on
Archived: سميرة المسالمة: نعم التفاوض للعسكر والبقية مهلاً..
سميرة المسالمة: كلنا شركاء
هل اقتصرت المشاركة في الثورة على المعارضين ؟!. حسب تعريف المعارضة في ويكيبيديا أنها : أية جماعة أو مجموعة أفراد يختلفون مع الحكومة – على أساس ثابت وطويل الأمد عادة – ولو أن المصطلح يمكن أن يصف المعارضة المتعلقة بالقضايا في إطار تشريع واحد أو اقتراح سياسة.ويطبق المصطلح على نحو أكثر تحديدا على الأحزاب في المجلس النيابي التي تختلف مع الحكومة وترغب في الحلول محلها[1]
فهل هذا المعنى ينطبق على من هم اليوم مع الثورة -وأنا واحدة منهم – ؟
لم أك يوماً معارضة ، واختلافي في كثير من القضايا مع الحكومة التنفيذية لايضعني في أي شكل من الأشكال في صفوف المعارضة ، لكن – في الوقت نفسه- لايعني عملي في واحدة من مؤسسات الدولة الاعلامية أنني أحد اعمدة النظام الشركاء في الأسباب التي قادت البلاد إلى اندلاع ثورة سلمية تطالب بحقوق مشروعة ، و تحولت بفعل ردة الفعل العنيف للنظام الحاكم إلى ثورة مسلحة .
ورغم ذلك فهذا لايعفيني من مسؤوليتي الكاملة تجاه المواطنيين ، فالصمت أو تجاهل الاشارة أو الكتابة عن أخطاء وجرائم ارتكبتها أجهزة في الدولة هو أيضاً خطيئة نحاسب عليها” لو ” -وأرجو التمييز هنا بمعنى لو –
لو كنا في واقع أقل خوفاً وجنوناً مما هو حال الحياة الأمنية في سورية .
نعم لقد اقتصرت اشاراتنا وكتاباتنا في الاعلام على أخطاء الأجهزة التنفيذية ، التي كانت سبباً في انهيار معيشة المواطنين اقتصادياً، وربما الكثير من الاعلاميين الشرفاء لم يقصر يوما في واجبه ، بنقل مايعانيه الشعب السوري من انزلاق كارثي إلى مادون خط الفقر ، ذلك هو الممكن لعملنا ، وذلك هو المتاخ لنبقى فيه ، وقد حاولنا ما استطعنا ، دون أن نسير في ركب المعارضين الذين لم يعلنوا حتى تاريخ اندلاع الثورة وربما حتى اليوم ، عن أحزاب بديلة للحزب الحاكم أو عن رؤيا مستقبلية لشكل الحكم الذي يسعون إليه .
ولذلك لم تتشكل لدى كثير من السوريين قاعدة معلومات عنهم ، ولم نسمع بأسماء كثيرة باستثناء معارضون قدامى كرياض الترك مثلا ومجموعة “ربيع دمشق “إلا بعد اندلاع الثورة وهم مجتمعون بالأسماء لم يكونوا عددياً كما هو عليه الحال الآن .
بل ويتحدث بعضهم بأنه كان معارضاً متخفياً ، ورغم ذلك كانت مجمل المطالبات بعد تولي بشار الأسد الحكم في عام ٢٠٠٠ تقع تحت مايسمى العملية الاصلاحية ، وليست الانقلابية الثورية . وقد دفع بعض الشخصيات نتيجة ذلك ثمناً باهظاً من سنوات حياته خلف القضبان ، لكن المطالبات بالاصلاح لم تقتصر على المعارضين ، بل كانت جزءاً من حياة كثير من العاملين في حقل الاعلام، رغم تواضع مستوى هذا الاعلام ، ويشاركهم بذلك جمهور كبير من السوريين من رجال أعمال -غير محدثي الثروة وشركاء الأجهزة الأمنية- وصناعيين وفلاحين وعمال ومهنيين ، لكن دون نزعات بطولية تؤدي لدخولهم المعتقلات وتحمل ذلك الثمن الكبير ..
في ١٨ آذار ٢٠١١ اندلعت بوادر الاحتجاجات في درعا ليس بفعل القوى المعارضة الغائبة أصلا عن الساحة السورية ، أو قيادة شخصيات من المعارضين التقليديين ، بل على العكس من ذلك تماماً .. فالمتظاهرون كانوا كما تسمينا “المعارضة اليوم ” من المحسوبين على النظام وظيفياً أو اقتصادياً ، ولم يحملوا أي أجندات سياسية انقلابية ، وإنما حملوا مطالب تقع كلياً تحت بند الاصلاح للمؤسسة الأمنية في المقام الأول ، ثم لواقع التشريع القانوني الذي اعتبروه مجحفاً بحقهم ، واذا كان غاب المطلب الأول عن الاعلام الحكومي فهذا له أسبابه :
أولاً -الخوف من عواقب التعبير عن فساد المؤسسة الأمنية التي لا تضبط المسؤولين فيها أي قوننة مؤسساتية .
ثانياً – تبعية المنابر الاعلامية بشكل أو بآخر للأجهزة الأمنية التي غضت الطرف عن انتقادات عميقة بحق مؤسسات الحكومة ، مقابل عدم المساس نهائيا بما يتعلق بالأمن ، الذي تم ربطه مباشرة بالأمن الوطني للبلاد .
