on
د. حبيب حداد: المراجعة المطلوبة
د. حبيب حداد: كلنا شركاء
الْيَوْمَ ، ونحن على أبواب عام جَديد ، وإذ تشهد المأساة السورية فصلا اخر في عملية تدمير الذات نتيجة عدم نجاح كل الجهود الدولية ، حتى الان ،في وقف آلة الحرب العبثية الجنونية التي أتت على معظم مقومات الكيان السوري : الوطنية والبشرية والتاريخية والسياسية والجغرافية ،
الْيَوْمَ وبعد انقضاء ست سنوات على انتفاضة الشعب السوري السلمية ، من اجل الحرية والكرامة والمساواة والديمقراطية ، والتي تم حرفها عن مسارها بعد أشهر على انطلاقتها وتشويه جوهرها واغتيال أهدافها التحررية الحضارية بفعل العسكرة والتطييف والتدويل ،
الْيَوْمَ وامام نهر التضحيات الجسام التي قدمها ومازال يقدمه شعبنا من كل أبنائه ، والتي فاقت تضحيات اَي شعب اخر ، في معركة استعادة الذات وتقرير المصير ووضع حد لحياة القهر والتغييب والاستبداد ، واستجابة لنداء التاريخ المعبر اصدق تعبير عن هوية هذا الشعب الحضارية التي تكاملت وتجددت عبر آلاف السنين نتيجة إسهام وتفاعل كل مكوناته القومية والإثنية والدينية ،
الْيَوْمَ ، وإذ تطالعنا بين الحين والآخر ، دعوات تدعو لضرورة المراجعة الجدية لمسار السنوات الماضية ووقف حالة التدهور والضياع .دعوات تنطلق من هنا وهناك ، من أوساط المعارضات السورية وبخاصة منها الخارجية ، تلك التي نصبت نفسها طوال السنوات الماضية ممثلا شرعيا وحيدا للشعب السوري ، والتي غطت بمواقفها وبأفعالها المشينة تواجد وتوالد المجموعات الإرهابية المسلحة فوق الجغرافية السورية ، والتي ارتضت لنفسها ان تقوم بدور الواجهات المنفذة لتوجيهات وسياسات الأطراف والقوى الإقليمية والدولية .تلك المعارضات التي لا يختلف اثنان من أبناء شعبنا ،يمتلكان الحد الأدنى من النظرة الموضوعية ،ان الدور المتخلف الذي قامت به تلك المعارضات كان في مقدمة العوامل والاسباب التي أدت الى استمرار وتقوية النظام كما كان في مقدمة العوامل والاسباب التي أدت الى تشويه جوهر وهوية تلك الانتفاضة الشعبية السلمية التي ارادها شعبنا ان تكون مشروع ثورة تحررية وطنية من اجل بناء سورية الجديدة . نعم اننا نعتقد انه لا يختلف اثنان من أبناء شعبنا في تقييم دور تلك المعارضات الذي كان في مقدمة العوامل التي أسهمت في الوصول الى الوضع الكارثي الذي تعيشه بلادنا اليَوْم .
