Archived: د. محمد حبش: هل تلغي مصر بصمة رفح كما ألغت ألمانيا بصمة دبلن؟

د. محمد حبش: كلنا شركاء

كشفت الأسابيع الماضية نهوضاً هائلاً للسياسات الإنسانية في التعامل مع اللاجئين ضد سياسات التمنع اللاإنساني التي مورست في أوربا ضد اللاجئين في السنوات الاخيرة.

وخلال أسابيع تم تغيير سلسلة من القوانين العاتية التي كانت تحول دون وصول اللاجئين، أو تفرض عليهم شروطاً تعجيزية تزيد من عنائهم وقهرهم، تسببت في ركوب الأهوال والغرق في البحار، ولم يبق رئيس أو مسؤول في الدول المتحضرة إلا وقدم موقفاً إنسانياً نبيلاً تجاه اللاجئين، إخواننا في الإنسانية، وهي مواقف تتبعها فوراً سياسات حقيقية، وذلك في تكامل رائع مع الشعوب الواعية التي أبدت ترحيباً كبيراً باللاجئين، أعاد لنا الثقة بفطرة الله وبالإنسان في هذا العالم الرديء.

رئيس فنلندا يوها سيبيلا يتبرع ببيته للاجئين، مستشار النمسا فيرنر فايمن يرسل الباصات لاستقبال اللاجئين، ميركل في زيارة لمخيمات السوريين تتصور معهم بالسلفي، وتعلن أن بصمة دبلن صارت في مهب الريح، قمة أوروبية لمعالجة موضوع اللاجئين، البابا يدعو الكاثوليك لفتح بيوتهم للاجئين السوريين، حشود تبلغ الألوف في ألمانيا والنمسا تنتظر اللاجئين بوجبات تطوعية وخدمات سريعة، ميونيخ وفيينا ومهرحانات خاصة باستقبال اللاجئين، ولافتات وابتسامات ومطالبات كلها تعكس ما بلغه الإنسان من تحضر وتطور وازدهار لحقوق الإنسان، وهو ما كنا نتمنى أن يبلغه العرب والمسلمون، أو أن يحرك شعرة في النظام الذي أظهر حداً لا يوصف من اللؤم والشماتة باللاجئتين الهاربين من براميله.

ورغم ما يكتنف الأخبار من مبالغات وتقليعات صحفية، ورغم المواقف المعادية للاجئين وهي كثيرة أيضاً، وخاصة في أوروبا الشرفية التي لا تزال تعيش تبعات الحقبة السوفياتية، ولكن هذه السلوكيات لم تعد صورة العالم المتحضر بل صارت الاستثناء والشذوذ من القاعدة، ولكن الصورة الواضحة التي ترسمها مأساة لجوء السوريين هو أن العالم المتحضر لا ينظر إلى اللجوء والنزوح بهذه النظرة السوداء التي تطبع خطابنا في العادة، ولم يعد يقبل الموقف التقليدي الذي يرى في المهاجرين شراً يتعين الخلاص منه.

أرجو أن تكون الصورة قد اكتملت لنسحب المشهد على واقع الحال بين غزة المحاصرة ومصر أم الدنيا.

تعاني غزة منذ عام 1948 لعنة الحصار، وتحيط بها من شعبها الأربع معابر سوداء مقفلة، عليها عساكر غلاظ شداد، لا يعصون الاستبداد ما يأمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، ولا يؤمنون بحق الإنسان في هذا الكوكب لا في خضرته ولا في بساتينه ولا في بره وبحره، وتتكدس في غزة أكبر كثافة بشرية في الأرض حيث يسكن 800 ألف ونصف إنسان في رقعة أرض صغيرة لا تتجاوز 56 كم2 في الأرض مما يجعلها أكبر كثافة سكانية في العالم.

