Archived: المحامي ادوار حشوة: دستور الخمسين والشرعية المفقودة …

المحامي ادوار حشوة: كلنا شركاء

في بداية  الحراك الشعبي السلمي   اتفقنا مع شباب التظاهرات في حمص على   استبدال شعار بدنا اسقاط النظام بشعار  ( تغيير النظام لا اسقاط الدولة)  واتفقنا  معهم على مشروع حل سياسي يقوم على اعادة دستور 1950

الشباب وافقوا على ذلك واصدروا منشوراً بذلك جرى تعميمه على  التنسيقيات   الموجودة في حمص ومثلوا بذلك وعياً سياسياً ووطنيا لم يتوفر لسواهم فيما بعد.

هذا الدستور  حصل على موافقة جماعية من كافة احزاب  مجلس النواب المنتخب ديمقراطياً  وكان المجلس برئاسة رشدي الكيخيا الكردي الوطني وتضمن فصلاً  للسلطات وركز السلطة التنفيذية في مجلس الوزراء مجتمعاً  وليس في رئيس مجلس الوزراء ورئيس الجمهورية هو  رئيس دستوري وصلاحياته محدودة في تمثيل سورية كرمز لا كحاكم ومهمته اصدار القوانين التي يقرها مجلس النواب وله الحق في ردها بقرار معلل فاذا اصر عليها المجلس باكثرية الثلثين  تصبح نافذة بدون توقيعه وله الحق في العفو الخاص بناء على موافقة وزارة العدل ويصدر قانون العفو العام الذي يقره مجلس النواب ويعين كبار الموظفين  بعد موافقة مجلس الوزراء وبالتالي تكون السلطة التنفيذية في يد مجلس الوزراء والسلطة التشريعية في يد  النواب والسلطة القضائية مستقلة ولا سلطة لوزير العدل في نقل اوتسريح اي قاضي بدون موافقة مجلس القضاء الاعلى .

هذا الدستور تضمن نصاً حول دين رئيس الدولة وحول مصادر التشريع وقد توافقت احزاب الساحة على النص التالي ( دين رئيس الدولة الاسلام والشريعة الاسلامية مصدر  رئيسي من مصادر التشريع )

لم يتضمن النص تحديداً لاي طائفة اسلامية ينتمي الرئيس  كما لم يحدد اي شريعة اسلامية يقصد هل هي وفق فقه الشيعة او السنة او سواهما وفي كلتا الحالتين  لم يكن هذا الغموض مهماً يومئذ لان الاكثرية البرلمانية ستكون سنية حسب تعداد السكان والمهم ان الدستور   لم يعتمد الشريعة مصدراً وحيداً  للتشريع بل اعتبرها مصدراً من مصادر التشريع وبهذا يكون الدستور قد انتقل من تطبيق الشريعة الى  حالة عدم جواز مخالفتها لان الشريعة حين تكون مصدرًا  رئيسياً فلايجوز  للمصادر الاخرى ان تخالفها وهي اقل درجة منها وكان هذا اختراعاً سياسياً موفقاً قبلته جميع الاطراف بما فيها الاخوان المسلمون.

من ناحية اخرى اعتمد الدستور على  نصوص تبيح حرية الاحزاب ولايمكن فهم هذا الدستور بمعزل عن هذه الحرية وفعلا صدر قانون الاحزاب الذي اعطى الحرية في انشائها وما على الحزب سوى ان يقدم اخباراً بنشوئه الى وزارة الداخلية مرفقاً  ببرنامجه السياسي فاذا مر شهر ولم تصدر الوزارة قرارا بشهر الحزب فانه يصبح حزباً شرعياً حكماً وبدون موافقة الوزارة التي لها الاعتراض على البرنامج لجهة مخالفة الدستور واي خلاف يبت به مجلس الدولة .

الامر الثاني ان الدستور اقر بمواد اصول الانتخابات  بحيث  تحقق العدالة في تمثيل  الاقليات  وبطريقة تسهل على الناخب معرفة من يختار لذلك صدر قانون الانتخاب متضمناً تخصيص مقاعد للاقليات في مناطق تواجدها  وانطلاقا من دوائر صغيرة هي المناطق والمدن بحيث يعرف الناخب المرشحين وبنفقات قليلة يصل المرشح الى ناخبيه لانه كلما اتسعت الدائرة  يسيطر راس المال وتسيطر السلطة التنفيذية ويسهل التزويروتزداد الرشوة .

  دستور الخمسين هو دستور لنظام برلماني وغير رئاسي ولا  يمكن تحوله الى حكم ديكتاتوري لحزب او شخص وهو من افضل دساتير المنطقة وتولى مناقشته والمشاركة فيه خيرة رجال القانون والسياسة في سورية .

