د. وليد اليوسف: في سوريا….. هل هناك مؤسسة أمنية أم مؤسسة لمكافحة الأمن؟

د. وليد اليوسف: كلنا شركاء

على مدار الخمسين سنة الماضية كنت  – كباقي أفراد الشعب السوري – أقرأ آية الكرسي وأوائل سورة يس والمعوذات وكافة أدعية الخوف كلما هممت في حجز تذكرة العودة لزيارة الأهل في سوريا عسى أن يعمي الله عيون “رجال الأمن” عني لدى دخولي قاعة مطار دمشق أو أي منفذ جوي أو بري أو بحري آخر. ولعل أفضل من صَوّر مشهدا من مشاهد الرعب التي يعاني منها السوريون كلما عادوا إلى أرض الوطن هو السيد مصطفى خليل صاحب رواية “القوقعة” الذي غٌيب في غياهب أعتى السجون في التاريخ ولمدة 12 عام منذ أن وطأت قدماه أرض مطار دمشق الدولي.

في كل مرة كنت أزور فيها سوريا كنت أدع ليل نهار أن يخرجني الله منها سالما دون أي مُساءلة في أي من فروع أمن النظام. لقد كنت حريصا على أن لا أزور أي مسجد أو ألتقي مع جميع أصحابي حتى لا أتعرض لأي مكروه. ومع ذلك كله فإن زياراتي إلى أرض الوطن لم تكن لتمر بأي حال دون أن يطرق باب بيتنا رجل من من المخابرات ليفتح معي تحقيقا عن كل دقائق حياتي اليومية في بلد المهجر: أين أسكن وماهو رقم هاتفي ومن هم أصحابي وبمن ألتقي ومن هم السوريون الذين يعيشون في مدينتي والمدن المجاورة وماذا يعملون وما هي نشاطلتهم …الخ. كنت أشعر بالخوف كلما رأيت رجل أمن وأنا أمشي في شوارع دمشق.

إن مجرد النظر إلى رجل الأمن في سوريا يجعل المرء يفقد الأمن والأمان ويشعر بالخوف والرعب والهلع من سوء ماقد يحصل له على يد هذه العصابات التي طالما أرهبت المواطنين وإضهدتهم بسبب وبدون أي سبب. لذا – وبالمقارنة مع رجال الأمن في بلاد المهجر – فإن مايسميهم نظام الإجرام في سوريا بعناصر وأجهزة الأمن هم أجهزة مدربون ومؤطرون من أجل مكافحة الأمن وزرع الرعب في نفوس كافة المواطنيين السوريين.

أقول كافة المواطنيين السوريين بمن فيهم أولئك الذين يُطلق عليهم اسم “الموالين” وحتى ممن ينتسبون لأجهزة مكافحة أمن المواطن أنفسهم. فنظام القمع والإجرام والإرهاب في سوريا لايميز بين مواطن موال وآخر معارض إذا ما تفوه ببنت شفة لتوجيه نقد أو تقديم إعتراض على أي من ممارسات الترهيب التي تنتهجا مؤسسة مكافحة أمن المواطن. ولذلك فإن سجون نظام القتل في سوريا مكتظة بالمواطنيين السوريين الشرفاء الأبرياء من كافة فئات المجتمع السوري وكافة الديانات والطوائف من مسيحين وسنة وشيعة ودروز وعلويين وأكراد وتركمان …الخ. فليس صحيح أن كل العلويين يقاتلون في صفوف النظام وليس صحيح أيضا أن كل من يقاتل من العلويين قد حمل السلاح طوعا. فهناك الكثير من الشباب العلوي الذين  يتم إختطافهم عند الحواجز وزجهم عنوة في الصفوف الأولى في معارك قتل السوريين حتى ولو كانوا إخوانهم وأبناء عشيرتهم.

