on
العميد الركن أحمد رحال: الرقة: تم عزلها … وبانتظار تدميرها
العميد الركن أحمد رحال: كلنا شركاء
مما لا شك فيه أن كل الصراعات والتجاذبات التي تعيشها الأروقة الدبلوماسية من اجتماعات بين الدول المنخرطة بالشأن السوري والباحثة عن الأطراف والحلفاء الواجب إشراكهم بمعركة الرقة, كل هؤلاء ينحصر صراعهم بتحديد من سيحكم مدينة الرقة وليس البحث عمن يحررها.
ومما لا شك فيه أن الولايات المتحدة تكاد تكون قد حسمت أمرها باعتماد ميليشيات قوات سورية الديموقراطية “قسد” لتكون الشريك الأوحد في معركة تحرير الرقة, ضاربة بعرض الحائط (حتى الآن) بكل التحذيرات التركية من استبعادها أو استبعاد الجيش السوري الحر عن تلك المعركة, فالمعطيات على الأرض تقول أن ميليشيات “قسد” قد أنهت المرحلة الثانية من عملية عسكرية تهدف لعزل المدينة التي يسيطر عليها تنظيم “داعش” الإرهابي وبدأت منذ أيام قليلة بالمرحلة الثالثة التي امتدت معاركها وحدود عملياتها العسكرية للأطراف الغربية لمدينة الطبقة ولمطارها العسكري.
أمام عقدة المشاركة التركية من عدمها والتي اصطدمت بها الإدارة الأمريكية وقياداتها العسكرية في المنطقة, وأمام إصرار قادة عسكر أمريكا المستمرون بعملهم منذ إدارة الرئيس الأمريكي السابق “أوباما” على التحالف مع أكراد “صالح مسلم”, وجدنا بعض الصدام في محيط مدينة “منبج” كاد أن يودي لصدام خطير لولا أن العقل تغلب على قوة جنوح العسكر للإقتتال, وأيضاً تم تهدئة الجبهات (تركياً) بسبب الاستحقاقات السياسية في تركيا والمتمثلة باستفتاء (16 نيسان) والذي يشكل الآن أولوية لقيادتها السياسية قد تٌعيد تأجيج الموقف العسكري فيما بعد انتهاء هذا الاستحقاق.
من الواضح أن الإدارة الأمريكية استندت بتجاهلها للمطالب التركية ولأحقية تواجد الجيش الحر ضمن قوام القوى المشاركة بمعركة الرقة والاعتماد فقط على “قسد” إلى عوامل ثلاث:
العامل الأول: الدعم المعنوي والعسكري الذي أعطته بعض العشائر العربية ( عشائر البياطرة والعجيل والبريج والنعيم), إضافة لقوة مكونة من ثلاثة آلاف مقاتل من عشيرة “شمر” وتتبع لرئيس الائتلاف السابق الشيخ “أحمد الجربا” والتي انضمت لتكون من ضمن المكون العربي داخل قوات “قسد”, وبذلك تكون الولايات المتحدة الأمريكية قد حصلت على عباءة عربية تبرر لها خيارها القادم.
العامل الثاني: موقف الولايات المتحدة الأمريكية باقتصار اعتمادها في معركة الرقة على ميليشيات “قسد”, ناجم عن المعلومات الواردة من داخل مدينتي “الرقة والطبقة” من غياب عناصر “الحسبة” و”الشرطة الداعشية” من الشوارع, إضافة للتهاون بعمل حواجز داعش بالداخل, مع معلومات شبه مؤكدة عن خروج القادة المهاجرين وعائلاتهم من المدينة وعبورهم بقوارب صغيرة لضفاف الفرات الجنوبية وتوزعهم ما بين من اتجه نحو دير الزور ومنهم من اتجه نحو ريف حماه والبادية الشامية.
العامل الثالث: الزج بقوات إضافية من القاعدة الأمريكية في الكويت مع معدات عسكرية حديثة تدعم عمل ميليشيات “قسد” تم إدخالها عبر معبر “سيمالكا” على الحدود المشتركة ما بين كوردستان العراق ومدينة الحسكة السورية, مع إنشاء عشرة نقاط قتالية في محيط الرقة الشمالي, ثلاثة منها للدعم اللوجيستي تتمركز في “خراب عشق” و”معمل اللافارج” و”سد تشرين”, إضافة للتمركز بسبع مواقع قتالية عسكرية في الخطوط الخلفية تتموضع فيها مدفعية “الهاوتزر” وصواريخ “ميلرز” لتأمين التغطية النارية والمساندة والمرافقة والدعم أثناء عمل القوات الحليفة والصديقة في جبهات القتال ضد “داعش”.
