on
د. محمد حبش: العالقون
د. محمد حبش: كلنا شركاء
إنه مصطلح جديد لهزائمنا ونكباتنا خيباتنا، نحن الأمة العربية المحسودة بابتكار تسميات الهزائم، فنحن من ابتكر مصطلح النكبة ثم مصطلح النكسة ثم مصطلح الاجتياح، كما ابتكرنا مصطلح اللاجئين ثم النازحين ثم الوافدين ثم المهجرين واليوم مصطلح العالقين!!
إنهم 55 سوريا ألقتهم الأقدار في الصحراء المغربية الجزائرية التي سجلت تاريخياً أعلى معدل حرارة في الأرض 57 درجة مئوية في الظل، في الصحراء الكبرى، ومع ذلك فإنه لا ظل يظلهم في تلك الصحراء الحارقة.
العالقون على الحدود المغربية الجزائرية عالقون في شتاتنا وضياعنا وقهرنا، عالقون في مجتمع عربي مأزوم تائه، يعبد السيادة الوطنية ويكفر بالإنسان، يدعو إلى الوحدة ويقيم جيوشه حراساً على التجزية، يلعن الاستعمار ولكنه يضحي بشبابه لحماية الحدود التي رسمها الاستعمار!!!
عالقون في ذاكرة شرقستان وغربستان التي رسمتها الكوميديا العربية في فلم الحدود، ولكن أبطالها دريد لحام ورغدا!!!!!!
كم هي مريرة سخرية القدر أن يكون أبطال فلم الحدود هم من يطالبون حكومتهم اليوم بالقصف الكيماوي على السوريين التائهين بين غربستان وشرقستان.
العالقون ….. مصطلح بريء وساذج… ولكنه كاف لينفض أوهامنا المترهلة.
العالقون هم من جعلونا نعرف أن الحدود بين أكبر بلدين عربيين مغلقة بالشمع الأحمر منذ ثلاثة وعشرين عاماً!! وأنه لم يتسرب منها أي ذي روح مع أنها تمتد في طولها لأكثر من 1600 كم ، ولك أن تتصور ما يعنيه قطع حدود بهذا الحجم بين بلدين جارين وما يكلف ذلك من نفقات هائلة على الصناديق السيادية وما يعنيه من تعطل التنمية والتبادل الاقتصادي، وما يعنيه من كارثة اجتماعية حقيقية على المدن المتجاورة…. وبعد مرور ثلاثة وعشرين عاما على القطيعة لا يزال خطاب البلدين الجارين أننا نحرس سيادتنا الوطنية من الأعداء!!!!
والحكاية بطولها أن عدة عوائل سورية وجدت نفسها في بؤس الشراد اللئيم الذي عصف بالشعب السوري، واختار هؤلاء أن تكون المغرب وجهتهم حيث لهم بعض الأقارب، وقد قرؤوا في التاريخ أن سوريا آوت المغاربة حين شردهم بطش الاستعمار، وأن في سوريا عائلات لا تحصى من آل المغربي والتلمساني والطنجي والفاسي والمراكشي والرباط، وهكذا طاروا الى السودان ومنها الى ليبيا والجزائر وتمكنوا من اجتياز الحدود الجزائرية في دياسبورا رهيبة من السياحة الهائمة، ولم يكونوا يعلمون أنهم وصلوا إلى حدود مغلقة بالشمع الأحمر منذ ثلاثة وعشرين عاماً بين بلدين جارين يعيش فيهما شعبان متماثلان في كل شيء اللغة والطبائع والسحنة والعادات والدين والمذهب والفقه….. لكنهم للأسف محكومون بارادتين سياسيتين متناقضتين ترفع كل منهما جانباً من برقع الإسلام والعروبة.
حضارهم في الصحراء مدهش وغريب، ولكن الأشد غرابة هو قدراتهم على التعبير عن رسالتهم وإسماع صوتهم للعالم بشكل مهني رهيب…
وصلت رسائلهم بالصوت والصورة إلى العواصم الأوربية ووحدوا أنصاراً بالمئات يصرخون في وجه نواب بلدانهم للعمل على الإفراج عنهم، ولكنها لم تبلغ مسامع القادة المحترمين في الجزائر والمغرب ليقوموا بواجبهم في إنهاء هذه الكارثة الإنسانية الرهيبة.
بدوري قمت بالاتصال بالسيد سعد الدين العثماني رئيس الوزراء المغربي وهو رجل وطني مؤمن .. ووعد بالتحرك الفوري لإنهاء المأساة ولكن لا شيء تغير على الأرض.
