on
Archived: سميرة مبيض: مهاجمة الاعتدال في تأقلم مع العنف المحيط
سميرة مبيض، باحثة و أكاديمية: كلنا شركاء
لم و لن يبق منّا من لم يتأثر بالعنف الدائر في بلدنا الأم مهما اعتقد أنه محصّن من أي تدهور و تأتي ردود الأفعال مختلفة بحسب موقع كل شخص و مقدار تلقيه اليومي للعنف القادم من هناك و نوعية ما يتلقاه بما يتراوح من العنف المباشر الذي يدفع به لحمل السلاح و قتل انسان مروراً بالخوف المستمر مما وراء الحاجز و الذي دفع السوريون، جميعهم، لحالة كره استباقي نحو الآخر متمثلاً بعنف لفظي و تأهب دائم استعداداً للحظة المواجهة.
وصولاً الى المتلقي عن بعد، فخلافاً للحروب قديماً و التي كان يترافق تأثيرها الفاعل على من تواجد في محيط الحرب فان ملايين السوريين اليوم يتواصلون مع الحالة العنفية السورية المستمرة عن بعد و يترافق ذلك مع العجز عن القيام بتغيير مباشر في مسار الأمور مما جعلهم يطورون تيارات فكرية مؤثرة بشكل هام.
علماً أن ردة الفعل على الحالة المحيطة هي المحرك لأي تغيير دافع للتأقلم، فكل ما نراه في الحياة اليوم هو استجابة تأقلمية فعّالة على ظرف محيط استمر فترة طويلة بما يكفي ليخلق حالة تأقلم.
و ذلك تماماً ما يدعو للقلق في استمرارية الجرعة العنفية اليومية التي يتلقاها السوريون على اختلاف مواقعهم فهو المحرك الذي يدفع بالكثيرين نحو حالة من التأقلم تفترض غالباً الانضواء تحت تيار جارف معطلاً حواس المتلقين القادرة على التمييز بين الحق و الباطل.
اللافت في هذا السياق أن نظرة كره الآخر باتت تُلوث جميع الشرائح الفكرية من المجتمع السوري و لم يسلم منها حتى الكثيرون ممن يُفترض بهم القيام بدور التوعية الفكرية بحيادية نحو الأديان و إيجابية نحو الانسان حيث يبدو الكثير من المثقفين السوريين كمن سقط في هذه المصيدة مهاجماً الاعتدال متأقلماً مع العنف المحيط.
ها نحن نرى منهم من يستنكر جرائم و يسكت عن أخرى و من يتبنى التهجم على الأديان متأقلماً مع التيار الجارف غير مدرك أنه بذلك يعد مسبباً غير مباشر للتطرف بمغالاته بتجاهل الظلم و عدم الاعتراف بحق الاعتقاد كلٌ بما ارتآه وعيه وادراكه طالما لا يتجاوز به أمن الآخرين و حريتهم.
كما نرى منهم من انساق لتيار العنصرية و يجاهد في سبيل حق الأمن و الحياة لقوم دون الآخرين.
انزياح فكري نحو تيارات جارفة و انحياز اجباري نحو الأقطاب هذا ما يهددنا في تموضعنا المستمر منذ خمس سنوات تحت ظل عنف محلي و لا مبالاة دولية و تشبث قاتل للنظام بالسلطة و فشل ذريع للمعارضة السياسية في الارتقاء لمستوى الثوار و استجرار حروب من غير زمان و غير مكان لتثمر خراباً في أرضنا.
غير ممكن مقاومة التغيير لكن علينا بدفعه نحو الأفضل، و العقل هنا هو الأداة الوحيدة لنا في هذا المسار فلا التطرف المضاد سيفيدنا و لا التهجم على الاعتدال سينقذنا و الطريق السوي واضح لمن امتلك عقله فلا يضل عنه الا من شاء.
Tags: مميز