Archived: د.وائل العجي: الثورة السورية وفوضى الخطاب السياسي

د.وائل العجي: كلنا شركاء

تمر الثورة السورية حالياً بمرحلة من أدق المراحل و أصعبها بسبب تعقيدات الظروف اﻹقليمية و الدولية و تصاعد اﻹرهاب الدولي إضافة لضعف و انكفاء المعارضة السورية و تخبطها. تقع معركة الخطاب السياسي و صياغته في قلب المعركة ضد الاستبداد و أدواته خاصة في ظل الدور الكبير الذي تلعبه وسائل اﻹعلام و وسائل التواصل الاجتماعي في نقل المعلومات و صناعة الرأي العام.

ﻻ يمكن ﻷي قضية أن تنتصر إن لم تتوفر لها أسباب النصر و أهمها عدالة هذه القضية، لكن هذا وحده ﻻيكف و ﻻبد من توفير أسباب أخرى للنصر و أهمها صياغة الخطاب السياسي بأسلوب متوازن و تقديمه بطريقة مقنعة و هذا يتطلب معرفة و مثابرة و مهارات خاصة ﻻ تتوافر لدى كل اﻷشخاص. إن آليات العمل السياسي في وقتنا الحالي تشبه في كثير من الجوانب عمليات التسويق التجاري فحتى المنتجات ذات الجودة العالية تحتاج إلى تسويق جيد و هذا يتطلب استثمار موارد مادية و بشرية قادرة على إدارة عمليات الدعاية و الدعاية المضادة.

لقد فجعت الثورة السورية، رغم عدالتها، بفوضى الخطاب السياسي بعد أن تصدى للحديث باسمها عدد ممن ﻻيمتلكون الخبرات و المهارات اللازمة، فامتلأت الساحة بالضجيج و الصراخ و المزايدات الرخيصة، بل و قام البعض بتبن خطاب متطرف مقيت ﻻ يمت ﻷهداف الثورة الحقيقية بصلة مما ساهم بخلق أجواء كريهة من الاستقطاب ضمن الصفوف الثورية استغلها المعسكر المعادي لتشويه صورة الثورة اﻷصيلة و وصمها بالتطرف و الطائفية و هي ماقامت أصلاً إﻻ ضد الظلم و التطرف و الطائفية التي تمثلت بأبشع أشكالها في نظام اﻷسرة اﻷسدية.

و مع تصاعد الجهود الدولية ﻹيجاد حل سياسي للصراع الدائر في سوريا منذ مايقرب من خمس سنوات، تجد المعارضة السورية بشقيها السياسي و العسكري نفسها أمام تحد جدي للخروج بخطاب سياسي منسجم و واقعي و قادر على الصمود و التواجد في كل المحافل في وجه الخطاب السياسي الشرس الذي يشنه النظام اﻷسدي و رعاته الروس و اﻹيرانيون.

و يبدو هذا التحد أكثر وضوحاً لدى المعارضة المسلحة و خاصة الفصائل اﻹسلامية منها إذ مازالت صورتها تبدو مشوهة إلى حد كبير ليس فقط لدى المجتمع الدولي بل أيضاً في أعين كثير من السوريين أنفسهم و ينظر إليها البعض بريية مبالغ بها أحياناً متناسين الظروف البالغة الصعوبة التي تعمل ضمنها هذه الفصائل و الضغوط الهائلة التي تتعرض لها من قبل نظام طائفي مدعوم من قوى إقليمية ذات طبيعة طائفية وقحة و متوحشة.

هذا التحدي الكبير يضع تلك الفصائل أمام مسؤولية مضاعفة تتطلب منها الانتباه إلى هذه القضية و بذل الجهود اللازمة على هذه الجبهة التي ﻻ تقل شراسة عن جبهات القتال بالتشاور مع ذوي الخبرة و الاختصاص لصياغة خطاب سياسي ذكي يتماشى مع متطلبات الصراع و طبيعته و اختيار اﻷشخاص المناسبين لتقديم هذا الخطاب محليا و إقليميا و دوليا.

