Archived: مركز الشرق للبحوث: مبادرة الحوار السوري – السوري

مركز الشرق للبحوث-

الوطن في خطر

تتعرض سورية الآن بوصفها دولة ووطنًا إلى تحديات تهدد الأرض والمجتمع، وذلك بفعل إرادة دولية وإقليمية تتجاهل على نحو صارخ الإرادة السورية، التي أصابها السوء في الوصول إلى الخلاص وبناء دولة المواطنة المنشودة. ومن الخطورة بمكان أن يترك السوريون بلدهم رهين تفكير دول لا ترى الحل إلا في تقسيم سورية طائفيًا وإثنيًا، انطلاقًا من فكرة زائفة تدور في أذهانهم، ألا وهي: استحالة العيش المشترك بين السوريين. وحقيقة الأمر أن سورية ملك لكل أبنائها من جميع الطوائف والإثنيات، لا فرق في ذلك بين عربي وكردي وتركماني، وسني وعلوي، ودرزي ومسيحي.

لقد وصل الموقف الدولي في القضية السورية إلى حد التجاهل المطلق لآلام السوريين وآمالهم وإرادتهم، وإلى تجاهل الأخطار المترتبة على تفتيت سورية كحل لا ينتج إلا مزيدًا من الدماء، والتهجير والنزوح القسري، وتفريغ سورية من سكانها، وتشتيتهم في دول اللجوء، وتعريضهم لمخاطر البحار، وبقاء الأزمة إلى زمن طويل، فضلًا عن استحالة التقسيم موضوعيًا، مع أن الأزمة تتراجع بإخراج شخص واحد من المشهد السياسي في سورية.

لقد تحولت المسألة السورية عند بعض الدول، كالولايات المتحدة وإيران من مسألة شعب يسعى لإنتاج دولته الحرة، دولة العقد الوطني والتعايش المشترك والنظام الديمقراطي، إلى مسألة إرهاب تجب مواجهته. في الوقت الذي ما كان للإرهاب أن يخترق المجتمع السوري من دون إرهاب السلطة الحاكمة، والميلشيات الطائفية الإرهابية التي جاءت من إيران والعراق ولبنان، ومن دون المساهمة الفاعلة لإيران في اختراق التنظيمات الإرهابية، ومحاولاتها الآن لتحويل قوات الحماية الكردية إلى أداة لتنفيذ أجندتها في الهيمنة.

وهكذا تتكئ إيران في سعيها لتفتيت سورية على تجمعات طائفية وإرهابية وقومية، لكنها وقد أدركت استحالة هيمنتها على سورية عبر ارتهانها المطلق للنظام ولها، وعبر ميليشياتها الإجرامية، فإن كل المؤشرات تدل على أنها ترى في تقسيم سورية طائفيًا وقوميًا طريقة مثلى لاستمرار هيمنتها.

إننا نحن السوريين – أبناء الوطن الواحد – نعلن تمسكنا بالسيادة الناجزة للشعب السوري، كما نعلن تمسكنا بالعيش المشترك، لأنّنا نرى أنّ فرض نظام الدويلات علينا لن ينتج الأمن والأمان لأحد.

وندرك أن مكافحة الإرهاب –بوصفه قتلًا للمدنيين من دون تمييز- أيًا كان نوعه وشكله مستحيلة مع بقاء إرهاب السلطة الحاكمة، وندرك في الوقت نفسه أن السوريين هم أقدر الناس على القيام بتنظيف بلادهم من الإرهاب وآثاره، ولكن الحديث عن مشاركتهم نوع من العبث من غير حصولهم على ضمانات، أهمها: تجميد خطوط التماس، ووقف البراميل، ومنع التطهير العرقي، ومنع تغيير خارطة سورية، وحماية ظهر قوى المعارضة التي تقاتل النظام في الجولان. وتسليم المناطق ذات الأكثرية السنية التي تخليها داعش إلى القوى العسكرية للمعارضة الوطنية بكل أطيافها الإسلامية والمدنية، التي تدفع دماءها ثمنًا لحماية سورية ووحدتها، على أن تقوم المعارضة فورًا بتمكين الحوكمة الوطنية في هذه المناطق.