إن عناصر وأجهزة مكافحة المواطن في سوريا مدربون بحيث لايتردد أحدهم في أن يقتل أخاه وأمه وأباه وفصيلته التي تؤيه دون أي أدنى تردد إذا ما طلُلب منه ذلك. وعلى سبيل المثال لا الحصر، يعرف جميع السوريين – والعلويين بخاصة – المنصب الرفيع والمكانة العالية التي تبوئها غازي كنعان، ذلك الضابط العلوي والحاكم الفعلي المطلق في لبنان لردح من الزمن ووزير داخلية نظام الإرهاب في دمشق. لقد قتل غازي كنعان وسجن  العديد من الأبرياء السوريين واللبنانيين وأذاقهم ألوانا من العذاب وصنوفا من الويلات. لكن كل هذا السجل الدموي لم يشفع له عند قاتل الشعب السوري عندما أراد أن يبدي وجهة نظر غير التي يتبناها القاتل بشار والذي أمر بتصفيته في مكتبه في وزارة الداخلية نهارا جهارا. وليس مصير خليفة غازي كنعان – رستم غزالة – ببعيد، ناهيك عن مقتل رئيس وزراء النظام الأسبق محمود الزعبي. بل حتى أن محمد رمضان البوطي،  ذلك الشيخ وعالم الدين الذي طالما صعد المنبر وصدح بمدح عناصر جيش النظام وعناصر مكافحة الأمن لدرجة أنه شبههم بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالرغم من دروسه وبرامجه وخطبه التي كان يلهج فيها باسم رئيس نظام قتل السوريين، فإن كل ذلك لم يشفع له البتة. فقد امتدت أيدي عناصر مكافحة الأمن وقتلته في وضح النهار وبالصوت والصورة. أما نجله فإنه لم يجرؤ سوى على ترديد رواية قاتلي والده. بل إن رأس نظام القتل في سوريا لم يوفر من أصبح فردا من أسرته المجرمة؛ آصف شوكت، زوج أخته المجرمة بشرى ابنة الإرهابي الأول المقبور حافظ.

إنني وكلما وطأت قدماي المطار في بلد المهجر أحمد الله أنني عدت إلى أرض أشعر فيها بالأمن عند رؤتي لأي رجل أمن. ففي بلد المهجر لاأخشى على نفسي من المؤسسة الأمنية حتى لو تم إعتقالي. إذ أنه لايحق لأي رجل أمن أن يزج بك في السجن دون تحقيق وحكم قضائي يسود فيه القانون كما أنه يحق لك أن تختار محام بمحض إرادتك ليدافع عنك. وحتى لوتمت إدانتك فلن تتعرض للتعذيب والشبح والإهانة كما يحصل في سجون الإرهابي بشار، بل ستتمتع بحقوق إنسانية لايستطيع أحد أن ينتقصها. لمثل هذه الأسباب وغيرها أستطيع أن أقول أن رجل الأمن في بلد المهجر موظف محترف مدرب ليتصرف بموجب القانون وتحته وليس فوقه أو ليخرقه.

في بلدي سوريا جثم على صدور السوريين حثالة البشر الذين جبلهم نظام القتل والإرهاب السوري على خلع كل ما يمت للإنسانية والأخلاق والمنطق والقانون والأعراف والتقاليد بأية صلة وحوّلهم إلى آلة صماء تتحرك وتؤدي ما يُطلب منها بضغطة زر. إن قلوب عناصر قوات مكافحة أمن السوريين لاتضخ دما كدم البشر وليس فيها مكان للشفقة أو الرحمة. لقد أصبحت قلوبهم ( كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله).

هذه هي حقيقة مؤسسة الجيش العربي السوري ومؤسسة الأمن التي تعمل كل من أمريكا وروسيا والأمم المتحدة والعالم أجمع للحفاظ عليها كي تمعن في قتل السوريين أكثر فأكثر على مرأى ومسمع العالم بثا تلفزيونيا حيا على مدار الساعة. إنهم يرون كيف يقصف نظام القتل والإرهاب السوري ومعه طائرات بوتن وإرهابي علي خامنئي، ذلك الولي السفيه، أطفال ونساء وشيوخ سوريا بالغازات والصواريخ وكافة الأسلحة التي كنا نظن أنها محرمة دوليا. وعليه فلا غرابة البتة أن تترك الطائرات الروسية والأمريكية قطعان إرهابي داعش وحزب شيطان لبنان – مع بقية اللئام الذين زج بهم وليهم السفيه – يمعنون في قتل السوريين بينما تتصدى هذه الطائرات لقتل الأطفال والنساء والشيوخ وقصف قافلات الإغاثة والمشافي الميدانية والمساجد والمدارس ومحطات الوقود وأفران الخبز ومخيمات اللجوء في الداخل.

هل يستطيع عاقل أن يصنف هذه العصابات الإرهابية على أنها مؤسسات دولة؟  هل هؤلاء هم عناصر أمن أم مجرمون يكافحون أمن المواطن؟ إن أمريكا والأمم المتحدة والعالم أجمع يعي تماما ماهية هذه العصابات التي أطلقوا عليها زورا وبهتانا اسم “قوات الأمن” أو “المؤسسة الأمنية” بيمنا مبدأ “الأمن” منها براء.