on
د. محمد مرعي مرعي: سيكولوجية الخضوع والذل والهزيمة لدى قطيع سلطة آل الأسد ومعارضاتها المصنّعة
د. محمد مرعي مرعي: كلنا شركاء
علميا، لا يقوم المجتمع الإنساني إلا إذا كان أفرادا قادرين على الالتزام والخضوع للنظم والقوانين والتقاليد والعادات القائمة في المجتمع لكن مع تطويرها باستمرار لصالح البشر وفق المتغيرات المستجدة . أما عندما يتحوّل الخضوع إلى عادة فإنه يتجذّر ويترسّخ في عقل الإنسان ولا يترك أي متسع للعقل والتفكير والضمير بل يصبح الخضوع عادة وسلوكا يوميا يتبع سلطان فكرة ذهنية مجرّدة تمثل السلطة التي يخضع لها الإنسان مهما فعلت من جرائم وفساد وتخريب. فما هي سيكولوجيات الثورة السورية؟
سيكولوجية الخضوع والذل لدى قطيع الأسد : هناك الكثير من الأعمال الشنيعة التي ارتكبها أناس بحق غيرهم من البشر أكّدوا فيها أنهم بريئون منها وما كانوا يفعلونه هو طاعة أوامر أشخاصٍ آخرين، وهذا هو حال عصابات الأسد في فرقه العسكرية وأجهزة مخابراته وإداراته كلها حيث نلاحظ فيها الموت والتعذيب والاغتصاب والنهب والتدمير والتهجير وكافة الموبقات وكذلك لدى الميليشيات الشيعية الداعمة له تجاه من يعارضون سلطته . وفق سيكولوجيتهم ، إن الفرد الخاضع لسلطة ما لا يرى نفسه مسؤولاً عن أفعاله، بل يرى نفسه أداة تنفيذ رغبات شخص آخر، وهناك آليات سيكولوجية تدفعه لتنفيذ أوامر الحكام والرؤساء الوحشية والقاسية، وتعمل على إبعاد الندم ومحاسبة الذات ليستمر في طاعة الأوامر، بل غالباً ما يصبح ذلك الشخص مشغولاً بالتفاصيل الدقيقة لإجراءات القتل والتعذيب ، ويصبح خانعا ومأخوذاً بما يفعله ، ثم يفقد بصيرته وسيطرته على أفعاله بالكامل. أن الخانع يحتاج للطاغية والطاغية يحتاج للخانع ، وفي الحالتين تضيع استقلالية الذات، فالطاغية يوسع من ذاته بحيث يبتلع الآخر ويصبح جزءاً من ذاته لا يستغني عنه، والخانع يذيب نفسه في قوة خارجية يحصل على القوة التي كانت تنقصه. والذي يساعد الشخص الخانع أكثر علي تحقيق خنوعه واستسلامه هو سيكولوجية الحشد التي تم تجريبها في عصابات الأسد وكذلك من قبل ايران فارس مع شيعة العراق ولبنان وباكستان وافغانستان واليمن وغيرهم لتعزيز الحالة النفسية القطيعية لدى الجماهير لأن الشخص الخانع يشعر بالخوف وحيدا، ولكن يعضد الخوف لديه إذا شاركه الجمهور فيه فيشعر بأن خوفه مشروع ومقبول لأن الآخرين يشاطروه الخوف، ويسعون مثله للاندماج مع الآخر الطاغية ،أي أن الفرد أمام سيكولوجية الحشد يقاد إلى ما يرغب المجموع فيندمج مع هذه الرغبة وينسحب معها وكأنها تيارا جارفا يسحبه، فيسلم وينقاد بسحر هذا المجموع الكلي لأن الفرد أمام الحشد يخرج من عالمه الصغير إلى عالم آخر يقوده المجموع وإذا شاطره هذا المجموع الخوف، صار بخوفه وبخوفهم يسير كالقطيع يحكم الخوف والرعب كل مساره، فيعيش باحثا عن الأمن الذي يعتقد خاطئاً أنه موجود بالتوحد مع الطاغية الذي بدوره يوسع من بؤرة الخوف لديه حتى يزداد به التصاقا، فيوسعه خنوعا وخضوعا مقابل مزايا مؤقتة.
