Archived: (الزبداني، بقين، مضايا) جوع يقهر المحاصرين وألغام تحصد الهاربين وإنذار بكارثة

سعاد خبية: كلنا شركاء

“لا أحد يسمعنا، لا أحد يتابع كارثة المجاعة التي بدأت تخيم على منطقتنا والتي بدأنا نتلمسها فعلياً، نرجوكم أن توصلوا رسالتنا للمنظمات الدولية، للصليب الأحمر الدولي، ألسنا بشرا؟ ألسنا ضمن من يشملهم القانون الإنساني في حالات الحرب؟ أليس من واجبهم تقديم العون لنا لنبقى على قيد الحياة على أقل تقدير؟، لماذا لا يضغطون لأجل تفعيل بنود الهدنة التي تم الاتفاق عليها في جانب إدخال المعونات الغذائية بإشراف دولي كما طبقوها في بلدتي الفوعة وكفريا المرتبطتين مع منطقتنا ضمن بنود الهدنة، وقد أدخلت إليهما المواد الغذائية بإشراف أممي!، قولوا لهم الجوع يفتك بنا والألغام تقتلنا”.

نداء وجهه عدد من أهالي منطقتي بقين ومضايا وبعض النازحين من الزبداني إليهما عبر اتصال خاص بـ “كلنا شركاء” أرادوا من خلالها التنبيه إلى الواقع الإنساني المتردي بشكل قوي في تلك المنطقة، والذي يهدد حياة أكثر من خمسين ألف شخص في هاتين المنطقتين المحاصرتين بـ ( ميليشيا حزب الله اللبناني وقوات إيرانية وعناصر من جيش بشار الأسد) في حين تغيب أخبار تلك المعاناة  بشكل شبه كلي عن وسائل الإعلام المختلفة بحسب ما يشير له أصحاب النداء.

يقول – غياث محمد – أحد سكان المنطقة وهو ناشط لاجئ في الخارج “لا نستطيع تقديم المساعدة لأهلنا ونحن نعرف أن الجوع يفتك بهم ويقتلهم أمامنا، وهم لا يجدون ما يأكلون،  وبرد الشتاء شديد وقارص هنا، يصل فيه ارتفاع الثلج إلى المتر عادة عند سقوطه، ومع ذلك لا محروقات  للتدفئة أو كهرباء، ولا يتوفر أمامنا سوى إرسال بعض المبالغ المالية التي نجمعها بجهود فردية بسيطة، ونرسلها عن طريق بعض المهربين، وهي فعليا لا تفعل شيئا في ظل عدم وجود مواد في الأسواق لشرائها، وإن وجدت فالأسعار تصل لمستويات خيالية تبتلع أي مبلغ مرسل دون أن يعطي قيمته المستحقة عمليا “،  مشهد قاتم يرسمه غياث  حين يصور الواقع “كيلو الرز يصل إلى 30 دولار أي  حوالي 10000 ليرة و الطحين كذلك، فكيف يأكل أهلنا ؟!.. سؤال تبدو الإجابة عنه صعبة ومحرجة للهيئة الدولية التي تتهرب من مثلها عادة.

يتحدث ابن المنطقة عن اجتماع جمعه وعدد من النشطاء مع – كيفين كينيدي – أحد مسؤولي الملف في الأمم المتحدة وقد وجهوا له سؤال عن مصير الهدنة و ماذا سيفعلون بهذا الشأن ؟ ولكن كما هي العادة كانت الإجابات عائمة بلا معنى وكلها وعود لا تتحقق كما يراها غياث، والذي يقول بأن القوى المسيطرة على الأرض (ميليشيا حزب الله والإيرانيين ونظام الأسد) ومن خلفهم الأمم المتحدة الغير فاعلة في تطبيق ما اتفق عليه بحضورها يصرون على إرسال رسالة واضحة لنا من خلال هذا الإهمال والتهرب من تفعيل بنود الهدنة بما يخص الجانب الإنساني بأن ” لا سبيل أمامكم سوى العودة للسلاح ”

