رزق العبي: للذين بقوا في الشام.. نوصيكم بالياسمين خيراً

رزق العبي: كلنا شركاء

لم يعدْ خافياً على أحد، أن دمشق تعيش أزمة مياه، غير مسبوقة، حيث لم يذكر التاريخ أنْ عطِشَت هذه المدينة إطلاقاً، وعلى نحوين مختلفين، راح نظام الأسد يروّج للمسبّب الأول في قطع المياه، متّهماً فصائل المعارضة في قطعها من منبعها الرئيسي المتمثل بـ نبع عين الفيجة، وراح الطرف الآخر يقول إن قصفاً عنيفاً خلال أسبوع تعرضت له المنطقة أدى إلى نضوب المياه وتحوّل مجراها.

المسألة التي يجب أن نتّفق عليها جميعاً، أن الروايات مهما اختلفت، تنتهي أخيراً، إلى أنّ (الشام عطشى)، هي التي تغنّى بها شعراء عرب، مستهلين الحديث عن بردى، ورمزيته التي تمنح الشام العطاء، حيث أينما وُجدت المياه وجدت الحياة.

يحكي لي صديقي الذي وصل قبل أيام من دمشق إلى تركيا، أن شحوباً غريباً يخيّم على وجوه الدمشقيين، وعند أول سؤالٍ سألته إياه (كيف حال الشام، حيث كنتَ؟) قال بتنهيدة ابن السبعين خريفاً (الشام تبكي أهلها)، هي كلمات قليلة لا يعرفُ فحوى الحزن الذي يختبئ بين حروفها إلّا من عاش في الشام، وشرب من مائها، حتى أن الأسطورة تقول: إن حبّ المرء للشام، يبدأ حين يشرب من مائها.

ونستطيع القول، إن الخناق بدأ يلّف حول عنق من بقي في الشام، وأقصد هنا أهلُها، هؤلاء الذين باتوا قلّة قلائل، بقوا متمسكين بدمشقيتهم، كاظمين الغيظ، إنهم يعيشون الآن أصبح أنواع الجفاف، والبعض منهم صار يتضرّع لغيمة، آملاً بسقوط المطر.

في دمشق، تتكالب جنسيات الأرض، لفرض هيمنةٍ، حتى ولو على مترٍ واحد، ورائحة الطائفية التي تتغلغل في الشام، وتتمدّد منذ ست سنوات، فاحت الآن رائحتها، بعد نضوب المياه في صنابير الدمشقيين، هي الشام التي لا تعرف صنابيرها ماء الآبار، هي التي يشرب أهلها ماء (الزلام)، أصبحت اليوم يابسة، لا صوت يعلو فوق راية العسكر، الذين كسّروا بقبضتهم الأمنية رؤوس الناس هناك.

أتذكرُ يومَ خرجت قبل سنوات من الشام، قلتُ لصديقي، مستذكراً قول محمود درويش، عن تونس، (أوصيكَ بالياسمين خيراً)، إلّا أنه لحق بي، مع أول موجة (سحب عسكر) قامت بها قوات الشرطة العسكرية في الحي، وترك ياسمينة الدار، في حيّ القيمرية تذبل أزهارها على أمها. وحتى ولو بقي لليوم، فلن يتمكّن من تحقيق الوصية، لأن شام اليوم تتيمّم بما تبقى من طهارة، ولم يعد للياسمين أيّ ماء، سوى ما قد تجود به السماء، في شتاءٍ يحملُ للدنيا المطر وللشام وحدها يحمل البرد، فأي عقاب هذا تُعاقبُ به الشام؟ وأي زمان وصلت له؟.

أستطيع أن أجزم، بعيداً عن الحسابات السياسية، وبعيداً عن الهدن التي يتحدث عنها الإعلام، أن مسألة الوقت الذي ملّ الناس حديثاً عنه، للخلاص من الحرب، يكمن الآن في موت الياسمين، فمتى مات الياسمين في الشام، انتهت الحرب، ليزهر من جديد.

وحتى لا أتّهم بالكلام العاطفي، سنقول إن الحسابات والرهانات على أي بلد، يكون بأهم ما يشتهر به، فلولا نفط العراق، لما احتلّ العراق، ولولا أهمية حلب التجارية والاقتصادية، لما دمّروا حلب، ودون أدنى شكّ للشام شهرة واحدة هي الياسمين الذي تتفرع منه كلّ التفاصيل الأخرى، فمرحباً بموت الياسمين إن كان منه سيطلع الخلاص الأخير.





Tags: محرر