المراجعة ؟ نعم ولكن أية مراجعة هي المطلوبة الْيَوْمَ ؟ هل هي المراجعة السطحية اوالشكلية المكررة في اكثر من مناسبة التي تتحدث عن ان الثورة السورية ما زالت بخير وأنها تواصل سيرها في الطريق الصحيح وان الخلل الحاصل لا يتعدى نطاق بعض التجاوزات اوالممارسات الفردية وغير المسؤولة التي وقعت هنا وهناك والتي يمكن تصويبها ؟؟؟ هل هي المراجعة التي ما تزال تبرر لتلك المعارضات بان تواصل ادعاءها بآنها ما تزال تمثل الشعب السوري ومطالبه الحقيقية في الوقت الذي عملت فيه على تدويل المسألة السورية وتغييب إرادة شعبها وارتهان قراره الوطني المستقل ؟؟؟ هل هي المراجعة التي ما تزال تعطي للمجموعات الإرهابية المسلحة على الارض السورية صفة فصائل الجيش الحر وتغطي جراءمها ، تلك المجموعات التي عملت منذ البداية على تصفية محاولات انشاء نويات للجيش الحر انسجاما منها مع غايتها ومرجعياتها الواحدة التي لا علاقة لها بأهداف الشعب السوري والمعادية لمشروعه الوطني الديمقراطي في استبدال نظام الاستبداد والقهر والفساد بنظام ديمقراطي حقيقي يكرس مبدأ :الدين لله والوطن للجميع ، والمساواة التامة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات دون اي تمييز ؟؟؟ هل هي المراجعة التي تعلن الآن ،ودون اي التزام عملي ،بان مقتل الانتفاضة كان في عسكرتها وان لا حل الآن الا انتهاج طريق الحل السياسي وان تلك الأصوات التي تتراجع عن مواقفها السابقة ما تزال تبرر حتى الآن بأنها أصبحت تؤمن بجدوى الحل السياسي وتعطيه الأولوية في معالجة الأزمة السورية نظرا لتخاذل العالم وتواطؤه وعدم تزويده المجموعات المتقاتلة بالاسلحة النوعية حتى تحقق الانتصار في معركتها ضد نظام الاستبداد وتتمكن من بناء دولتها اي دولة الخلافة الاسلامية الموعودة ؟؟؟
تساؤلات أساسية هذه ، تلك التي لا بد آن كل مواطن سوري يطرحها على نفسه وعلى غيره ، وهويحاول ان يستجمع بعض التفاؤل في استشرافه لإمكانية خروج وطنه من النفق المظلم الذي دفع اليه ، ووضع حد للمآساة الوجودية التي يعيشهاشعبه ،والتوقف عن دوامة الاحتراب الوحشي بين السوريين وسفك دماء بعضهم بعضا . وتلك التساؤلات وقبل الحديث عن الموقف الذي ينبغي للمعارضين الديمقراطيين السوريين حقا ،ان يتخذوه حيال اي مشروع خارجي او دولي يطرح في هذه المرحلة لإيجاد حل للمسألة السورية هو التمسك بالحقائق التي تعبر عنها تلك التساؤلات والتي تشكل من وجهة نظرنا جوهر القضية الوطنية السورية ومنطلقات الحل الصحيح في هذا الصراع بكل ابعاده الإقليمية والدولية .
اول تلك الحقائق العودة الى الشعب السوري وتجسيد ارادته في إنقاذ وطنه من التجزئة والتمزق والضياع ، ومواصلة المسار السلمي الانتقالي لتحقيق مطالبه في التغيير الديمقراطي ، وان الصيغة الانسب في الظروف الراهنة للتعبير عن إرادة شعبنا الحقيقية ربما تتوفر من خلال مؤتمر وطني عام بإشراف الامم المتحدة تشارك فيه كل فئات وأطياف شعبنا السياسية والمجتمعية والفكرية والاقتصادية والدينية .
وثاني تلك الحقائق ان المهمة العاجلة والملحة في اي حل يطرح هو الوقف التام والشامل لكل أشكال هذه الحرب العبثية المدمرة وان تقتصر المواجهة على المجموعات الإرهابية ،من جهة ،وعلي ضرورة اخراج المنظمات الطائفية الأخرى وإعادتها من حيث أتت من جهة أخرى .
وثالث تلك الحقائق وليس آخرها ان تعترف المعارضات السورية المعنية بالخطايا التي ارتكبتها طوال السنوات الماضية وان تعتذر لشعبها عن دورها الخطير في الماساة التي باتت تهدد وجوده ومصيره ، هذا الدور الذي يعود في جانب منه ، كما أصبح واضحا للجميع ، الى الاتجار بالقضية الوطنية واستغلال عذابات السوريين وشقائهم من اجل مصالح شخصية او فئوية لم تعد تخفى عَل معظمنا ، ويعود في جانب اخر الي تخلف وقصور الوعي وتجاهل دروس وعبر التجارب المعاصرة , بل وتجاهل حتى خلاصات واراء ما انتهى اليه رواد عصر النهضة في تاريخنا الحديث وعلى رآسهم عبد الرحمن الكواكبي الذي أكد ، في طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ،على انه قبل مواجهة نظام الاستبداد ينبغي التهيئة للبديل الذي يستبدل به نظام الاستبداد حتى يمكن للشعب ان يحتضن هذا البديل الذي يمثل مستقبله المنشود .
Tags: محرر