تقع الزبداني على مسافة 45 كم  شمال غرب دمشق، و تمتد على سفوح جبال لبنان وتشرف على سهل الزبداني ، تحيط بها   مجموعة من البلدات والقرى،  بلودان ، بقين ، مضايا ، سرغايا ، يحاصر النظام (بقين ومضايا مع الزبداني التي كان يخوض فيها ومنذ وقت طويل معارك عنيفة انهتت بالهدنة  ) تعيش تلك البلدات أوضاعا كارثية في ظل الحصار  ، تحت وطأة القصف والتدمير الذي تعرضت له مدينة الزبداني تم تهجير معظم عائلاتها نحو دمشق والمناطق المحيطة بها في حين اعتمدت خطة ميليشيا حزب الله والنظام على دفع النازحين منها إلى بلودان  الخاضعة  لسيطرة النظام قسرا للنزوح من جديد باتجاه مضايا المحاصرة  والواقعة تحت سيطرة ” فصائل المعارضة ” كما حدث بتاريخ 3-11-2015 ، و جرى كذلك تهجير عائلات أخرى من  منطقة الروضة باتجاه مضايا أيضا ،بالإضافة لذلك اضطر من نزح من سكان الزبداني سابقا نحو  دمشق للعودة إلى هذه البلدات رغم أوضاعها الصعبة هربا من الاعتقالات والملاحقات التي يواجههم بها النظام  أينما رحلوا.

مداخل مضايا وبقين (  المعمورة ، وقوس مضايا ) مغلقة بشكل كلي وتنتشر حواجز (البراق ، وجوليا ، وبيضون وعبد المجيد والنقطة الثالثة … ) وكلها حواجز عسكرية  تابعة لميلشيا حزب الله اللبناني وقوات وميليشيا إيرانية أخرى فيما سيطرة جيش الأسد عليها شكلية ، تقتصر على عدد قليل من العناصر الذين يخضعون لتلك الميلشيا وينفذون أوامرها ، لجأ النظام بمساعدة حلفائه إلى زرع  منطقة سهل الزبداني ومحيط مداخل تلك المناطق بالألغام الأرضية المحرمة دوليا ،  والتي انفجر عدد كبير منها بمن حاول الهرب خارجها .

روى لنا  – محمد  –  أحد النشطاء الميدانيين داخل بلدة بقين  قصصا مروعة عن محاولات يائسة لعائلات وأفراد أرادوا الهرب خارج جحيم الحصار المطبق عليهم  ، وآخرون أرادوا اجتياز حدود الحصار بغية إدخال بعض المواد الغذائية فكان مصير معظمهم الموت ،فيما أصيب آخرون برصاص القناصة أو تعرضوا لبتر أطرافهم جراء انفجار الألغام  بهم ،يقول محمد أن عائلة مكونة من ستة أفراد بينهم أربعة أطفال حاولت  الخروج (تهريب ) بتاريخ 17/11/2015   بعد دفعت  مبلغ مالي قدره 1500$  للمهربين أي مايعادل نصف مليون ليرة سوريا الآن ، فتعرضت عند اجتيازها الطرق الالتفافية  لإطلاق نار من قبل قناصة حزب الله وعناصر جيش الأسد  ، في الوقت الذي انفجر بأحدهم لغم أرضي جراء الدوس عليه ما أدى إلى أصابتهم جميعا وتمت إعادتهم إلى ذات المنطقة التي خرجوا منها  بعد خسارتهم الصحة والمال ، وفي حادثة مماثلة  يقول محمد بأن لغما أرضيا انفجر بشابين بتاريخ 15-11-2015 كانا يحاولان إدخال بعض المواد الغذائية إلى داخل البلدة ما أدى إلى بتر ساقيهما ، كما أدى انفجار لغم أرض إلى وفاة شاب كان يحاول الخروج أيضا .

أمثلة وقصص محزنة كثيرة يرويها النشطاء عن حوادث إطلاق نار على نساء وأطفال كانوا  يحاولون جمع الحطب لاستخدامه في الطهو  والتدفئة من ( أحراش مضايا وبقين ) من قبل حاجز عبد المجيد العسكري ، وحاجز النقطة الثالثة ، كانت نتيجتها  إصابات ووفيات ، وكله في ظل انقطاع تام للغاز والمحروقات منذ أشهر طويلة  ، يصل سعر الكيلو غرام الواحد  من الحطب  ل200 ليرة سورية ، يعمد السكان ومنذ سنوات على قطع الأشجار والأحراج لاستخدامها كبدائل  وهذا بدوره يهدد المنطقة والتي تعتبر من أهم مصايف سوريا وريف دمشق وأكثرها خضرة وأغناها بالأشجار ويعرضها للتصحر وتدمير غطاءها النباتي نتيجة القطع الجائر ، أسعار المحروقات عالية جدا حيث ويبلغ سعر لتر البنزين  الواحد 5000 ليرة  سوريا مايعادل (17$ )

أسواق خاوية وأسعار عالية ..