لم تتغير ظروف الحصار، وخاض شعبها الباسل سلسلة انتفاضات ومقاومات مريرة، واستمر الفلسطينيون خلال سبعين عاما في ظروف القهر والعذاب وصرح رابين أتمنى أن أستيقظ ذات يوم وأرى البحر قد ابتلع غزة، وحين قرر شارون الرحيل منها تركها أرضاً مكشوفة يضربها متى شاء، ويقصفها بحمم الموت، ولم يتول عنها إلا بعد أن اقتنع المصريون حتى العظم بانها أكبر تهديد لأمنهم القومي، وعلى الفور استأنفوا حصار إسرائيل للمعبر بشكل أكثر قسوة وضراوة من الحصار الإسرائيلي.

واليوم فإن الفلسطيني الذي بلغ من العمر ثمانين عاماً لا يعرف غزة إلا سجناً كبيراً، ولم يعرف لها أي انفراج لا في حكم اسرائيل ولا في حكم المصريين ولا السلطة ولا حماس…


فهل هذا هو قدر الفلسطيني في هذا العذاب التائه؟

ماذا لو أوتي حكام مصر حكمة ميركل أو شجاعة كاميرون أو إنسانية  الاسكوتلانديين وأعادوا النظر في الخزان البشري الفلسطيني في غزة كرصيد يغني مصر ولا يفقرها، وشباب طامح يمتلئ بالأمل في عيش كريم يحب الأرض ويخلص لها ويحب الناس ويعمل لخير الإنسان.

تتحدث ميركل أن مليون لاجئ سوري قد يحدثون أثراً إيجابياً في ألمانيا، وتقوم بنفسها بتكريمهم وزيارة مخيماتهم والتقاط صور السلفي مع اللاجئين، إنها ليست عنتريات إعلام، بل إنه يتبع ذلك تغيير جوهري في قوانين اللجوء والهجرة، والتزامات تفرض على المجتمع الألماني ليطور ثقافته باللاجئين وتحقيق إدماجهم في المحتمع الألماني، ولا يبدو في أي من تصريحاتها أو تصريحات المسؤولين أن هذه الأيدي العاملة ستكون عبئاً على المجتمع الألماني بل إنها تتحدث بثقة عن برامج تنموية واقتصادية سيشارك فيها اللاجئون وكلها ثقة بنحاج هذه البرامج، وتؤكد للالمان أن التنمية المأمولة في اللاجئين لن تؤدي أبداً إلى رفع الضرائب، بل قد تنجح في تخفيضها في قادم الأيام!!……


وبالمستوى نفسه نرصد تصريحات مماثلة من قادة الدول الاسكندنافية في احترام اللاجئ والثقة بعزيمته وإرادته، وتفهم عذابه وقهره كتلك التي سمعنها في النمسا وألمانيا، ولمن لا يعلم فهذه الدول السبعة: الاسكندنافيات الخمسسة وألمانيا والنسا هي دوما في صدر دول التحضر العالمي، وقد أصبحت معيارا للشعوب المزدهرة، وبلغت حقوق الإنسان فيها مستويات قياسية لا ينكرها عاقل.

لم تلتفت القيادة الواثقة بنفسها في ألمانيا لصيحات الإقصائيين والنازيين من الألمان الذين قالوا إن اللاجئين كسالى خاملون أو ارهابيون متطرفون، وسيؤثرون على التركيبة الدينية لألمانيا المسيحية، وهي التصريحات التي كررها ببلاهة عجيبة مسؤولون قرباط من بقايا العقل السوفياتي في المجر المجاورة، في تصريحات تشبه تصريحات زعران الإعلام المصري ضد اهل غزة.


ماذا لو قام المصريون بالإعداد لبرنامج كهذا وإعلان فتح المعابر كلها لأهل غزة ومنحهم حقوق الإقامة والعمل في مصر، وعززوا روح الإخاء والمحبة والتكامل مع هؤلاء المعذبين في الأرض الذين ولدوا ونشأوا وشبوا وشابوا وهرموا في هذا السجن الكبير المسمى غزة.

