دوما النائمة على الصبر.. قدّمت أكثر من 7500 شهيداً حتى اليوم

رزق العبي: كلنا شركاء

“يا مدللة بدروب أهل الودّ، يا آخر العنقود، يا دالية عالية تعلّم محبة وجود، يا نايمة ع الصبر وتفيق ع البارود، يا أمّنا دوما.. يا جرح أكبر من بلد يا جرح فوق حدود..” بهذه الكلمات غنّى أحد السوريين لمدينة “دوما” المحاصرة في غوطة دمشق الشرقية منذ عام 2013 بشكل كام، هي كلمات فصّلها المغنّي تفصيلاً على الحالة الصعبة التي وصلت بأكثر من 150 ألفَ مدنيٍّ يسكن هناك.

أثناء حديثه معنا، يحاول الناشط والمصوّر “رامي الصالح” أحد أبناء المدينة، الضحك على الواقع البائس، إلا أنه يفشل في ذلك مع أول سؤال نسأله عبر اتصال هاتفي: كيف تقضي يومك في دوما؟

يقول “الصالح” بنبرةٍ مستسلمة: “لا شيء هنا يدعو للأمل، إلا أنها أرضنا والبلد التي ولدنا فيها، دوما تعيش حالة صعبة جداً، تتمثل أولاً في حالة الخوف التي تعشّش في كل زوايا المدينة، فهي تعتبر هدفاً يومياً للطيران، والقذائف، المدارس مدّمرة بشكل كامل، حتى أن الشهر الماضي تمّ استهداف 7 منها ودمّرت أيضاً، والمشافي لا تعمل أبداً، هناك نقاط طبية متنقلة تداوي الجرحى والمرضى، وهي عرضة للقصف أيضاً”.

يتابع “الصالح” حديثه: “لا يوجد أدنى مقومات الرفاهية في دوما، حتى أنك لو أردت شرب كوب من الكوكتيل، فلا تحصل على ذلك، أو سندويشة شاورما، مثلي مثل كل الشباب داخل المدينة، نتسلّى بالأمل أن تنتهي تلك الحرب، الكثير من شبابنا على جبهات القتال، وما تبقى داخل المدينة يعمل كمسعف للجرحى أثناء الغارات اليومية”.

مدينة المآذن

كانت مدينة “دوما” من أوائل المدن الثائرة في ريف العاصمة، يقال لها مدينة العنب الدوماني، ومدينة المآذن، بعد تلبيسة في ريف حمص، لكثرة مآذنها، حيث تحتوي المدينة على 80 جامعاً، إلّا أن النظام، قصف معظم تلك المآذن وسوى خمسة جوامع مع الأرض، وفقاً لإحصائية حصلت عليها (كلنا شركاء) من المجلس المحلي للمدينة، الذي أكّد أن مشهد الدمار لا يغيب عن أحياء المدينة، إلّا أن ذلك يختلف من حيّ لآخر.

يقول الناشط “بشار أبو لؤي” إن أكثر من 350 ألف مدنيّ هجروا “دوما” باتجاه العاصمة، والدول المجاورة، ومن بقي في المدينة يتحايل على الحصار والدمار ليعتاش وفقاً لظروف الحياة.

“بدنا نعيش”

على إحدى الأرصفة في شارع “القوتلي” الشهير في المدينة، يجلس الحاج “أبو أحمد” ليبيع (الزريعة) في مشهد يغريك للاقتراب منه، ومع الحياة التي تنبض بها عربته الممتلئة بالورود، تنحني أسقف البيوت وبقايا الجدران، كيفا اتجهتْ عيون الناظر، ليقول: “بدنا نعيش، مو طالع الإيد شي.. حرب ما بترحم لا حجر ولا بشر..”.

وتقول الشهادات القادمة من هناك، إن الكثير من الأسر ليس لديها عمل، مع انتشار بائعي الحطب، والأثاث المنزلي المستعمل، والبعض اخترع حلولاً للطاقة البديلة، عدا عن رواج البسطات والأسواق الشعبية التي غالباً من تحصد الطائرات أرواح العشرات من مرتاديها، ويعتمد الكثير من الناس على الأرض في الأمور الزراعية.

يفضّل الأهالي النوم في الأقبية والملاجئ، في مدينة تنام وتصحو على صوت صافرات الإنذار حيث يتمّ استهداف المدينة بالصواريخ الفراغية والعنقودية، والتي استشهد على إثرها منذ بداية الثورة وحتى مطلع الشهر الحالي قرابة 7500 مدنيّ، بينهم 1147 طفلاً، و522 امرأة، فضلاً عن 218 حالة شلل بالكامل، و220 حالة فقدان عين، و225 حالة بتر، لتكون مدينة دوما من أكثر مدن سوريا بعدد الضحايا البشرية.

في مدينة “دوما” يسكن حوالي 26500 عائلة، بينهم 1410 عائلات وافدة إلى المدينة، إلّا أنّ أهلها يشعرون بالوِحدة، والوحشة التي تبتلع كل شيء، وما بقي من أطفال يزيّنون حواري المدينة، باتوا يتصنّعون الضحكات، مع استهداف النظام للمناطق السكنية كل يوم.

نساؤها “أخوات رجال”

عندما سألنا الصحفية “منى شلهوب” ابنة مدينة “دوما” عن حال المرأة الدومانية، قالت “هي أخت الرجال، الصابرة، نصف صبر دوما آتٍ من صبر نسائها، المرأة في دوما تحارب الحصار والخوف، وتتحدى القذائف والطائرة بإرادة منقطعة النظير، إنها تمشي فوق الموت الذي يلاحق الأطفال والرجال والشيوخ”.

وتتابع “شلهوب” التي تسكن في سويسرا: “أتواصل مع نساء مدينتي الّلاتي التحق الكثير منهن بمراكز تم افتتاحها في دوما مثل مركز تنمية المرأة، تستمع المرأة هناك لمحاضرات وتتعرف على أفضل الطرق والوسائل الحديثة في تربية الأولاد، وفقاً لما يناسب المرحلة، وهناك الكثير من النساء عدْن لمقاعد الدراسة، وشهدت هذه المعاهد عدة حالات التقت فيها الطالبة مع ابنتها في الصف وكذلك الكثير منهن التحقن بمراكز لتعلّم الحلاقة والخياطة وبعضهن التحقن بمراكز محو الأمية وبعضهن التحقن بالمساجد للحصول على العلوم في القران والشريعة الإسلامية، ولم نعد نرى تلك السيدة التي انقطعت وراء جدران بيتها تنتظر لينتهي نهارها بل هي امرأة نفضت غبار الخوف والحرب والحصار لتتحدى آلة القمع والوحشية”.

اقرأ:

(قف مع دوما) حملةٌ لتسليط الضوء على جرائم النظام وروسيا في دوما








Tags: سلايد