إن أي قضية عادلة تبق قضية مجردة إن لم يكن لها رسالة نبيلة تريد إيصالها إلى العالم و هنا تأتي أهمية صياغة الخطاب السياسي الذي يشكل اﻷساس الفكري الذي ترتكز عليه الرسالة.

تكتسي الصورة و المؤثرات المرئية أهمية كبيرة في عملية اختصار الخطاب السياسي و تقديمه بشكل رسالة يسهل فهمها و قادرة على التأثير في وعي و عواطف المتلقي. فالبشر عموماً ﻻينظرون إلى اﻹطار اﻷشمل ﻷي صراع و قلة فقط تمتلك الصبر و الرغبة للغوص في الجذور المؤسسة للصراع. يتأثر البشر عادة باﻷحداث ذات الرمزية العالية خاصة و أننا نعيش في عصر اﻹعلام الرقمي و سرعة الاتصاﻻت فبعض اﻷحداث التي قد تبدو في ظاهرها صغيرة قد تكون قادرة على إثارة الرأي العام و التأثير على عمليات صنع القرار أكثر من آﻻف الكتب و المقاﻻت بسبب رمزيتها العالية القادرة على تحريك عواطف و ضمائر البشر العاديين. و هنا تأتي مهارة صانعي الخطاب السياسي في استغلال أحداث كهذه لصياغة رسائل ملائمة تتبنى الحدث و تجيره لمصلحة القضية اﻷشمل و هذا ﻻ يتطلب معرفة و مهارات خاصة فحسب بل أيضاً صبرا و مثابرة و سرعة في التحرك. فعلى سبيل المثال، قامت صورة جسد الطفل السوري الملقى على شواطئ اليونان بتحريك الرأي العام العالمي و المجتمع الدولي أكثر مما حركته عذابات عشرات اﻷلوف من المعتقلين في سجون اﻷسد و جثث مئات اﻷلوف من السوريين الذين قتلوا على أيدي نظام اﻷسد و آﻻف البراميل المتفجرة التي ألقتها طائرات اﻷسد. و لكن للأسف فإن المعارضة السورية لم تكن مهيئة لاستغلال هذه الحادثة و توظيفها لحشد الدعم العالمي لقضية الشعب اﻷساسية و ذلك بسبب وهنها و تخبطها فكانت استجابة المنظمات اﻷجنبية أسرع و أكبر أثرا من أصحاب القضية أنفسهم و الذين أنيطت بهم مسؤولية تمثيلها.

و من ناحية أخرى فقد استغل النظام و رعاته حادثة أبو صقار المعروفة أبشع استغلال ﻹظهار الجيش الحر كمجموعة من شاربي الدماء حتى قبل أن تظهر جبهة النصرة و داعش على الساحة.

إن المعركة إذاً و في جزء كبير منها هي معركة خطاب سياسي يجب على المعارضة السورية بشقيها خوضها بكثير من الحذر و الذكاء و النشاط و السعي بجد لتوظيف كل الطاقات و الخبرات المتوفرة و حشدها لتأخذ دورها في كل الساحات و المحافل لمقاومة عدو شرس مازال محافظا على خطابه السياسي الخبيث منذ اليوم الأول مخصصا لترويجه طاقات مادية و بشرية مهمة بعضها اخترق صفوف المعارضة نفسها فزاد في مآزقها العديدة. هذا يضع المعارضة و الدول الداعمة لها أمام مسؤولية كبيرة ﻻبد لها من تحملها بشكل عاجل حتى إذا انطلقت العملية السياسية تكون المعارضة في موقف أفضل مما هي عليه اﻵن و إﻻ كانت كمن يقدم السهام لعدوه ليرميه بها.

د.وائل العجي، متحدث باسم الشبكة السورية لحقوق الإنسان





Tags: مميز