on
Archived: سميرة المسالمة: هل معرفة مذهبي الديني طائفية؟!
سميرة المسالمة: كلنا شركاء
لم يحدث يوماً أن اضطررت لسؤال والدي أو والدتي عن مذهبي فقد ولدت ببيت يصدح فيه الآذان لصلواته الخمس ، ولا أتذكر أن والدي – رحمه الله -سها ذات يوم عن صلاة الفجر حاضراً في المسجد القريب جداً حتى تخاله كأنه في الساحة الأمامية لمنزلنا ، ونتلقى أنا وأخوتي دروس الدين كلما اقترفنا شبهة خطأ .
نعم أنا مسلمة -سنية اذا وجب ذكر التفاصيل – ليس من ضمن اثبات اسلامي لكم ارتداء الحجاب ، ولم أفكر يوماً أنني أستحوذ على تمثيل المسلمين في عملي أو في حياتي الاجتماعية .. كنت أعرف وبوضوح أن جارنا أبو صياح “متوالي” أي شيعي ، كما أعرف أن خالتي أم بسام مسيحية ، أبي رفض تزويج أختي الكبرى من شاب علوي ففهمنا الدرس ، لكن طبعاً لم يمانع أحد من عائلتنا عندما تزوج أخي من شابة علوية رائعة تسكن الطيبة قلبها -هكذا كانت الحدود واضحة لنا- .
مجتمعنا الصغير ونحن في حي الميدان لم يكن ليرحب بفتاة سافرة ، كانت تلك مشكلتي أنا بعد زواج شقيقتي اللتين تكبرانني بسنوات ، ولم أجد وسيلة لتخفيف حدة اعتراض النظرات ، إلا أن أقص شعري كالصبيان فلا ألفت انتباه أحد عند مروري الهادئ والسريع .
وبعد طول زمن بدأت تتسرب الطمأنينة بيني وبين جيران طريقي إلى المدرسة ، حتى كنت أتلقى دعاءهم بالتوفيق والنجاح من كل “حاج “أمر به سائلة عن صحته أو حاجته . لم يك مجتمعي كبيراً ومترامي الأطراف كغيري من بنات دمشق ، كان هو ذلك الشارع الذي أعبره بين منزلي ومدرستي الثانوية ، وقد ألفنا بعضنا لسنوات ثلاث ، لكن بقيتُ “أنا “حالة غريبة وسط ذلك الحي الدمشقي المحافظ الذي أحببته، وكنت دائماً أثق بمحبته لنا كأسرة منحدرة من درعا ، المدينة التي تبعد أقل من ١٠٠ كم عن دمشق العاصمة .
كانت محبة أهل الحي تتبدى بسلام رقيق ومودة جيرة لم أستطع حتى اليوم نسيان تفاصيلها الصغيرة . كان الوقت فجراً عندما أطلقت أمي صرختها المدوية معلنة وفاة والدي ،ورغم أن الوقت باكر جداً إلا أن بيتنا تحول خلال دقائق إلى ساحة عامة يندر أن تسجل غياب أحد من الجيران عنه مسلمين ومسيحيين وعلويين ودروز واسماعيليين و … . في درعا كنت أنا إبنة أمي المرأة “الشامية ” وفي دمشق أنا الشابة الجامعية لكن ابنة المحافظة الريفية “حورانية “كما يصفني جيراننا الطيبون .
لم نكن مجتمعاً عدائياً تجاه الآخر المختلف منبتاً وديناً، لكننا أيضاً نمتلك حدوداً واضحة بيننا ، رغم حالات قفزت فوقها وتعاطت مع قضايا الزواج بين مذاهب وأديان مختلفة، لكن علينا أن نعي أن هذا التعاطي أو القبول كان بطريقة التغاضي وليس المشروعية . فحتى اللحظة لاتزال صرخات أم مفجوعة بزواج ابنتها الدرزية من شاب سني تحفر بذكرة جدران حارتنا ، التي ودعت تلك العائلة متأسفة لخسارتها جيراناً يعبقون باللطف والتهذيب وحسن الجوار ، لكن حادثة الزواج تلك كانت سبباً في عودتهم إلى محافظتهم خشية على من تبقى من بناتهن الصغيرات . وكذلك فعل أهل صديقتي هيام المسيحية حيث انتقلوا إلى جرمانا ليكونوا بين أهلهم على حد تعبير والدتها حين جاءتنا مودعة .
