on
خمس سنوات على الرحيل… باسل شحادة: شهيد الحب والحرب
رشا دالاتي: كلنا شركاء
“بكلّ الأسى والحزن يؤسفني أن أنقل لكم نبأ مقتل الطالب باسل شحادة”.
كلماتٌ قالتها مديرة جامعة سيراكيوس الأميركية في مقالٍ لها على موقع الجامعة قبل سنواتٍ خمس، لتنقل خبر استشهاد باسل شحادة (27 عاماً) في سوريا بعد أن ترك الولايات المتحدة الأميركية التي حصل فيها على منحة “فولبرايت” لدراسة الإخراج السينمائي تاركاً خلفه أحلامه بالإخراج والأفلام بعد اندلاع الثورة في سوريا مختاراً أن يعود إلى مدينته دمشق ليشارك في المظاهرات السلمية بالتخطيط والتنفيذ والتصوير.
بعيد انطلاق الثورة السورية في آذار 2011 حصل شحادة على المنحة التي انتظرها كثيراً لدراسة الإخراج السينمائي في الولايات المتحدة، ولكنه فضل المكوث في البلاد للمشاركة في مظاهرات السوريين ضد نظام بشار الأسد.
استجاب باسل أخيراً لضغوط الأهل وخاصة والدته التي كانت خائفةً عليه “وهو قلب الأم العارف” كما تقول الناشطة ريما فليحان، وكان يقابل خوفها بابتسامته الهادئة والواثقة.
غادر البلاد مكرهاً بداية عام 2011 بعد إنهائه دراسة الهندسة المعلوماتية في جامعة دمشق، لكنه عاد بعد سنةٍ واحدةٍ ليكون في مقدمة المتظاهرين دون أن يمنعه من ذلك كونه مسيحي فهو كان يرى الثورة السورية كإطار جامع لكل السوريين، فقد قال لدى وصوله سوريا “تخيل نحن كم مرة سنعيش ثورة في حياتنا، كيف لي أن أترك الحلم الذي بدأ يتحقّق؟ وماذا سأقول لأطفالي عندما يسألونني، هل أجيبهم (عندما بدأت الثورة تركت وطني وذهبت لأهتم بمستقبلي). أين هو هذا المستقبل من دون وطن حر؟”.
اشتهر عن باسل احتفاله أمام السفارة المصرية بدمشق عشية سقوط نظام حسني مبارك، متجاهلاً مع رفاقه التعليمات الأمنية التي أعطت توجيهات بعدم إبداء أي رأي بهذا الموضوع، فخرجوا وهتفوا (يا رياح التغيير هبّي) لتزجّ به قوات الأمن في السجن بهذا الموقف وأطلقوا سراحه لاحقاً.
توجه باسل إلى مدينة حمص ليكون مع الأسماء اللامعة آنذاك كعبد الباسط ساروت وغيره من الاشخاص الذين قادوا المظاهرات والحراك بالفترة الأولى من الثورة وظاهرين على الشاشات عندما كان الخوف يدب بقلوب الكثيرين ومن ثم اختفوا ليعملوا بصمت عندما كثرت الوجوه على الشاشات والقنوات الاعلامية.
عمل باسل على إنشاء العديد من مشاريع الحراك المدني، كما لعب باسل دور هام في نقل صورة الثورة للعالم الغربي بحيث كان نقطة وصل بين ما يجري على الأرض والقنوات الغربية وساعده بذلك تحدثه للإنكليزية بطلاقة.
تنقّل باسل بين العديد من المدن فكان في دمشق وحماة والرستن ليستقر بالنهاية في مدينة حمص بعد اشتداد القصف عليها ويعمل مع إعلامييها ويدربهم على التصوير والإخراج والمونتاج بما اكتسبه خلال دراسته القصيرة وخبرته العملية السابقة ليبقى في المدينة لمدة ثلاثة أشهر ويستشهد بعدها إثر قذيفة طالته في حي الصفصافة بمنطقة السباع في حمص بتاريخ 28/5/2012.
استنكرت جامعة سيراكيوس مقتل الطالب الشاب باسل وأصدرت بياناً بذلك، كما علّق المفكر الأمريكي الشهير نعوم تشومسكي على مقتله بالقول: “هذا خبر حزين للغاية، لقد كان باسل إنساناً في منتهى الروعة والشجاعة. ما هذا الذي سيحدث في سوريا المسكينة وهي تزداد انحداراً في هذا الجرف، لا أريد حتى التفكير بهذا”.
كانت مراسم دفن باسل شحادة تمثل حقيقة ما كان يجري في سوريا من قمع من طرف النظام ومن وحدة وطنية في صف المعارضة، حيث لم يتمكن أهالي باسل من إقامة عزاء له في مدينة دمشق بالقصاع كما أغلقت الكنيسة بوجه المصلين والذين كانوا من كل الطوائف ومن مختلف المدن السورية.
واعتقلت قوات الأمن عدداً من الاشخاص من الجنازة واقتحموا مكان العزاء ليوجهوا الشتائم لباسل ولأهله وللحاضرين، بينما كانت جنازته بحمص حيث دُفن (كما أوصى هو) ليتغطّى بعلم الثورة التي دفع حياته لأجلها ويصلي عليه أصدقاؤه من كل الطوائف ويحملوه عريساً على الأكتاف ليواروه الثرى على تراب المدينة التي يعشقها، ويتحوّل إلى رمز في الثورة السورية بعد استشهاده ليكون مثال للثائر الوطني الذي يحب سوريا ويقدمها على كل أولوياته.
لباسل شحادة العديد من الأفلام منها ما انهاه قبل استشهاده ومنها لم يتسنى له الوقت لذلك، وقد حصد باسل العديد من الألقاب منها: شهيد الحب والحرب والانسانية، شهيد طائفة السينما والثقافة، وعراب مصوري الثورة في حمص، وغيرها من الكلمات التي تغني بها معجبوه ممن عرفه بالحقيقة أو سمع بقصته.