مماسبق يمكننا القول أن الثورة لم تكن بطابع سياسي حزبي وليس مرادها أن تكون الحاكم البديل ، إلا عندما واجه النظام المطالب بالعنف والقتل ، والمزيد من الاعتقالات العشوائية التي أدت إلى تحول الاحتجاجات إلى ثورة غايتها اسقاط النظام ..
لم تقتصر الاحتجات بداية على مدينة درعا وضواحيها ، بل شاركها بذلك مدن أخرى من باب تخفيف الضغط عن درعا من جهة ، وأن هذه المطالب هي مطالب عامة ، يتوازع ألمها كل السوريين بمختلف مدنهم ، من ريف دمشق إلى حمص ثم حماه وطرطوس وادلب وبقية المدن وصولا إلى حلب .
تحمّل أعباء التظاهرات كثير من موظفي الدولة ، لأنهم آمنوا بحق التعبير وحق الحياة الكريمة ، التي انتزعتها الأجهزة الأمنية لمجموعة من أطفال درعا ، وليس لأنهم اتبعوا مذهباً سياسياً يجمعهم مع زيد أو عمر من المعارضين ، ومن هنا جاءت ملاحظة أن قوى الثورة أي أن مناصري الثورة والفاعلين الحقيقيين بأحداثها ليسوا هم قوى المعارضة ، والصحيح بالنسبة للواقع السوري أن نقول ليسوا من أسماء المعارضين التقليديين للنظام . وفي حالات ليست كثيرة جمع بعض المعارضين الصفتين معاً .
ولعل هذا مايجعلها ثورة شعبية على الظلم والديكتاتورية ، وليست ثورة معارضة لتقاسم الحكم ، لكن سقوط النظام الحاكم نفسه في مستنقع العنف والقتل والتغييب القسري ، جعل امكانية استمراره في حكم البلاد مستحيلة برأي الثوار ، مما أفسح المجال أمام المعارضين ليعلنوا عن مشاركتهم لأعمال الثورة بهدف اسقاط النظام ، والحلول كبدلاء له في حكم سورية ..
لذلك أقول لمن يسألني منذ متى كنت معارضة ؟! لم أك كذلك أبداً، كما حال معظم المتظاهرين ضد النظام وحتى رافعي السلاح بوجهه ، ولكنني كنت وسأبقى مع أول هتاف أطلقته الثورة وقبلها الاحتجاجات ” حرية وبس ”
حرية تضمن للناس حياتها الآمنة وقوانينها المنصفة ..
ربما لم أعتد أن أكون معارضة أعمل لأحل مكان السلطة الحاكمة ، لكنني تعودت أن أكون معترضة على الأخطاء مشيرة إليها ، ولذلك كنت مع الثورة ضد خطأ وخطيئة وجريمة النظام بحق السوريين . فإذا تفاخر معارضون بأنهم لم يكونوا مع النظام يوما، لكن بعضهم عاش بظله سنوات وسنوات .فما أفاخر به أنني كنت أعمل على رأس واحدة من أهم مؤسسات الاعلام في سورية ، وأقنعني المتظاهرون – وليس المعارضة -بنبل وضرورة قيام الثورة من أجل السوريين وسورية .
الثورة بقناعتي مستمرة مالم تتغير ذهنية كل الذاهبين لتقاسم المناصب ، على أنها مناصب لخدمة الناس ، ولضمان حرياتهم ، وليست لانتزاع حقوقهم وتغييبهم ، واستيراد قادة لهم من حيث لا يعلمون ..
الثورة اليوم هي ثورة مسلحة سواء أراد بعضهم أن يعترف بذلك أم لا ، وذلك لأن النظام الذي تحول بكامله إلى مجموعة مسلحة دفعهم إلى ذلك ، فما كان ذلك خياراً لمن تظاهر سلمياً لستة أشهر حسب اعتراف النظام نفسه دون وجود قيادة ومنظرين ومدّعي سياسة لهذه التظاهرات .
وبناء على ذلك ورداً على ضجيج محاولة ابعاد المعنيين الحقيقيين في التفاوض نسأل ألا تقابل الوفود عادة بنظراء لها؟!..
ومن هذه الزاوية تحديداً لابد من طرح السؤال الأهم : من هو غير المسلح في النظام ليجلس مقابله غير مسلح من المعارضة ؟
كل النظام باعلان رسمي منهم الآن جنود الأسد ، فلماذا يريد بعض المعارضة أن يذهبوا لحوار أو تفاوض جنود ويحرّمون ذلك على مسلحي المعارضة ؟!
حتماً للمدنيين دور في التفاوض ، لكن الأهم الآن هو التفاوض بين المسلحين على كلا الطرفين للوصول إلى مشترك واحد : وهو كيف نحافظ على حياة السوريين الذين ترغبون بتولي أمورهم لاحقاً .
من المبكر جداً انتزاع الحصص السياسية ، فقبل أن يجد الرصاص طريقه إلى خزائن المستودعات المحكمة بدل صدور الناس ، لن يجد سياسي واحد منكم طريقه إلى المشاركة على توازع حقائب الوزارت وخيراتها ..
فامنحونا فرصة الحياة قبل أن تمنحوا أنفسكم فرصة المشاركة بحكومة انهياراتها مضمونة مالم يتفق العسكر أولاً وآخراً .
سميرة المسالمة
كاتبة و إعلامية
Tags: مميز