في منتدى الدوحة العالمي الذي شاركت فيه شاركنا تسع رؤساء دول وأكثر من خمسين وزيراً فيهم وزراء وغاربة وجزائريون، ولكنهم متقاطعون متدابرون لا يلقي أحدهم السلام على الآخر، وبينهم ما صنع الحداد…. وحين طرحت موقفي آلمني أن يكون جوابهم إننا في حالة حرب وإغلاق الحدود قرار سيادي مستمر منذ 23 عاماً ولا يجوز المس بالقرار السيادي للدولة من أجل مطالب فردية!!!
لن أسترسل في الكلام ولكنني سأسهم في شرح معاناتهم عن طريق نشر واحدة من رسائلهم التي وصلتني منهم على الواتس آب بعد أن عرفوني بأنفسهم من ابناء حي المزة في دمشق حيث كان يجمعنا المحراب في جامع الزهراء….
ومع أن الرسالة لم تغير شيئاً من بؤسهم وعنائهم، ولكنها في الواقع قطعة من روائع الأدب الإنساني… خاصة أنها كتبت في جحيم القهر، ومن حقها أن تكون وثيقة باقية في متاحف القهر والظلم التي يعرفها العالم.
كلمة العالقين السوريين المحاصرين بين فكيك وبني ونيف في الحدود الجزائرية المغربية
تحية لكم أيها الأحرار ….
تحية لكم جمعيات وأحزاب ونقابات
تحية منا لأهل فكيك من باريز مادمنا لم نستطيع تحيتهم وهم الذين لا يبعدون عنا إلا ببضع عشرات من الأمتار
تحية لمواطني المغرب الحبيب وجمعياتها المدنية والحقوقية
تحية لمواطني دول البحر الأبيض المتوسط وأوروبا وجمعياتهم الحقوقية والمدنية
تحية للإعلام المكافح ولكل جنود الخفاء في هذه المعركة الشريفة
أيها السيدات والسادة
في صحراء قاتلة نعيش فيها منذ شهر، هذه الصحراء ليلها مظلم و بارد و قارس جدا، نهارها حار وحره شديد ، تزيده حرارة رمالها الحارقة ،و بدون سقف يغطي أجسادنا ، أو جدران تحمينا من العواصف الرملية القوية العاتية جدا التي لا يخلو يوم منها ، تقتلع القليل من الفراش الذي توصلنا به من سكان المدينة مشكورين ، و تملأ عيون الصبيان رملا وتزيدها احمرارا لا تنظفها سوى دموعهم ،في هذا المكان تجاورنا الأفاعي السامة والعقارب القاتلة المختبئة بين الأحجار والأشواك ، وهي شغلنا الشاغل ليلا ونهارا ، تترقب قدم طفل أو يد امرأة ، ونترقبها نحن فلا نعرف طعم النوم نخاف من لسعاتها المميتة ، لأننا نعرف انه إن نجحت في لدغ احد منا ، فلا إمكانية لعلاجه ولا طبيب ينقذه ولا علاج بين يدينا نداويه ، ونعرف أن مايحيط بنا من حراس لا يمكنهم التدخل لإنقاذنا ، لأنهم لو يفعلوا لتدخلوا حين كانت المرأة الحامل الأولى تتوجع وتتلوى أثناء المخاض ثم أثناء الولادة ولم تنفع صرخاتها ولا صرخات أهل فجيج لاستقدام طبيب لإسعافها ن كما لم يتدخلوا لإسعاف حالة الرجل المسن المريض بالضغط الدموي الذي أصيب بأزمة قلبية منذ أيام ولم تسعف استغاثاتنا على المباشر إلى جنود الدولتين ولا عبر الفايسبوك إلى العالم اجمع.
أيتها السيدات أيها السادة
يا أحرار العالم ويا ضمير الإنسانية الحي
كل يوم تشرق شمسه في هذه الصحراء ، نستيقظ على صرخات الأطفال وأنينهم ، من اجل قطعة ثوب تقيهم أشعة الشمس ، او شربة حليب لطفل صغير ، أو كأس ماء لإطفاء ظمأ ليلة جافة ، نسمع الصراخ نحن الكبار فنخفي رؤوسنا ،وكأننا نائمون لا لشيء إلا لأننا عاجزين فعل أي شيء من أجلهم، فيزداد بؤسنا بؤسا وتتفاقم مأساتنا ، ننتظر غذاء وماء فما يصلنا ما يسد رمق الأطفال فكيف بالكبار ، أجساد ووجوه الأطفال والنساء أصبحت جافة وقاسية، ملابسنا إهترأت على ظهورنا والتصقت بجلودنا ،ورؤوس أطفالنا بالقمل قد ملأت ، وجلودهم بالالتهابات انتشرت وأيضا في آذانهم، و عيونهم اشتد احمرارها . هناك شيوخ معنا يعانون من مشاكل قلبية وقد نفذ كل ما لديهم من دواء وهناك بيننا نساء حوامل على وشك الولادة وهن بحاجة لرعاية صحية عاجلة،ولا يوجد ماء نغتسل أو نقضي حاجتنا، مياه الشرب قليلة ومعظمها مالح لم يعتده الأطفال .