سيكولوجية الهزيمة والمذلة : بالمقابل ، اتسمت معارضات سلطة الأسد بسيكولوجية الهزيمة والذل عبر الهرولة الدائمة نحو أجهزة المخابرات الخارجية والممولين ، حيث يمتلك غالبيتها سمات وخصائص تشكل جوهر شخصية المهزوم والذليل وبنائه الذاتي النفسي الذي يتحرك فيه بعلاقته مع الآخرين، وتولّد لديه سلوكا ناجما عن تلك الشخصية فتتجه أفعالها وتصرفاتها لأن تكون سلوكا سلطويا فاسدا مع من يتبعها على قلتهم و مطواعيا خانعا مهزوما من الداخل تجاه من يمولهم ويعطيهم الأوامر ، ويحمل الخانع المهزوم نفسا متصدعة آيلة إلى السقوط والانهيار في أي لحظة ، لذا يحاول أن يجد سندا يتكئ عليه ليسنده من هذا السقوط والانحلال فلا يجدها في ذاته بل يبحث عن مصادر قوة من الخارج يستقوي بها لتدعم هشاشته فيلجا للتعلق بها عبر تقليد القوي أو التوحد والاندماج به. وهذا التعلّق بالغير النابع من الدونية يولد الرغبة في الخضوع والخنوع والتذلل له، كحاجة ومتطلب نفسي ليهرب من العجز النابع من ضعف الذات، إلى القوة النابعة من الالتصاق بالأخر سواء بالتبعية أو بالاندماج. ويتسم بذلك السلوك الذليل من يهرعون عائدين إلى سلطة آل الأسد من المعارضات لأن ذلك يخرجهم من إطار الإرادة الذاتية إلى إطار الذل، ويرسمون معالم القبول برضى واستسلام وبلذة أحيانا بما يوقع عليهم من ألم وإهانة من قبل أجهزة حكم الأسد وأن الألم هو شيء طبيعي لا يجب أن يتذمرون منه، بل عليهم أن يرضوا ويسلموا ويقبلوا به طائعين ، وأن هذا هو دورهم الذي يبحثون فيه عن سيد، يقدمون له الخضوع والطاعة والتسليم، ولا ينفعهم أن يكونوا أحرارا مستقلين بقراراتهم لأنهم مهزومون يملأ كيانهم الخوف من تحمل المسئولية الناجمة ويختارون التبعية حتى لو أصبحت ذاتهم بلا قيمة ولا دور ولا أهمية، وبالتالي فإن ذات المهزوم الذليل تبحث عمن يوفر لها هذا الأمان الذي يحنون إليه في سلطة الأسد .
سيكولوجية الثورة السورية وأحرارها : إن سيكولوجية الخضوع والذل والهزيمة ليست حالة نفسية، بل منظومة علاقات اجتماعية، لا بد أن تتوفّر آليات سيكولوجية ثقافية تحافظ على علاقة الخضوع والذل ، مثل الخوف والتسليم بالمصير والتقسيم الطبيعي بين أسياد وعبيد التي تكبت النزوع إلى الحرية لدى العبد والمهزوم، ويحتاجها السيد، لكي يحافظ على توازنه وتماسكه في أثناء التعامل مع بشر آخرين كأنهم بهائم. في هذه المرحلة الثورية التي تعيشها سوريا وما زالت ضمن سيكولوجية الخضوع والذل المستمرة لدى قطيع سلطة الأسد والهزيمة والهوان لدى معارضاتها ، لا يمكن لأي حر في التفكير ألا أن يلاحظ كيف يتعامل هؤلاء باستخفاف مع الشعب السوري الثائر ، واتباع تلك التركيبة النفسية لفرض هالة الحاكم القمعي الذي يستحق أن يكون حاكماً، لأن شعباً كهذا لا ينفع معه إلا من يدوس عليه، وهم، في الحقيقة، يقصدون أنفسهم، ويسقطون هذه السيكولوجية على الشعب كله . ستظل سلطة الأسد قائمة إلا إذا قام مجتمع حر بإزالتها، ومثل هذا المجتمع يجب أن يغرس ويرسخ ذهنية القرار الذاتي والحرية والكرامة الشخصية ، لا سيكولوجية الخضوع والطاعة في أذهان مواطنيه لأن الحاكم المتسلط المجرم والفاسد مع مرتزقته يقتلون روح شعوبهم وإبداعها، بل حتى قدرتها على التفكير، واختزال واختصار الشعب كله في شخصه هو وعائلته . لقد نجح السوريون في طرد إبراهيم باشا وجيشه خلال عشرة أعوام في القرن التاسع عشر ، وسيطردون سلطة آل الأسد بثورة مستمرة منذ ستة أعوام ، لأن الفشل سيعرّض الشعب لمزيد من الذل والقهر، وبعد فترة تموت روحه، وعقله، والإبداع والتجديد عنده، ويصير من المهتمين بقوت يومه فقط ،بل يصير لا مباليا بكل ما يجري حوله وخاضعا ذليلا راضخاً مستكيناً إلى درجة الموت. إن الاعتياد على الأمور والتآلف معها طبع بشري، لكن بالنهاية المرء ضعيف بنفسه قوي بمجتمعه فلا تستهينوا بالجهد الثوري الجماعي فهو إن استمر يصنع المعجزات
Tags: محرر