on
Archived: أحمد رياض غنام: سوريا بين سندان الوسيط والأصيل والبيادق …
أحمد رياض غنام: كلنا شركاء
ليس بمفاجئ هذا التقارب التركي الإسرائيلي كونه يندرج في إطار العلاقات القديمة والعميقة بين الدولة التركية وإسرائيل . وغالباً ماتتعرض البلدان لتوتر في علاقاتها ماتلبث ان تعود لطبيعتها خاصة إذا كانت هذه العلاقة محكومة بقضايا ذات بعد قومي ومصلحي هام لكلا الطرفين .
وكذلك لم يكن صادماً هذه الإنعطافة بإتجاه الروسي المهيمن داخل سورية والمتفاهم مع محيطها العربي وإسرائيل . فكانت الإستدارة السريعة والخاطفة بإتجاه تغيير سياستها الخارجية بعد ان لمست أن معظم دول الجوار السوري تؤيد الدورالروسي مجاهرة ومن خلال ردود أفعالها التي ترصدها الحوارات السياسية والتعاطي الدبلوماسي المتفهم لهذا الدور . وما كان لهذا أن يحدث لولا الخضة العنيفة التي تعرض لها الداخل التركي ومحاولة عزلها أوربياً وإقليمياً .
في حين ان المعارضة السياسية السورية المفككه هى الطرف الوحيد الغيرمستوعب لإزدواجية الأداء الروسي . مما يجعلها في حيرة وعجز عن فتح حوارات مباشرة معها من اجل الوصول لقواسم مشتركة تحدد شكل وإطار وطبيعة الحل السياسي المرتقب والذي يعرقله إصرار الروسي على بقاء رأس النظام في المرحلة الإنتقالية . وكذلك إرتكابها الجرائم بحق الأبرياء مما يجعله بعيداً كل البعد عن دور الوسيط النزيه . إن القدرة على فهم التوصيف الوظيفي لكافة القوى المتداخلة في الشأن السوري بشكل مباشر او من خلال الوسطاء الدوليين واللاعبين الداخليين والإقليميين . هى من اهم العوامل المساعدة في إنتاج حوار سياسي يفضي لنتائج قد تساهم في تحسين مناخات الحوار الدبلوماسي الهادف لإنتاج خارطة طريق للحل المأمول حيث من المتوقع إعادة تفعيل المسار السياسي كنتيجة طبيعية للأحداث الميدانية المتسارعة في الداخل السوري . علماً بأن هذا الحل سيكون مؤلماً لقوى المعارضة في حال إستجابت للضغوط المتوقعة .
فالروسي قد كٌلف بإدارة هذا الملف بشكل يحقق مصالحه والتي تتقاطع ومصلحة الطرف الأصيل المؤثر بشكل قوي داخل مجلس الأمن والإتحاد الأوربي ولدى صانع القرار الأمريكي المنسحب تدريجياً من المنطقة .
والأصيل في هذا الصراع هو إسرائيل . صاحبة الكلمة الفصل في كيفية التحكم بمساراته الدبلوماسية والميدانية . حيث تتم السيطرة الكاملة على الحراك العسكري المناهض لنظام الأسد ومن خلال غرفتي الموم والموك في المنطقةالجنوبية ومحيط العاصمة دمشق والقلمون وهى من الخطوط الحمراء لدى أغلب الدول وخاصة إسرائيل والتي لن تسمح بتغيير الخارطة العسكرية إلا فيما يخدم نظام الأسد . بإنتظار إنتاج نظام سياسي جديد مختلط . تقودة روسيا خطوة بخطوة نحو الثبات والتحكم بمفاصل الدولة السورية وسيكون بعض الشخصيات العسكرية دور كبير فيه ومن خلال المجلس العسكري والمجلس الرئاسي المتوقع وسيكون للأسد دور في هذه المرحلة ولكن بشكل أقل بروزاً.
أما بقية القوى الإقليمية وفي مقدمتها إيران ودول الخليج العربي وكذلك تركيا فهى البيادق القادرة على إزاحة الصراع وتحريكه بشكل دائم ضمن الخطوط المرسومة أمريكياً وإسرائيلياً في الدرجة الأولى وروسياً في الدرجة الثانية منعاً لحدوث اي إختراق لصالح قوى الثورة حيث يتم إعادة ضبطه من قبل التركي في الشمال او الإسرائيلي في الجنوب والعاصمة .
