يمان دابقي: أسئلة سورية للعام الجديد

يمان دابقي: العربي الجديد

انتهت سنة 2016، وهي السادسة من عمر الصراع السوري، تاركةً آثارها على جبين السوريين، فمشاعر الحزن واليأس والخذلان تفرض نفسها على كل من تسبّب، وما زال يتسبّب، بمأساةٍ مدوية لم تكف حصيلتها شهية نظام مجرم متعطش لمزيد من الدماء على من تبقى من أبناء جلدته في العام الجديد.

لم يكن حال السوريين هذا العام أفضل من الأعوام التي مضت، بل تنوّعت أوجه المأساة وتعددت مع غياب معالم المدن أمام أعينهم من آثار التدمير لتبقى صوراً بانورامية عالقة في جدران ذاكرتهم المهترئة، بسبب كثرة تخزينها أحداثاً مصوّرة لم تعد تُعرف جٍدتها من قدمها، فهي، على مدار الساعة، تستقبل صور تستقر إحداها وتسقط أخرى، إضافةً إلى أنّ لون الدم استحوذ على المساحة الكبرى من بياض الأرضية الأساسية إلى درجةٍ غدت الأرض السورية كرة نارٍ تتقاذفها أرجل اللاعبين من كل حدب وصوب.

حطّ نظام الأسد وحلفاؤه رحاهم في عامهم السادس على أعتاب بوابة حلب الشرقية، وكانت له طريقته الخاصة في تحويل الهزيمة إلى انتصار على مقاسه، فلم يكتف الأسد بهالته الإعلامية من تزوير الحقائق وزجها في عقول حاضنته الشعبية، بل أراد من حلب أن تكون بداية النهاية لكامل الحرب في سورية، مستخدماً لغة المسامحة للجميع، والعودة إلى حض الوطن والتركيز على العيش تحت عرش السيادة الوهمية. احتفلت إيران مذهبياً بما افتعلته وارتكبته في حلب، وجعلت منها انتصاراً وامتداداً للثورة الخمينية لتعبيد الطريق أمامها، فبعد حلب، أصبح الطريق معبّداً لنشر مزيد من الفوضى، لتشمل ما تبقى من المدن الثائرة. وبهذا، فإنّ سورية بالنسبة لطهران قابلة في العام الجديد لتكون عراقاً ثانياً في خدمة ولاية الفقيه، عبر بسط النفوذ والهيمنة لتصل إلى لبنان كخط مترو لا يعيق طريقها لا قريب ولا غريب.

واتضح جٍلياً من تصريحات مسؤولين إيرانيين عبّروا عن وجهة الرؤية الإيرانية بأنّ أيّ حل سياسي لسورية يهدف إلى إضعاف نظام الأسد محكومُ عليه بالفشل، ما يعني أنّها بعد حلب لا ترغب إلا في استمرار الحرب الدموية وسحق كامل المعارضة المسلحة. وليس هذا السلوك غريباً على طهران، فهي لا تؤمن إلا بالحسم العسكري المذهبي، واتجهت بعد حلب إلى وادي بردى، لتأمين خط العاصمة دمشق إلى لبنان، ولا سيّما أنّ التصعيد جاء على هامش اتفاق وقف النار الموّقع بين روسيا وقادة فصائل عسكرية، تعدّدت فيه الرؤى في احتمالات الإخفاق والنجاح.

عقب نهايات الأيام الأخيرة لعام 2016 بدأت روسيا تلبس رداء السلام، بعدما سارعت إلى استثمار آخر حملاتها العسكرية بإعلانها عن تسويةٍ سياسيةٍ تُنسي ما تبّقى من الشعب السوري جرائهما الشيشانية في حلب.

وما دفع السوريين إلى احتساء جرعة أمل بحل سياسي يرسم معالم طريق جديدة للجغرافية السورية هو التوّجه الروسي للدبلوماسية التركية، فكلا الطرفين اليوم يقود عملية إنقاذ لحل سياسي، توّج بإعلان موسكو الثلاثي، لعلّه يكون ممهداً لمفاوضاتٍ من شأنها أن تفضي إلى حل سياسي ينهي سفك الدماء السوري. تم التمهيد للحل السياسي بوقف لإطلاق النار لم يصمد حتى في ساعتها الأولى، بسبب الخروق المتكرّرة من مليشيات إيران وحزب الله، إلا أنّ تركيا وروسيا لا ترى بهذا الخروق شيئاً يذكر، ما دام التواصل مستمراً لتحضيرات مفاوضات مباشرة في 23 من الشهر الحالي في كازاخستان.

تغيّر المناخ العام الدولي للملف السوري هو نفسه المناخ الذي دفع السوريين إلى التسلّح بأمل جديد مع بداية العام الجديد، لعلّه يكون نهاية مأساتهم من حربٍ لم تحقّق لهم إلا مزيداً من الألم والمعاناة واستمرار في رحلة الموت إلى مصير مجهول. إضافة إلى خذلانهم من القاصي والداني، وتأكيدهم أنّ ثورتهم باتت اليوم ثورة يتيمة، فهم من يسأل اليوم: ماذا يخبئ لنا العام الجديد؟ وهل ستضع الحرب أوزارها أم أنّها سترسم مساراً آخر لتحقيق مصالح أخرى على حساب نزيفٍ جديدٍ، يكون السوريون أداوت لها وفاتورة مفتوحة للعام الجديد؟