تحولت بلدات مضايا وبقين والزبداني إلى سجن كبير يمنع الدخول والخروج منها  هكذا يصفها غياث أحد أهالي بلدة مضايا، يتحدث عن ارتفاع جنوني في الأسعار وخاصة بالنسبة للمواد الغذائية ، وبحسب شهادة غياث تبلغ تكلفة الوجبة الواحدة لخمسة أفراد ( ذات راتب غذائي متدني   ) حوالي عشرة الآف ليرة  سورية في الحد الأدنى ، الخبز وهو المادة  الأساسية في الطعام غير موجودة إطلاقا وجميع الأفران مغلقة ، الأسواق تعاني من شح المعروض بشكل كبير ولايوجد فيها سوى بعض المواد المخزّنة سابقا كالأرز والبرغل  تطرح بكميات قليلة جدا وبأسعار باهظة ، حيث وصل ثمن الكيلو غرام الواحد منها إلى 10000 ليرة سورية ويتم تهريب مواد قليلة بمخاطرة كبيرة نحو داخل تلك المنطقة وتباع بأسعار مرتفعة جدا ، وجود اللحم في الأسواق نادر جدا حيث يقتصر على لحم الماعز والبقر ويبلغ سعر  الكيلو غرام الواحد منه 7000 ليرة.

مدارس فقيرة ..أشغال شاقة 

افتتحت المدارس بمبادرة من إدارييها ,ولكن تفتقر لكل شيء فلا تتوفر فيها أي وسائل تعليمية ,كما لا تتوفر الكتب أو القرطاسية لعدم القدرة على إدخالها وتغيب عنها الكهرباء وجميع وسائل التدفئة في منطقة هي الأكثر برودة في سوريا ، ولتأمين الكهرباء يشترك الأهالي  بمولدات خاصة يصل الاشتراك فيها أسبوعيا لــ  5000  ليرة للأمبير الواحد وهو ما يكفي لتشغيل التلفاز وشحن الجوال فقط ، يشتري الناس الماء من الصهاريج المتنقلة وغير المراقبة  ، ويصل ثمن البرميل الواحد لــ 450 ليرة ومن لا يستطيع الشراء يعتمد على نقل مياه النبع بواسطة أواني صغيرة يدويا .

واقع صحي يئن ..

توقفت المستشفيات الحكومية عن العمل منذ وقت طويل يصل لثلاث سنوات بفعل القصف والتدمير ، لايوجد في منطقة بقين ومضايا حالياً سوى نقطة طبية واحدة تعاني من شح كبير في الأدوية والمستهلكات الطبية  والكادر المتخصص ، لا يمكنّها وضعها الراهن من  علاج أي من الحالات الخطيرة أو المتوسطة  وهو ما يدفع وبشكل قوي لرفع الصوت عاليا لإخراج المصابين والمرضى للعلاج خارج أسوار هذا الحصار ، وفيات عديدة بسبب إصابات كان من الممكن علاجها لو توفرت المستلزمات الطبية اللازمة ، في حين كانت معظم المعلومات الواردة من تلك المنطقة متقاطعة إلى حد كبير ويؤكد أصحابها على أن الوضع خطير جدا ينذر بكارثة إنسانية محققة بكل المقاييس إذا لم يتم اتخاذ إجراءات فورية لعلاجه.

هدنة الزبداني ..

بتاريخ 22\9\2015 تم التوصل إلى عقد  هدنة إنسانية في مدينة الزبداني بعد معارك عنيفة استمرت لأشهر طويلة شارك فيها الإيرانيون وحزب الله عن النظام السوري وفي الطرف الآخر (أحرار الشام ) وهو الفصيل الأبرز في الزبداني، وذلك بعد ربط مصير كفريا والفوعة المحاصرتين أيضا من قبل “الفصيل المفاوض”  في إدلب  بمصير الزبداني وثوارها ” وبمنطقتي بقين ومضايا، وتم بموجب الهدنة الاتفاق على  الإفراج عن عدد كبير من المعتقلين عند النظام، إضافة إلى إخراج الجرحى وقسم من المدنيين من الزبداني مقابل إخراج عدد معين من أهالي كفريا والفوعة، وإيقاف التقدم من كلا الطرفين بالتزامن مع وقف استخدام السلاح الثقيل وإدخال الأدوية والمواد والمساعدات الغذائية بإشراف المنظمات الدولية ذات الشأن ، ومع ذلك  وبعد مضي أكثر من شهرين  لم تتحقق معظم تلك البنود باستثناء توقف الأعمال القتالية ويرجع بعض أهالي المنطقة عدم تفعيلها إلى تغيير قواعد اللعبة على الأرض بعد  دخول روسيا بشكل مباشرة عسكريا على خط القضية  السورية .

اقرأ:

انتشار التهاب الكبد الوبائي في الزبداني ينذر بكارثة صحية





Tags: مميز