ولكن يبدو أن أمرًا كهذا لن يحصل بسبب التدخل الروسي الذي أعطى داعش زخمًا جديدًا، استحضر إلى ذاكرة المتشددين المشهد الأفغاني، الأمر الذي يزيد من شعبيتها في المنطقة.

إننا نرى أن التدخل الروسي احتلال عسكري يسهم في المزيد من انتهاك السيادة السورية، ويقضي على فرص الحل السياسي، ويكشف عن أن روسية لم تكن جادة في طروحها السياسية حول سورية، وأنها لم تكن صادقة في جمع المعارضة السورية، ويبدو أنها كانت تريد من تلك المناورات أن تزيدهم فرقة، وأن تمنح حليفها الضعيف متسعًا من الوقت ليسحق السوريين ويقتل المزيد منهم. إن روسية تدمر تاريخها مع السوريين، وتضع مصالحها بسورية في مهب الرياح، كما أنها تغامر بعلاقتها مع ملايين المسلمين من أبنائها الروس. إن على روسية أن تدرك أن تدخلها العسكري يعني المزيد من الحرب بين السوريين، والمزيد من الضغينة بين أبناء الوطن الواحد في سبيل ديكتاتور تحكم القواعد السياسية والعسكرية أنه راحل لا محالة. إنّ بقاء النظام أو إعادة إنتاجه بأي صورة من الصور لن يجر على سورية والسوريين إلّا مزيدًا من الكوارث، وإنّ زواله ضمن خطة يضعها السوريون معًا سيقود حتمًا إلى زوال الإرهاب، وستنتهي مع زواله كل الحجج الواهية التي يستثمرها حلفاؤه الإقليميون والدوليون المدافعون عنه.

إنَّنا نرى أنّ النظام قد أصبح في حكم الساقط، على الرغم من عمليات الإنعاش الإيراني التي تكثفت منذ عام ٢٠١٢، ولاسيما بعدما فقد النظام مناطقَ بأكملها، ومن هذه الحيثية فإننا لا نتوجّه في هذه المبادرة إلى النظام الحاكم مطلقًا، بل نريد أن ننقذ الدولة من براثنه بعدما رهنها للقرار الإيراني والروسي.

إنّنا نريد أن نؤكد هنا أمرًا في غاية الأهمية، ألا وهو: أن استثمار النظام والقوى الداعمة له في دماء السوريين عامة بمن فيهم أبناء الطائفة العلوية يشكِّل جريمة وجودية خطيرة على مستقبل سورية، وإن هذه القوى ستكون مسؤولة عن ذلك مسؤولية لا تقل عن مسؤولية النظام، بل تزيد عليه.

إننا ندرك أن النظام وإيران يسعيان إلى إقامة جيب علوي مما لن يؤدي في النهاية إلا إلى سلخ مقصود لأبناء الطائفة العلوية عن وطنهم وثقافتهم ولغتهم وانتمائهم الوطني. إن واقعًا كهذا إن حصل فلن يحقق أي نوع من الأمن والأمان والتنمية والاكتفاء الذاتي، كما أنَّه سيفتح الباب أمام تقسيم سورية بسبب خوف أبنائها إلى دويلات طائفية وقومية زبائنية. وبناء على ذلك فإن حوارًا وطنيًا يجمع السوريين، لرسم خارطة خلاص وطني أمر في غاية الأهمية، قبل أن تتحول حاضنة النظام إلى ميليشيات مختطفة منفعلة بالإرادة الخارجية.

إنّ الحوار السوري الذي نتطلع إليه هو اللبنة الأساسية التي يجب أن تقوم عليها عملية تحرير الإرادة السورية من الهيمنة لأية إرادة خارجية، وهو الطريق لإنتاج الإرادة السورية المشتركة التي توصلنا إلى العقد الوطني السوري المنشود، وإنّ غيابه أو تأجيله سيؤدي حتمًا إلى تحول نفوذ القوى التي ارتهن لها النظام إلى سرطان مستحكم في شؤون البلاد، ولاسيما أن هذا السرطان يزداد انتشارًا مع تتابع هزائم النظام على الأرض.