مااذ لو احتضنت بلد التسعين مليون قلبها وروحها لهؤلاء الهاربين من القهر والسجن، وهم لن يبلغوا أبداً نصف مليون نازح، ولن يترك معظمهم أرضه وبيته وبلده، ولكنه سيذهب لسعي كريم يعود به على مدينته وأهله بالخير.

لم يعد هذا العالم المتحضر يتقبل جدار برلين ولا جدار الفصل العنصري الذي أقامته إسرائيل في الضفة، ولا منطق نظام الاستبداد السوري الذي يصنف العالم كله عدواً أبدياً للمشروع السوري الإيراني المقاوم.

إنني على يقين أن برنامجاً طموحاً كهذا لأهل غزو ينتج عنه فتح كامل للمعابر، وإلغاء بصمة رفح المشؤومة كما ألغت ألمانيا بصمة دبلن، ومنح الناس حرية الانتقال مع الأم العربية الكبرى مصر، سيحمل أهل غزة على الوفاء لأهلهم وإخوانهم، وسيجعل مقاومة الإرهاب والتطرف أيسر من ذي قبل، لأن الشعب حين لا يجد مبرراً للعنف فإنه يفقد المتطرفين حاضنتهم، ويحمل الناس على التعاون مع مجتمعه ضد القهر وضد العنف.

لو كنت في مصر لأسست حزباً يدعو إلى التلاحم مع غزة، ليس في تأييد القتال حتى الفناء، بل في تأييد الإخاء والتواد مع المصريين، وإنهاء الحصار المرير، وفتح سيناء بشكل خاص أمام اليد العاملة الغزاوية الفلسطينية، يجنون منها زيداً وعسلاً، حيث تطرح في صحراء سيناء أكبر المشاريع الطامحة، برأسمال عربي وإسلامي واعد، وقوانين مصرية دقيقة، وسياحة دينية ثرية وغنية، ولا أشك أبداً أنك سترى أهل غزة يحققون فيه معجزة الصحراء في التنمية والفرج والعطاء.

سأتلقى التهم الجاهزة من عباقرة الدولة العميقة في مصر بأنني أعمل لمصلحة الإرهاب وأن مصر لن تفرط بأمنها القومي من أجل أحلام إنسانية غير واقعية، وفي المقابل سأتلقى التهم من قيادات العمل العنيف في غزة الذين يصرون على استمرار الموت إلى ما لا نهاية بشعارات المقاومة والرفض بأنني أعمل على تذويب القضية الفلسطينية وبيعها لمصر.

يتهمونني دوماً بأنني أكتب بطوباوية حالمة لا مكان لها في عالم السياسية الماكر، ويقولون السياسة بلا أخلاق، وتشتهر هذه العبارة كما لو كانت قاعدة فيزيائية وقع عليها العالم، والحقيقة ليست كذلك، فالسياسة هي منصة النبلاء الأذكياء لخدمة شعوبهم، والسياسيون الذين ينتخبهم العالم المتحضر يفترض أنهم أكثر شعوبهم أخلاقاً وإنسانية وذكاء، ويفترض أن يقدموا لشعوبهم سياسة طافحة بالأخلاق، ينالون بها ثقة الناس من جديد.

إننا نخلط بين السياسة والتآمر، فالسياسة من وجهة نظري دوحة أخلاق وإنسانية، ولكن التآمر هو الذي يفتقر إلى الأخلاق، وفرق كبير بين السياسة والتآمر، كالفرق تماماً بين دول اسكندنافيا وعالمنا الراتع حتى شوشته في فوبيا المؤامرة في ظل الاستبداد والقهر المقيت.

اقرأ:

د. محمد حبش: السيد سيرجيه لافروف.. وزير خارجية الاتحاد الروسي



Tags: مميز