بالتقييم العسكري لعمل ميليشيات “قسد” وحليفها الأمريكي وبعيداً عن الموقف السياسي منها يمكن القول أننا أمام عملية عزل متقنة لمدينتي الرقة والطبقة, تلك العملية التي تملك غرف عملياتها رؤية عسكرية وإلمام كامل بكل عناصر المعركة, لديها تقييم عسكري مهني يرتكز لرؤية استطلاعية صحيحة قدمتها منظومة الاستطلاع الأمريكي الأرضية والجوية, وأن لديها قدرة على المناورة بالجبهات والنيران وبفعالية عالية, ظهر الأمر جلياً بفتح معركة العزل شمال الرقة ومن ثم الانتقال لأقصى الشرق عبر معركة بلدة “الكرامة” وفجأة الانعطاف غرباً للقيام بإنزال في قرى “أبو هريرة” و”كرين” ومن ثم الانعطاف جنوباً لفتح معركة “مطار الطبقة” (8كم جنوبي المدينة” والسيطرة عليه ومن ثم العودة لمعركة السد, كلها تحركات عسكرية لميليشيات “قسد” مدعومة ببعض القوات الخاصة الأمريكية لكنها اتسمت بالنجاح وأعطت صورة عسكرية جيدة عن قدرتهم على قيادة وإدارة المعركة وأعطت الراعي الأمريكي الأريحية بحسن اختياره للحليف, وعملية العزل استطاعت تطويق عناصر تنظيم “داعش” من ثلاثة اتجاهات (شمال, غرب, شرق) وتٌركت له الجبهة الجنوبية التي تٌفضي للبادية الشرقية كطريق للهروب, والعملية لم تقتصر على العزل العسكري لتنظيم “داعش” داخل الرقة والطبقة, بل يمكن القول أنها عزلت المحيط من المشاركة أيضاً, فبعد قطع الطرق على الجيش الحر في مدينة “منبج”, هي الآن وعبر الوصول إلى محيط مطار “الطبقة” والسيطرة عليه والعودة بمحاولة للسيطرة على “سد الفرات” تكون قد عزلت وقطعت أي طريق لتقدم ميليشيات “الأسد” وحلفائه الإيرانيين وتوابعهم أيضاً.
لكن بالحديث عن معركة تحرير الرقة المنتظرة والمتوقع بدء عملياتها خلال بضعة أيام قادمة كما هو متوقع, وبناءاً على تصريحات لبعض القادة الميدانيين من “قسد” وبعض قادة التحالف, فإن تحرير الرقة يحتاج لقوة عسكرية مهنية تهتم بمصير وسلامة السكان قبل اهتمامها بتحرير الأرض, وبتمهيد جوي ومدفعي يراعي الوضع الإنساني للسكان المرتهنين والمحتجزين داخل المدينة التي تمتد بطول (12)كم وبعرض يصل لأكثر من (6)كم يسكن فيها لا أقل من (300-400) ألف مواطن مدني.
أمام ضعف الحشد بالمقاتلين لميليشيات “قسد” وأمام الخنادق والسواتر الترابية وحقول الألغام والمفخخات التي أقامها تنظيم “داعش” على بوابات ومحيط وداخل مدينة “الرقة” وهو خير من يتقن استخدامها, وأمام قتال الشوارع الذي يبرع به التنظيم, فنحن أمام عملية عسكرية قد يكون سيناريو عملية الموصل هو المعتمد بتفاصيلها, هذا السيناريو الذي تتضمن مفرداته قصف جوي يحرق ويطهر الطريق أمام تقدم القوات وباتباع تكتيك سياسة الأرض المحروقة, وبالتالي فأهل الرقة على موعد مع الموت إما على يد تنظيم داعش عبر التفخيخ والزج بهم كدروع بشرية أو بالموت تحت أنقاض البيوت والمساكن المدمرة بقنابل وصواريخ طائرات التحالف كما هو الحال الآن في الأحياء الغربية لمدينة الموصل العراقية, وأننا سنصل بنتيجة مشابهة تماماً لما حصل في مدينة “عين العرب” التي حررها الأكراد والأمريكان ليس فقط من عناصر داعش بل من سكانها أيضاً عندما حولها لمدينة غير صالحة للسكن, وقد بدأت الملامح تظهر منذ الآن عبر المجازر التي ارتكبها طيرانا لتحالف بحق المنطقة ومجزرة المنصورة والطبقة “النازحين الذين قتلوا في مدرسة أبناء البادية” وتدمير محطة المياه وغيرها والتي تمت في إطار معارك العزل فما بالك في معارك التحرير؟؟
والأسوأ من ذلك أن الصراع الآن (بعد تفرد ميليشيات “قسد” بالمشاركة وفق الرؤية الأمريكية) يرسم سلفاً مستقبل المدينة العربية الأصيلة وهي تستعد منذ الآن ووفقاً لما هو متوقع لمنحها الجنسية الكوردية الوهمية المصطنعة التي يبحث عنها “صالح مسلم” وأقرانه من الانفصاليين الباحثين عن أوطان بديلة بعد تجزئة وتقسيم الوطن الأم سورية على حساب الدماء والقتل والتشريد.
ويبقى الأهم:
هل تاريخ ميليشيات “قسد” في قرى جنوب الحسكة ومحيط القامشلي وجنوب عين العرب وتقارير منظمة “هيومان رايتس ووتش” يعطيها الميزة بأن تكون شريكاً في تحرير مدينة الرقة؟؟
وهل سنكون أمام تحرير الرقة أم تدميرها وتهجير سكانها وتغيير لعروبة مدينة ابن الرشيد؟؟
العميد الركن أحمد رحال
محلل عسكري واستراتيجي
Tags: سلايد