on
Archived: توفيق الحلاق: الهروب من الجحيم؟ مأساة العصر سورية
توفيق الحلاق : كلنا شركاء
وكنت أتابع اللاجئين السوريين وهم يهرولون نحوالقطار الذي سيأخذهم إلى ألمانيا .. قال أحدهم : خلص مابدي ارجع على سوريا … الشباب خلفه وقد انتبهوا للكاميرا وبأصوات خفيضة : لا لا بدنا نرجع . والحقيقة أن لاأحد سوف يرجع ؟ ملايين السوريين كانوا آلافا فقط عندما عبروا من آسيا إلى أوربا ثم حطوا رحالهم في البرازيل والأرجنتين وتشيلي وفنزويلا إبان الحرب العالمية الأولى وخلالها وبعدها ولم يعد منهم إلا النذر اليسير .
في الدول المضيفة سيضطرون كما اضطر أجدادهم لشق طريق جديدة لمستقبلهم، سيتزوجون وينجبون ويتابعون تحصيل أبنائهم بلغات أخرى. سيقصون عليهم حكايات القتل والدمار والجوع والتشرد التي عاشوها وكيف مات أخوالهم وأعمامهم وأجدادهم ، سيحاولون تعليمهم اللغة العربية في الوقت المستقطع . أعرف رجلا ستينيا عاد إلى بلدتي ديرعطية وكان قد ولد في الأرجنتين من أب ديرعطاني توفي هناك . تحول الرجل إلى مسخرة لنا نحن الأطفال وهو يحاول لفظ عبارات ديرعطانية أصبحت منسية . حتى إن أبي الذي ولد هناك ظلّ يرطن بالعربية سنوات طويلة ويفضل الحديث مع أمه باللغة الإسبانية. ابن عمه جاء بعده وتوفي وهو يرطن .
قلة قليلة من عادوا والبقية صاروا إلى 15 مليونا في البرازيل وحدها . سيتحول الوطن إلى ذكريات يرويها الأباء للأبناء بحرارة وشوق ثم إلى حكاية عن الأصل من الأبناء لأبنائهم . حينما زارنا ابن عمي راؤول الحلاق ابن محمد الحلاق لم يك يعرف حرفا عربيا واحدا. وهو لم يكرر الزيارة ولست أعرف الآن إن كان لايزال حيا فقد انقطعت أخباره . بل إن شبابا وشابات من الجيل الجديد لآل الحلاق هاجروا إلى حيث أقربائهم الذين لايعرفونهم في تشيلي طلبا للنجاة من جحيم سوريا قبل الثورة وخلالها .
ماذا يعني هذا ؟ ومن المسؤول عنه؟ هل نلوم الفارين من الجحيم؟ هكذا كنت أتساءل وأنا أتابع دامع العين منظر الشباب المتدافعين إلى قطار النجاة وهو يشبه مشهد هروب معتقلين محكومين بالإعدام من سجن رهيب؟ هل نلوم العالم المتحضر على صمته حيال المجازر التي ارتكبها نظام الأسد على مدى أربع سنوات ونصف ولايزال؟ هل نلوم روسيا على وقوفها جنبا إلى جنب مع إيران وحزب الله وداعش والأسد وانخراطها في حرب الإبادة ضد أكثرية الشعب اسوري ؟ أم نلوم قيادة الثورة السياسية التي حكمتها الغرائز الطائفية والسلطوية وحب المال ؟ أم نصبُّ جام غضبنا على مئات المجموعات المسلحة بالأساطير القديمة والأعلام السوداء ؟
نستطيع أن نلوم كل هؤلاء ولكن مالفائدة ؟ وهل كل الإدانات التي حطت على رأس إسرائيل منذ نشأتها غيرت ولو قليلا من تسريحة شعرها؟ كل مافي الأمر أن القصة قصة شعب أرادت نخبته الواعية أن تقفز من حكم كولونيالي عفا عليه الزمن إلى زمن الحرية والديموقراطية دون أن تفطن إلى أنها ستواجه جحيما ستوقده شياطين الأرض كلها وبشكل مدروس ومنسق بعناية . إنه يوسف العظمة مرة أخرى الذي كان يعرف أنه يمضي إلى حتفه إذا قاوم الجنرال غوروا قريبا جدا من الزبداني لكنه فعل واستشهد مدفوعا بوطنيته البريئة تماما كما يفعل أهل الزبداني ومن قبل القصير وبابو عمرو والحولة ويبرود ومارع ومئات المدن والبلدات التي سحقها النظام العالمي بواسطة الديوث .
اقرأ:
توفيق الحلاق: لست أدري ماذا يفعل الآن وليد جنبلاط ؟Tags: مميز