نعم كنت دائماً أتفهم ذلك من منظور ديني واختلاف طبائعي اجتماعي . وليس من شأن تلك الحدود ايقاع الخلاف أو الضغينة بين الأهالي ، لأنها كانت تعبيرا عن الحفاظ على وقائع مجتمعاتهم دون إحداث تغييرات صادمة لها بالعادات والسلوك الاجتماعي .
نعم في سورية لم نكن نسمع التوصيفات المذهبية علناً ، ليس لأننا لانتحدث بها، وإنما خشية ماكان يتربص بنا من تبعيات هذا الحديث ، وتوصيفات تجريمه “المخابراتية “قبل القانونية التي قد تصل عقوبتها حد الموت ولو بطرق غير معلنة .
لعلّ ذلك التغييب العلني لأحاديث كان يجب أن نخوضها علناً لا سراً، وراء بعض الاصطفافات الطائفية غير المبررة خلال الأشهر الأولى من انطلاقة الثورة السورية ، حيث استغلت الاجهزة السلطوية ذلك الفراغ الثقافي فيما يتعلق بالمصارحات الشعبية المذهبية لتملؤها بتوهمات عداء الآخر المختلف ، ومن ثم لتحولها إلى صراعات رقمية بين أكثرية وأقليات متنوعة . لا انصهار بين الطوائف في سورية كما يحاول بعضهم الادعاء بسذاجة بأننا لم نكن نعرف مذاهبنا، لكن أيضاً لاعداء بيننا ، فنحن نتقاسم الأرض والرزق ويرضى كل منا بما ورثه من دين آبائه وأجداده ، وقد لايعمل بعضنا بتفاصيل ذلك الدين ، لكننا لم نسع بجد “جميعنا” ومن كل المذاهب إلى احداث تغييرات تذيب تلك الحدود المرتفعة بيننا ، حتى لو استطاع بعضنا تجاوزها تحت مسميات مختلفة ، لكنها حتما بالمحصلة ليست ترتقي لأن ندعي ماليس حقيقة : نعم كنا نعيش معاً لأن سورية بلد لنا جميعاً و الأرض بيننا شراكة ولافضل لأحد منا على الآخر بحسن التعايش ، ولأن كل منا يحترم الآخر بحدوده التي منذ أن نولد جميعنا يعرفها ، ووجود خلاف ذلك على قلته موضع احترام لكنه ليس قاعدة عامة قبل بها كل آهالينا ، وعملوا بناء عليها بتفاصيل حياتهم المدنية .
أحياناً نقل الحقيقة يكون موجعاً لكن إذا أردنا أن نبحث في أمر علينا توصيفه بحالاته العامة لا باستثناء هنا أو هناك ، كما أن تصوير ما كنا عليه من صمت حول اختلاف طوائفنا على أنه ” فضيلة” ، تثبت وقائع الواقع على أننا نجمل “صمتاً قبيحاً” انفجر بشعلة نار خبيثة من سلطة كبتت أحاديثنا زمناً طويلاً لتحولها إلى قنابل تستخدمها متى شاءت للاطاحة بنا جميعاً دون تمييز بين شعائرنا إن وجدت أم لا ..
نعم أنا أعرف ديانتي كما أعرف مذاهب الآخرين من أصدقائي ، وأحبهم كما هم بكل طوائفهم وقومياتهم أيضاً فهل أنا طائفية ؟!
اقرأ:
سميرة المسالمة: حدث أن عرفت الجوع
Tags: مميز