on
Archived: د. عامر القوتلي:تأميم بيانات الفيس بوك أم حرب إلكترونية مقدسة!؟
د. عامر القوتلي: كلنا شركاء
تداولت صفحات التواصل الاجتماعي (الفيس بوك) رسائل تطلب من المشتركين قص و لصق على صفحاتهم نص محدد من أجل تفادي إجراءات تعسفية مفترضة من الشركة تهدد بتغيير سياسة حقوق ملكية المعلومات،
وتنذر المشترك بعرض جميع بياناته بما فيها الصور و الميديا و التعليقات و كافة النشاطات من وضعية اختارها المشترك بما تتناسب مع حريته الشخصية لمشاركتها مع الآخرين إلى وضعية متاحة للعموم.
جاءت تلك الادعاءات بالإضافة إلى التلميح للمشترك بضرورة دفع مبلغ معين لتحديد مصير بياناته التي اختار الفيس بوك كقاعدة لها.
حيث أن فكرة الفيس بوك لا تختلف كثيرا عن قاعدة بيانات تتيح للمستخدم بأن يكون مديرا يمتلك كافة الصلاحيات لإدارة بياناته على صفحته وله من الصلاحيات ما يمنحه إياها الآخرون للوصول لبياناتهم على صفحاتهم. وبالطبع جميع بيانات المشتركين متاحة لمزود الخدمة الأساسي (مدير بيانات الفيس بوك) وهذا الأخير بدوره تحت إدارة المخدم الأساسي لخدمة الانترنيت في سلسلة يطول شرحها من البروتوكولات و اللغات البرمجية بالإضافة إلى السياسات الخاصة بأمن المعلومات على الإنترنيت و التي لا تقل أهمية و دقة عن سياسات التحكم بالترسانة النووية إن جازت المقارنة.
قام العديد من المستخدمين بالتجاوب مع تلك الإشاعة من باب الحرص و السلامة و حيث يعتقد البعض أن تجاوبهم مع تلك الرسالة المغرضة أو المدروسة ” بالون الاختبار” من خلال قصها ولصقها لا يكلف شيئا.
وربما قام البعض بالإشارة لها بشكل ساخر بهدف لفت الانتباه إلى حساسية ضخ البيانات المفرط عبر الإنترنيت و المصادر المفتوحة و من بينها الأفكار والرؤى السياسية والإستراتيجية.
في جميع الأحوال بالون الاختبار تم إطلاقه و أسئلة الامتحان تم توزيعها بشكل جيد حيث ترافقت الإشاعة بمقالات كثيرة تنفي صحتها متناولة الموضوع من عدة جوانب منها التقنية و الأخلاقية و القانونية.
وعلى ضوء الكثير من المعطيات الموضوعية يمكننا القول أن الشاب الطموح مارك و شركائه و غيرهم من المؤسسين لوسائل التواصل الاجتماعي و مزودي خدمة قواعد البيانات الغيمية لا يملكون لا اليوم ولا غدا إمكانية التراجع عن سياسة المصداقية الالكترونية التي يفرضها الواقع.
من المحتل دائما أن تطرأ في المستقبل الكثير من التطورات في سياسة الفيس بوك (لا يمكن التنبؤ بها حاليا) ولكن ستبقى جميعها ضمن الإطار القانوني على أقل تقدير.
و كنتيجة فلا ينبغي لأحد المبالغة بتوقع المزيد من غرائب السياسة الأمريكية المتأرجحة في المرحلة الراهنة كما لا ينبغي التوهم بكسر فترة البرود السياسي الأوبامية من خلال تأميم الفيس بوك أسوة بتأميم قناة السويس مثلا.
و لكن من العقلانية أن يعتقد المشتركين”بخدمة” الفيس بوك (وغيرها) بأن معلوماتهم الشخصية في الحفظ والصون بأيدي “نظام رأسمالي مؤتمن”.
هذا طبعا إذا لم تصل قيمة المعلومات التي يضخها البعض إلى حد “الاستثناء الرأسمالي” ..
على كل حال، فرغم ما نلمسه من اختلال بموازين القوى العالمية وما يدعى بالفوضى الخلاقة ، فلم يصل الأمر لأن تأمم شركة الفيس بوك حسابات مشتركيها لتصبح بياناتهم مشاع على الطريقة الاشتراكية، كما لن تسمح الإدارة الأمريكية بشن حروب الكترونية “مقدسة” على المستخدمين على طريقة العدوان البوتيني على الأطفال و المدنيين بسوريا.
و بالمحصلة سيبقى الفيس بوك الملاذ الاجتماعي الآمن و الملتقى الثقافي الحر و المحفل السياسي المفتوح للمحللين و الإعلاميين و عامة الشعب من الدول التي لم يحالفها الحظ بمؤسسات وطنية مختصة والى أجل غير مسمى.
د. عامر القوتلي
باحث و أكاديمي
Tags: مميز