت مع القطب الأمريكي أو الروسي من فلا فرق في التعاطي مع القضية السورية ، الجميع يعتبر في الدرجة الأولى داعش هي السبب (للحربللحرب السورية كما يتم الترويج .

وما حصل في الآونة الأخيرة إثر الهجمة الشرسة على حلب من القوات الروسية فرضت بناء قاعدة شعبية في المانيا بالطبع لم يكن السبب نقل أوجاع سكان حلب إنما التظاهرات التي ملأت أرجاء المدن الألمانية وأيضاً لم يكن لهذه المظاهرات إذن صاغية ! وكأن الأمر متقصد طبعاً بغض النظر عن بعض الأخبار العابرة التي تكتب على زاوية إحدى المجلات حول بعض التظاهرات للجالية السورية تنديداً بحصار نظام الأسد لمدينة حلب .

كنت واثقاً من كون  السلطة الرابعة في البلاد الديكتاتورية يد للحاكم يحمل بها العصى على شعبه ويلوح بها لدب الرعب في قلوبهم إلا أنني واثقاً الآن من أن السلطة الرابعة في كل العالم هي طفل لدى من يغذيه بالمال فالطفل يحب من يطعمه والسياسي يعلم الطفل بما ينطق .

من المفروض أن استكمل البحث هذا البحث بإجراء مقابلة مع صحفي يعمل بوكالة المانية إلا أنني تقصدت أن لا أسمع الطرف الآخر لأن لا أسباب تدفع بشر للإستهانة بدماء شعوب أخرى .





Tags: محرر