Archived: علاء الدين الخطيب :سورية على طاولة أميركية ساخنة، من الكلام

علاء الدين الخطيب : كلنا شركاء

نشرت صحيفة نيويورك تايمز في 21 حزيران مقالا مهما للكاتب دافيد سانغر بعنوان “كيري يلتقي بديبلوماسيين أمريكيين معترضين يريدون عملا حاسما في سورية”، تناول فيه المناقشات الساخنة في البيت الأبيض والخارجية الأميركية حول الوضع السوري. فقبل أسبوع تقريبا، وقع 51 ديبلوماسيا، في الخارجية الأمريكية، بيانا يعترض على السياسة الأميركية في سورية، من خلال آلية اعتراض تدعى “قناة الاعتراض dissent channel”، وطالبوا في بيانهم بإجراء عسكري حاسم في سورية؛ لكن هذا البيان تسرب بسرعة للإعلام على غير العادة. بسبب هذا البيان عقد كيري لقاء غير عادي مع ثمانية من المعترضين، وكان محور الحديث، هل يمكن لإدارة أوباما فعل شيء في سورية خلال الستة شهور القادمة؛ لقد كان جواب كيري شديد الحذر، فلم يوافق على احتجاجات المعترضين، ولم يعترف بأنه، هو بنفسه كان قد حاجج بأن بشار الأسد لن يتوقف عن قصف، وتجويع، ومحاصرة شعبه، ما لم يتم دعم المفاوضات بضغط عسكري؛ وأكد كيري أن أفكار المعترضين قد نوقشت عدة مرات سابقا وتم رفضها لأنها أكثر تعقيدا مما تبدو.

حسب المتسرب من أخبار، فإن بيان المعترضين قد أغضب كامل الإدارة الأميركية ممن هم أكبر سنا، ومنهم نائب الرئيس الأميركي بايدن، الذي صرح لقناة سي بي إس بأن كل اقتراحات الديبلوماسيين الشباب قد تمت دراستها منذ وقت طويل، وأضاف بأنه لم يجد توصية واحدة في البيان تحمل جوابا واحدا، أو كيف يمكن تنفيذ ما يقولون؛ وأضاف “الرئيس حساس جدا حول هذا الموضوع، وقد دعا كبار المسؤولين بمن فيهم رئيس هيئة الأركان المشتركة، ومدير المخابرات المركزية، وسألهم: ما الذي قد يفيد، هل هذا يفيد؛ كان جوابهم كلهم بالنفي”.

طرح كيري بحضور اثنين من مساعديه في اجتماع مع أوباما، بافتراض تنفيذ رأي المعترضين، سلسلة من الأسئلة: ما هو الأساس القانوني لقصف قوات الأسد، في غياب قرار من الأمم المتحدة، وحتى من الناتو؟ ما الذي سيحصل، إذا حدث تصادم مع القوات الجوية الروسية التي تدافع عن الأسد؟ ماذا لو تم إصابة طيار أميركي؟ كيف سيؤثر ذلك على الحرب على داعش؟

يضيف سانغر، أن الملفت للنظر، خلال خمس سنين، بعد أن أعلن أوباما أن بشار الأسد يجب أن يغادر، وبعد سلسلة من الخطوط الحمراء، ومحاولات وقف إطلاق النار الفاشلة، هو أن حتى بعض الموظفين الذين يتابعون العمل الديبلوماسي حول سورية، يوما بيوم، لم يفهموا مبرر الحذر الشديد عند أوباما وعند هيئة الأركان المشتركة الأميركية.

كان كيري قد صرح لزواره الأسبوع الماضي، أن دخول روسيا الحرب السورية قد عقّد كثيرا عملية التدخل العسكري الأميركي، فاحتمالات حصول حادث تصادم عسكري مع الروس احتمال معقول لا يمكن إهماله. وبمفاوضاته مع لافروف، طالب كيري الروس بالتنسيق الكامل مع الأميركيين بما في ذلك مشاركة المعلومات الاستخباراتية، وهذا الطلب أثار التوجس عند البنتاغون.

يختم الكاتب، “إن الأسد، غالبا، قد عرف قصة بيان المعارضة في الخارجية الأميركية، وسمع ماذا قال بايدن، وبالتالي سيتصرف وفق قناعة أنه يملك وقتا كافيا قبل انتهاء ولاية أوباما. أما المعترضين الثمانية فقد غادروا مكتب كيري مقتنعين بأنها ليست الكلمة النهائية حول الاستراتيجية الأميركية في سورية، رغم أنهم، وكيري، وأوباما يشعرون بالإحباط، لأن لا شيء يمكن عمله”.

استنتاجات من مقال سانغر

لا يمكننا الادعاء بأن هذه التسريبات والجدالات كذب أميركي أو ضعف بأوباما وإدارته؛ بالواقع هي تعكس حالة الجدل ضمن أي إدارة أميركية بمواجهة مشاكل استراتيجية كبرى، هذا الجدل يحتاج حسمه إلى دعم من: اللوبيات الفعّالة في الإدارة الأميركية، ومراكز البحث والتحليل، والبنتاغون، والمخابرات المركزية. فما كان لأوباما، ومن قبله جورج بوش الابن، والأب، اتخاذ قرار الحرب دون دعم هذه الجهات.

من ناحية ثانية، ربما يدفع هذا التقرير مع غيره، إلى الاستنتاج أن أحد أسباب اتخاذ قرار التدخل العسكري الروسي المباشر، هو التحوط لاحتمال أن يصل أوباما وإدارته لقرار مفاجئ بالتدخل العسكري، حتى لو كان محدودا في سورية، مما سيحرم الروس من امتلاك المبادرة، فمن يملك أجواء الشمال السوري عسكريا يصبح هو صاحب الكلمة الأولى في سورية.

بكل الأحوال، فإن ضغط 51 ديبلوماسيا من الصف الثاني وما دون، ليس ضغطا حقيقيا على البنتاغون والمخابرات الأميركية، بقدر ما هو إزعاج للأكبر سنا في الخارجية والبيت الأبيض، “فهؤلاء الشباب المتحمسون سيتعلمون مع الزمن” حسبما لمح بايدن. وستبقي سورية، في ظل همجية النظام الأسدي، والدعم الروسي اللامحدود، وعدم وجود مصلحة أميركية مباشرة، وفشل المعارضة السورية كلها، بانتظار مفاجأة ما تكسر هذا الصراع المتوازن والحذر بين الدول فوق الأرض السورية.

24/06/2016





Tags: مميز