هذا الدستور تم اسقاطه  بالانقلاب العسكري الذي قاده اديب الشيشكلي ووضع من عنده دستوراً رئاسياً وعرضه على استفتاء صوري ونال موافقة 99% كعادة الانظمة الديكتاتورية ولكن بعد ان اسقط  مصطفى حمدون  حكم الشيشكلي  تقرر اعادة دستور الخمسين واعادة آخر حكومة شرعية اسقطها الانقلاب وهي حكومة  معروف الدواليبي كما تقرر اعادة  رئيس الجمهورية هاشم الاتاسي ..

استمر الحكم وفق هذا الدستور وجرت الانتخابات  وانتخب البرلمان شكري القوتلي فقام   هاشم الاتاسي       بتسليمه الحكم  ونشطت الحياة السياسية في البلد وشهدت استقرارا الى ان  حدث داخل الجيش

ما يدل على صراع بين الشيوعين والبعثين  وكانت مصر توالي القومين الذين اتفق عشرة ضباط منهم على القيام بانقلاب على الشرعية ومن وراء مجلس النواب والحكومة وحتى من وراء البعث وذهبوا الى  مصر وسلموا قيادة سورية للحكم المصري تحت شعار الوحدة الذي لم يتجرأ اي حزب او مجلس النواب او الحكومة او حتى الرئيس القوتلي ان يقف ضد الوحدة التي هي امل الجماهير وهذا الانقلاب اطاح  بدستور الخمسين وبالحكومة الشرعية وحل مجلس النواب والاحزاب واعلن الاحكام العرفية مدعيا انها للدفاع ضد اعداء الوحدة والتي استمرت حتى الان .

وحين قام ضباط من الجيش  عام 1961بانقلاب ضد الحكم المصري  فانفصلت سورية عن مصر اعاد الانقلابيون دستور الخمسين مع تعديلات بسيطة عليه وعلى قانوني الاحزاب والانتخابات  التي جرت نزيهة وحرة.

في 8 آذار 1963 اتفقت مجموعة عسكرية  نسبت نفسها  للبعث مع المخابرات المصرية فتم اسقاط حكم الانفصال واعيدت الاحكلم العرفية وحلت جميع الاحزاب والبرلمان ثم اقتتل الانقلابيون مع بعضهم  فتم اعتماد دستور مصطنع  تضمن حكم الحزب الواحد الذي تسترت خلفه قوى ظلامية وديكتاتورية اوصلتنا الى ما نحن فيه الان .

  في الحالة السورية  اليوم صمام الامان للوحدة الوطنية ووحدة البلد هو اعادة العمل  بدستور الخمسين لانه الدستور الشرعي الذي اطاح به انقلاب عسكري ولم يتم تعديله وفق الاصول الديمقراطية .

السؤال هو كيف يمكن  اعادة العمل به ؟

في حال انتصار المعارضة يصبح مجلسها الثوري هو السلطة ويمكنها اعادة العمل به انطلاقا من شرعيتها السيادية على الارض  .

في الحالة اليوم حيث لم تحسم المعركة    لاي طرف  فان الحل السياسي لاعادة الدستور اوتعديل اجزاء مهمة منه باتجاه الحكم البرلماني يحتاج  الى معونة من السلطة القائمة التي اذا وافقت على ذلك في اطار الحل السياسي التوافقي فعليها ان تحصل على ثلثي  اعضاء مجلس الشعب للتعديل جزئيا اوكلياً.

الحل الثاني هو قيام مجلس عسكري توافقي يعتبر نفسه السلطة الشرعية  وبهذه الصفة يمكنه اعادة  العمل بدستور 1950 للمرحلة الانتقالية كما حدث بعد كل انقلاب على هذا الدستور.   

من اهم ما يحصل عليه  الشعب هو الغاء النظام الرئاسي وحكم الحزب الواحد  ووضع البلد على الخط الديمقراطي بعيدا عن  الشعارات الهجينة التي جرى تصديرها للساحة من داعشية او قاعدية او عثمانية والانتقال الى الحكم البرلماني عبر انتخابات تجري على اساس المنطقة لا المحافظة كدائرة انتخابية وعلى تحديد مقاعد للاقليات حسب تعدادها وفي اماكن تواجدها  وكل شريحة تاخذ حقها من صناديق الاقتراع لا من فوهات البنادق   ونقل البلد من صراع الاديان والطوائف الى الصراع السياسي الذي لا يحذف احدًا  ولا يقمع وتصان فيه الحريات وتعود وحدة البلد .

دستور الخمسين وما عداه هو  اشكال جديدة من الاستبداد  وهذا هو السؤال 

اقرأ:

المحامي ادوار حشوة يوجه رسالة الى مجمع المطارنة الارثوذكس في اميركا





Tags: مميز