أيتها السيدات والسادة
ياسادة العالم الحر
يا مواطني فرنسا ،أيها المسؤولون في فرنسا: فرنسا إعلان حقوق الإنسان والمواطن سنة 1789 وفرنسا جون جاك روسو ، ومونتيسكيو ، وفولتير و جان دارك وغيرهم
يا مواطني العالم في فرنسا
أيها القادمون من جهات الدنيا الأربع ، في هجرة إرادية او غير إرادية بحثا عن الأمان، عن الحياة ، او بحثا عن الإنسانية ،
نحن مجموعة من النازحين الفارين من حرب مدمرة تؤثث أخبارها كل دقيقة شاشاتكم، دمارنا تعرفون تفاصيله أكثر منا ، لأننا هنا في الصحراء ، لم نعد نهتم إلا بنظرات أطفالنا البئيسة وانين مرضانا ، كنا 55 فردا وأصبحنا 56 بعدما ولد بيننا رضيع في ظروف مأساوية ،لم يتحمل قسوة الحر وبرد الليل فاضطرت امه ومجموعتها للانسلال ليلا بحثا عن الأمان مثلكم وبقينا 41 فردا بيننا 18 طفلا وغدا قد يصبحون 19 إذا ما الحياة كتبت للمولود المنتظر أو قد نصبح 40 أو اقل إذا ما أودت الوعكات الصحية بأحد من مرضانا او لسعة عقرب أو أفعى بأحد منا، أو لأقدر الله كانت الولادة عسيرة وما أكثر ما تكون كذلك حتى في مستشفياتكم الراقية فما بالنا في صحراء جرداء
نحن مجموعة من مئات الآلاف ممن هجرتهم الحرب ، فلم نفكر في ملجإ غير أماكن تواجد أفراد عائلاتنا في المغرب أو في ألمانيا أو في فرنسا أو في أوروبا ولكن تشاء الأقدار أن لا نجد وطن يقبلنا أو خيمة تأوينا
أيها السيدات والسادة
في هذه الصحراء تبدو السجون قصورا والخيام جنانا ، وسوريا الدمار ، دار كرامة وعزة …
هنا يمنع الماء والدواء والخبز والحليب والطبيب والكلام والصياح والحركة مراقبة والخلود الى السكون مشكوك فيه ، هنا الأضواء الكاشفة ، تكشفنا ولا تكشف لنا فحيح الأفاعي،
في كل يوم نموت عدة مرات من الجوع والعطش والمهانة والعجز والمرض و القهر والكرامة الإنسانية المهدورة
نحن في مكان حيث لا يعترف فيه احد الطرفين بنا ولا بوجودنا بأرضه لذلك ندعوكم لعدم التوقف عن دعم قضيتنا وعدم نسياننا هنا ،في هذا السجن بدون جدران ، دقوا كل الأبواب من اجلنا جميعا لكن أساسا من اجل أطفال لا يعرفون سبب توقف الرحلة التي اعتقدوها نزهة عائلية وغياب الماء وذهول الأب والأم .
و ندعو المنظمات الدولية مثل المفوضية السامية للاجئين والصليب الأحمر الدولية ومنظمات الهجرة الوطنية والدولية ودول العالم الحر: فرنسا وألمانيا والسويد و بلجيكا وانجلترا وهولندا وباقي دول الاتحاد الأوربي وكذلك المغرب لإلحاقنا بعائلاتنا ، بأزواجنا وبأولادنا ، او حيثما وجدوا لم تعد لنا رغبة سوى إبقاء أبنائنا على قيد الحياة لهذا نعلن إننا لم نعد نطلب اللجوء لانه حلم لنا لم يقبله العالم منا لهذا نحن نطلب فقط إنقاذنا من الموت ومن الإخطار التي تتهدد أطفالنا ونساؤنا فحياتنا مهددة في كل لحظة
عار في حق الإنسانية ان نستمر في ما نحن عليه.
دمتم للإنسانية أوفياء ودمنا بتضامنكم أقوياء…….
Tags: اللاجئين السوريين, د. محمد حبش, سلايد