تبديد الأوهام:

لا يمكن الوصول إلى بناء الدولة السورية المنشودة، المؤسسة على العقد الوطني دون التحرر من الأوهام السائدة والاعتراف بالحقائق الواقعية الآتية:

  1. لقد دلت تجربة السنوات السابقة من عمر الثورة على أنّ الخلاص الخارجي، وحماية الشعب السوري من قبل الدول الفاعلة ضرب من الوهم.
  2. إنّ الحل الصفري الذي اختاره النظام في القضاء على الثورة، وأي حل صفري نوع من العبث التاريخي.
  3. إنّ محاولات تقسيم سورية التي ترسمها إيران قد باءت بالفشل بعد أن أخفق النظام في الحل الصفري، وبالتالي أخفقت هي في الهيمنة الكلية، ولكن قيام إيران ببث أيديولوجيا الخوف لدى حاضن النظام عمومًا، وأبناء الطائفة العلوية خصوصًا قد يخلق مناخًا يقود إلى التقسيم.
  4. هناك محاولات دولية تنطلق من الشروط التي أنتجت شروخًا مجتمعية لترتيب صيغة سياسية تشل قيام الدولة، كما حصل في اتفاقية “دايتون” التي فرضت على أهل البوسنة لفشلهم في اقتراح صيغة للحل وطنية المنبت.

منطلقات المبادرة:

  1. تنطلق المبادرة من موقف مبدئي صلب يؤمن بوحدة التراب السوري، ويستشعر الخطر المحدق بالجميع، ويرى أن إيمان النظام بالحل السياسي ضرب من الانتظار العقيم؛ لذلك تدعو المبادرة القوى الحية في حاضنة النظام من كل الطوائف والإثنيات والمحافظات لتأخذ خطوة إلى الأمام للحفاظ على أرواح من تبقى من السوريين، على أن تكون الفرصة متاحة لمناقشة مختلف المسائل الوطنية.
  2. تنطلق المبادرة من حقيقة أن الموقف السوري قد ازداد تعقيدًا مع تقدم الزمن، وبناءً على ذلك فإن ما تطمح إليه هو أن تفتح أبواب الثقة المتبادلة بين السوريين، وتهيئ الأجواء لوضع القضية على خطوط الحل السياسي، لأن الحل السياسي في هذه الظروف المعقدة صار عملًا متعدد المراحل، لذلك لا تضع المبادرة الوصول إلى الحل غاية مباشرة للحوار الذي تدعو إليه –وإن كان مطلقو المبادرة يتمنون ذلك-، وكل ما تذكر المبادرة من قضايا تدخل في خطوات التسوية السياسية تذكرها لبيان إمكانية الوصول إلى حل سياسي واقعي.
  3. تستند المبادرة إلى مبدأ أساسي لازم، ألا وهو أنّ الحوار يجب أن يقوم بين السوريين أنفسهم، وينبغي التبصر فيه بإرادة الأطراف إذ غاب ذلك عن معظم الجهود العربية والدولية التي عملت على جمع الفرقاء لإطلاق حوار يؤدي الى الحل السياسي، إنَّ الحوار في هذا المستوى ينبغي أن يكون جهدًا سوريًا صرفًا لا تسبقه الجهود العربية والدولية، إذ يحتاج قدرًا عاليًا من الحياد والتدرج، ومبدأ كهذا هو الذي يجعل من الحل السياسي ممكنًا، ومن معالم طريقه واضحة، فلا يمكن لأي جهة أن تنظر إلى المشكلات الوطنية كما ينظر إليها أبناؤها.