ويعود هذا التلزيم الإسرائيلي لروسيا في الملف السوري لمرحلة ماقبل توقيع الإتفاق النووي الإيراني الأمريكي . حيث ابدت إنزعاجها من بنود هذا الإتفاق من حيث الشكل . في حين انها كانت راضية به من حيث المضمون والهدف والنتائج المرجوة . وبذات الوقت لم تكن مرتاحة لطريقة تعاطي إدارة أوباما في مقاربته للشأن السوري . حيث اصر نتنياهو في إحدى زياراته لواشنطن على ان الملف السوري يعتبر الأهم في قضية الأمن القومي الإسرائيلي وهى من سيديره وبالشكل الذي يضمن مصالحها وأمنها القومي .
فكان لها ماأرادت . خاصة وأن الأمريكي يتجه وبشكل تدريجي للإنسحاب من المنطقة وحماية مصالحه ستكون مناطة بالدور الإسرائيلي والذي سيكون من اقوى اللاعبين في تشكيل الأحلاف الجديدة . والمتوقع ان تلعب فيه كل من روسيا وتركيا ومصر والسعودية والأردن وبعض دول الخليج دورمركزي . وبالتأكيد فإن النظام السوري الجديد لن يكون بعيداً عن تأثيرات هذا الحلف المباشرة والذي سيستهدف القوى التكفيرية وكذلك تحجيم دور الإسلام السياسي المتجه لإعادة إنتاج حالة متجددة تعيد تموضعه على خارطة الأحزاب العربية . ولن تكون مراجعة الغنوشي في تونس الأخيرة في هذا السياق . حيث تبشر بولادة الفكر السياسي الجديد والمتفهم لكيفية إدارة مصالح الدولة من خلال التطورات التي تعصف بالمجتمعات العربية والساعية لعلاقات ذات بعد إقتصادي يبدل من حياة الأفراد ويحقق نوعاً من البحبوحة كانت غائبة لعقود طويلة في ظل أنظمة فاسدة إستثمرت في قضية الصمود والتصدي وجعلت البلاد تعيش في حالة من التردي الإقتصادي والمعيشي لدرجة الحضيض . فعامل التنمية سيكون مقدماً على معظم القضايا الوطنية التقليدية والتي لم تعد صالحة للتعاطي مع قضايا المواطن العادي الساعي للعيش الكريم …
ويبقى على المعارضة السورية إدراك هذه المعادلة المعقدة والدقيقية . وعليها ان تبدل من أدواتها وخطابها السياسي وأن تكون أكثر واقعية في تناول الملف السوري . والعمل على تقييم حجم التنازلات الممكنة وصياغتها وجوهرتها بميزان دقيق من أجل إعتبارت في غاية الخطورة تهدد مستقبل البلاد من حيث وحدته الديمغرافية والجيوسياسة . فعوامل البعثرة والتشظي أصبحت هى الأقوى وهى المرغوبة لدى بعض الأطراف الداخلية والخارجية . والتي ترى مصلحتها تكمن في تقسيم البلاد لكنتونات متناحرة أخذت صورها تتضح في حلب وإدلب وبعض المناطق المتصلة بالشمال السوري في حين ان العمل على رسم خارطة سورية المفيدة آخذ بالتمكن والوضوح وستكون المنطقة الجنوبية نواتها الصلبة والتي تعهدت إسرائيل وروسيا بقيامها في حال تعثرت المفاوضات وتم الإصرار على تنحي الأسد . في إشارة واضحة لإعادة ترتيب الخارطة بمايضمن مصالح تلك القوى والتي لن تغادر سورية لسنوات طويلة لتشكل حالة من الوصاية الدولية عليها ريثما يتضح شكل وطبيعة المسار المرسوم للنظام السياسي القادم ومدى تمكنه من إدارة الدولة . فالأخطار المحتملة كبيرة جداً وعامل التقسيم الجيوسياسي هو الأوضح حتى الآن . ولايعني هذا ان تستكين قوى الثورة وتعلن إستسلامها او القبول بالعودة للحكم الديكتاتوري .! بل المطلوب ترشيد العملية السياسية بمايضمن قيام مرحلة إنتقالية شفافة ومراقبة دولياً . تساهم في إعادة هيكلة الدولة السورية بشكل عصري مما يسمح بقيام نظام ديمقراطي رشيد يستمد جوهر قيمته من خلال الثقافة المجتمعية السورية وطبيعة العلاقات الإنسانية بين المكونات المتعدد . رغم أن سورية القادمة ستكون دولة ضعيفة وتعتمد على الدعم الخارجي بشكل يرسم أكثر من إشارة إستفهام على موضوع السيادة والإستقلال وهو الناتج الطبيعي لحرب بهذه الشراسة كان للوسيط والأصيل والبيادق مساهمات رئيسية فيها …
Tags: مميز