Archived: بهنان يامين: الانقلاب التركي الاخير والخوف على الديمقراطية

 بهنان يامين: كلنا شركاء

  مما لا شك بأن كل الانقلابات العسكرية في العالم مرفوضة ومدانة، ولقد عانت منطقتنا الويلات بسبب هذه الانقلابات، فالانقلابات العسكرية هي عمليات غير دستورية، والجملة المشتركة بين كل البلاغات رقم واحد، هي ” تعليق الدستور وحل المؤسسات المنتخبة ديمقراطياً” وهذه العبارة وحدها كافية لادانته، حيث توضع الحياة السياسية على الرف، ويصبح الحكم ينطلق من فوهة الدبابة. عرفت تركية الاتاتوركية اكثر من انقلاب منذ الانقلاب الاول عام 1960، وحتى الانقلاب الأخير في الخامس عشر من شهر تموز الجاري، ولكنه انقلاباً فشل فشلاً ذريعاً، ولقد افرح في البداية خصوم اردوغان، ولكن فشله رسم البهجة على مؤيديه. حدوث الانقلاب كان دائماً يحوم حول الحكومة التركية الحالية، وفشله لا يعني ابتعاد شبح الانقلابات العسكرية عن تركية، كون الجيش التركي يعتبر نفسه حامي الاتاتوركية والعلمانية. وبمقدار ما فرحت لفشله، لانني أمقت حكم العسكر، بمقدار ما خفت، وأول شيء خفت عليه كان على الديموقراطية والعلمانية في تركية.

  ولقد تأكد هذا الخوف من خلال ردات فعل الرئيس أردوغان وحكومته، حيث ينفذ عمليات تطهير بحق جماعات فتح الله غولن، تطهير هو بعيد عن الممارسات الديموقراطية. مما لا شك بأن فرض قانون الطوارئ لمدة ثلاثة اشهر، هو تصرف شرعي على ان لا يتمدد هذا القانون أشهر وسنوات، حيث تعلق الديموقراطية، وهو ان استمر هذا التعليق يتحول الى شبه انقلاب عسكري.

   من المفهوم والطبيعي ان يعيد الرئيس اردوغان هيكلة الجيش، ولكن هذه الاعادة يجب ان تكون بطريقة ديمقراطية هادئة، ومن يثبت من التحقيقات مشاركته بالانقلاب يحال الى محاكم قانونية، تعطيهم حق الدفاع عن انفسهم، الذي كفلته قوانين حقوق الانسان، ومن يثبت براءته يعاد الى مركزه في الجيش.

  ان ضرب المؤسسات التعليمية بالطريقة التي تقوم بها الحكومة التركية، هي بعيدة عن الديمقراطية، وتحمل في طياتها الكثير من الانتقام، والانتقام هو عملية غير ديموقراطية ويؤدي الى ظلم الكثيرين وقطع سبل عيشهم، كما انه يحرم الكثير من الطلاب، على كافة الاصعدة التعليمية، من حق التعليم.

  انا لا اشكك في ديمقراطية الرئيس اردوغان، ولكن اولى مبادئ الديموقراطية تقضي بان يحاكم هو الأخر نفسه بنفسه، حيث عليه ان يكشف لنفسه وللشعب التركي، ما هي اخطاء حكوماته المتوالية منذ وصول حزبه الى الحكم في تركية. مما لا شك فيه ان هناك أخطاء استغلها الانقلابيون لكي يقومون بحركتهم، وهذه الاخطاء والثغرات هي التي سهلت لغولن وانصاره ان ينقلبوا على الحكومة المنتخبة شرعاً.

  من أهم هذه الأخطاء هو تحويل نظام الحكم في تركية من حكم برلماني الى حكم رئاسي، والحكم الرئاسي في البلدان الحديثة الديموقراطية، يؤسس الى حكم ديكتاتوري، وهو تخوف آخر يقض مضاجع الديموقرايين في المنطقة، وعلينا ان نكون صريحيين مع انفسنا، فلقد كان الرئيس اروغان سائر على طريق وضع كل مقاليد الحكم في يده، وهذه عملية ايضا غير ديموقراطية، وتشكل مشروعاً ديكتاتورياً. يعتقد الكثير من القوى الديموقراطية في المنطقة بأن هذا التحول هو الثغرة التي تسلل منها الانقلابيون ليقوموا بحركتهم.

 كان الفعل، الانقلاب العسكري، خطأ، ولكن الطريقة الانتقامية التي يمارسها الرئيس الطيب أردوغان وحكومته، بحق خصومه ايضاً خطأً وخطأ كبيراً، لانه لا يجوز للحاكم المنتخب ديموقراطياً، ان يبتعد عن كون المؤسسات الحكومية، والسلطة القضائية، هي من تقوم بمحاسبة هؤلاء الانقلابيين، وانصار خصمه فتح الله غولان، واتخاذ الاجراءات المناسبة بحقهم.

 أن تهديد الرئيس اردوغان بإعادة قانون الاعدام الى تركية، وهو ما تخلت عنه تركية منذ مدة طويلة، ليس فقط من أجل ارضاء دوائر الاتحاد الاوروبي، بل ايضا كإجراء ديموقراطي، فالاعدام قد الغي في معظم الدول الاوروبية ومنها تركية. هذا التهديد ايضاً عملية مرفوضة، لان اي حكم بالاعدام يطال الانقلابيين، هو ايضاً غير دستوري، كون الجرم، كان قبل اعادة العمل بهذا القانون. بالطبع ان أعادة حكم الاعدام الى تركية سيلغي حلمها الدخول الى الاتحاد الاوروبي وهو ما تعمل عليه منذ سنوات.

  ان خوفنا على الديموقراطية في تركية يأتي من حرصنا ان لا تجهض هذه الممارسة، وهو ناجم من حرصنا كقوى ديموقراطية، على الحكومة الشرعية المنتخبة من قبل الشعب، فالشعب هو مصدر السلطات، وعلى الحكومة التركية كما اسلفنا ان تحاسب نفسها قبل ان تحاسب الآخرين، حتى لا يأتي اليوم الذي يحاسبها الشعب التركي ويقصيها هو، عبر صندوق الاقتراع، لا عبر الانقلاب العسكري بقوة الدبابة والبلاغ رقم واحد، وهو مرفوض بشكل قطعي، فحكم العسكر لا يجر الا الويلات والمصائب والطغيان كما في وطننا الحبيب سورية.       





Tags: مميز