بنود المبادرة:

  1. إقامة حوار سوري – سوري بين الفرقاء السياسيين: المعارضة من جهة، وحاضن النظام من جهة أخرى، يسعى الجميع فيه إلى الجلوس حول مائدة واحدة رغبة في تبديد المخاوف واسترداد الثقة التائهة.
  2. إقامة حوار وطني شامل لكل السوريين على أساس نتائج الحوار الضيق المذكور في الفقرة السابقة، ينتهي ببناء عهد سوري وعقد اجتماعي جديد، يرسم معالم الدولة السورية الجديدة وأسس المصالحة الوطنية، ويؤسسان لضمان أمن ومستقبل كل فئات المجتمع السوري.
  3. بعد أن ساق النظام وداعموه الثورة إلى حرب، ووصلت إلى الاقتتال بين السنة والعلويين، فلا بد أن ينظر إلى توافقهم التاريخي على قدر من الأهمية في بناء العقد الاجتماعي الجديد، لقطع الطرق على محاولات التقسيم الطائفي أو الإثني التي تهدد وحدة الأرض والسيادة والقرار، وتحبط أي تنمية حقيقية على مستوى سورية.
  4. يتطلب أن يقوم الطرفان بوضع ترتيبات أمنية عملية لفرض حد أدنى من الاستقرار من خلال تجميد القتال، تنتشر بموجب الترتيبات قوى سورية في مختلف المناطق حسب ما يُتفق عليه مسبقًا. وإذا قرر المجتمع الدولي نشر قوات حفظ سلام أو مراقبين فمن المتوقع ألا تكون الأعداد ولا المهمة المنوطة بهم بالمستوى المطلوب، لذا فهي لن تشكل البديل عن اتفاق سوري – سوري، وعليه فلا بد من التخطيط على أساس الاعتماد على قوى سورية بعد أن تكون قد توصلت إلى الاتفاق التاريخي.
  5. يشكل الاتفاق على تشكيل الجيش وقوى الأمن العمود الفقري للحل السياسي، ويُعدُّ إعادة هيكلتها بشكل حقيقي متوازن تقبل به الأطراف المدخل الأكثر واقعية للتعامل مع مخاوف سكان مختلف مناطق سورية.
  6. بعد حالة التذرِّي التي وصلت إليها سورية، حتى أصبحت كل منطقة، بل قرية مستقلة لا تجتمع مع جارتها ولو على مستوى الإدارة المحلية، فإن اعتماد اللامركزية صيغة تجمع شظايا سورية وتؤسس لصورتها الجديدة يبدد من مخاوف الفئات السورية المختلفة، ويبعد شبح التقسيم الذي تدفع باتجاهه بعض القوى الإقليمية والدولية.
  7. المحافظة على مؤسسات الدولة والتعامل معها على أساس تصنيفها إلى ثلاثة أنواع:
  8. المؤسسات التي قد تبقى عاملة إذا قُطع رأسها، فينبغي رعايتها وتحريرها من رأسها الفاسد.
  9. مؤسسات الدولة المدنية العميقة، التي تشكل أدوات السيطرة على البلاد والمجتمع والموارد الحيوية، لكل حكومة وطنية يمكن أن تقوم بدورها التنفيذي، فينبغي حمايتها ورعايتها مع إزالة ما فيها من فساد.
  10. المؤسسات الطفيلية التي تمتص دماء البلد، وتشكل السلطة العميقة للنظام الاستبدادي، فينبغي تفكيكها واستبدالها بمؤسسات وطنية.

أخيرًا فإنَّ هذه المبادرة هي نداء سوري داخلي خالص صادق، وإقرار تام بملكية المبادرة وتفاصيلها لجميع السوريين، ولا تدعي الصواب على الإطلاق، وتؤمن بأن العمل في هذه المرحلة بقوة المجموع أهم كثيرًا من العمل بقوة المضمون. إننا ندرك أن هذه المبادرة هي حالة شجاعة وعاقلة أمام اختلاف الآخرين على مستقبل بلادنا، فنحن شعب قد تعب من استثمارات الآخرين وحلولهم، وإذا صدق الأصدقاء، فليعملوا معنا بما تمليه صداقتهم، فنحن أحوج ما نكون اليوم إلى صدق الصداقة.

المجموعة الاستشارية الوطنية السورية:

د بدر جاموس – المعهد الملكي لتنمية القدرات البشرية.                         

د بسمة قضماني – مبادرة الإصلاح العربي.

د سمير التقي – مركز الشرق للبحوث.

د مؤيد الرشيد – المعهد الملكي لتنمية القدرات البشرية.

د عماد الدين الرشيد – مركز الاستشراف للدراسات والأبحاث.





Tags: مميز