Archived: بهنان يامين: اننـي أتهــم

بهنان يامين: كلنا شركاء

    في الثالث عشر من عام 1898 ومن على صفحات جريدة لورور، دوت صرخة من الكاتب الفرنسي الشهير اميل زولا، على شكل عنوان مقال بعنوان: أنا أتهم J’accuse  وكانت المقالة عبارة عن رسالة مفتوحة لفيليكس فور رئيس الجمهورية الفرنسية، وذلك دفاعا عن ألفريد دريفوس، وهو نقيب بأركان حرب بالجيش الفرنسي، من أصل يهودي، والذي تم اتهامه زوراً في خريف عام 1894، بتسريب ملفات فرنسية سرية للمركز العسكري الألماني بباريس. كما تم تجريده علناً من رتبته العسكرية وبُعث إلى جزيرة الشيطان بغويانا الفرنسية، مما دفع عائلته لتنظيم حملة تدافع عنه. وبدأت المعلومات تتجمع خطوة خطوة حول المخالفات الجسيمة بالقضية عام 1894، كما تم اكتشاف الخائن الحقيقي في نوفمبر عام 1897، وهو المقدم والسن استرهازي.

     صرخة أميل زولا كانت من أجل الدفاع عن انسان مظلوم، اتهم بالخيانة العظمى، فلم يتحمل ضمير زولا هذا الظلم فكانت صرخته من أجل الوقوف والدفاع عن  الحق ضد الباطل.

    وبعيدا عن التشبه بأميل زولا، الذي لا ارقى الى قدراته الكتابية، ها انا اصرخ مثله، في وجه العالم الصامت عن كل الجرائم التي تتراكم، يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، وسنةً بعد سنة لما يجري في ارض سورية المقدسة، أصرخ قائلاً انني أتهم.

    أنني أتهم سفاح قاسيون، وأتهمه بالخيانة العظمى، لسفك دم الشعب السوري، بطريقة بربرية لم يعرفها تاريخ سورية. أنا اتهم سفاح قاسيون بالخيانة العظمى، ليس فقط لجرائم القتل، فلقد أضاف هو وعصابته جرائم أكبر، من خلال تجويعه أهل مضايا، وحمص القديمة، والوعر ودير الزور ووصولاً الى كل سورية. خيانته اوصلت سورية الى ان تكون تحت الاحتلال الايراني وزبانيته، وصولاً الى وضع سورية تحت الاستعمار المباشر من قبل روسية البربرية.

    أنني أتهم رجال الدين المسيحي من بطاركة، ومطارنة، وقسس، من وقفوا مع الباطل ضد الحق، وأيدوا الطاغية في كل خطواته، حتى التجويعة منها، ولم يرفعوا صوتهم عالياً ضد الباطل، ما عدا قلة منهم صرخت صرخة مدوية ومتألمة لما حدث في ديار السيد المسيح سورية، وأقول مع الأب جورج مسوح في صرخته، حول ” الجحيم السوري”، واتهم معه قائلاً: ” هذا الجحيم ما كنّا بلغنا إليه لو لم نبرّر أعمال الذبح والتقتيل والتهجير والقصف بالبراميل… فمَن يعتَدْ على تبرير جريمة واحدة يعتَدْ على تبرير الجرائم كلّها. لقد أدمنّا على الجريمة، فبتنا بلا إحساس. والخطيئة، كما يعرّفها أحد آباء الكنيسة الشرقيّة القدّيس إسحق السريانيّ (القرن السابع الميلاديّ)، هي “عدم الإحساس”. وهنا أيضًا يحضرنا قول القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلانو (+397): “مَن يصمت عن نصرة المظلوم يكون شريكًا للظالم”.

 ويتابع قئلاً “فكيف لـمَن يصلي ويصوم ويذكر الله يوميًّا أن يظلّ صامتًا، كي لا نقول متواطئًا، وهو يرى الناس تموت جوعًا أمامه؟

    ويقول مستشهداً بأية من القرأن الكريم، التي تنص:  ” أرأيتَ الذي يكذّب بالدين. فذلك الذي يدعّ اليتيم. ولا يحضّ على طعام المسكين. فويل للمصلّين. الذين هم عن صلاتهم ساهون. الذين هم يراءون. ويمنعون الماعون” (سورة الماعون).

    أنني أتهم ايضاً كل المفتيين، والمشايخ، والعلماء، والاسياد الخ … من التسميات، الذي ينطبق عليهم ما ينطبق على الأخرين، من السكوت عن الإجرام، لا بل الدفاع عن المجرم، وجريمتهم أكبر، كونه يفترض بهم ان يدافعوا أكثر عن رعاياهم وهم القوم الاكثري. أن كل من يسكت عن مستبد فهو بعيد عن ديانته، وهو ناطق بالكفر بدينه.

    أنني أتهم كل من ساهم في فتح السجون، والحدود، وأدخل كل شياطين الارض الى الجحيم السوري، فهم مساهمون في نقل ونشر ومساعدة التطرف على البطش في الناس الآمنين، وحرمانهم من حقهم الانساني في العيش الكريم والحر.

    أنني أتهم كل دول العالم، العربية منها والاسلامية، ودول حقوق الانسان، لانها هي التي ربت، ودربت، وسلحت، الانظمة الديكتاتورية خلال أكثر من نصف قرن من الزمن، حيث سكتت عن جرائمهم بحق شعوبهم، من أجل مصالحهم الضيقة، وهم لم يعملوا حتى الآن أي شيء للدفاع عن الشعوب التي ليست بالحاضنة للارهاب بل هي ضحية للأرهاب.

    لو اردت أن اكمل قائمة المتهمين فهي طويلة جداً وتشمل كل العالم، الذي يسكت عن الجرائم، وهو ما يجعله القانون شريكاً بالجريمة، التي وَصفها الاب مسوح، من خلال توصيفه للجحيم السوري قائلاً “الجحيم حضرت إلينا. لسنا بحاجة لأن ننتظر نهاية العالم لنذهب إليها. لقد جلبناها إلى ههنا قبل أوانها. وكان بمقدورنا، لو شئنا، أن نأتي بالفردوس إلى عالمنا الحاضر وألاّ ننتظر مجيئه في اليوم الأخير. فضّلنا الجحيم على الفردوس. وها نحن تأكلنا النار، ويهلكنا الجوع، ويزلزلنا البرد، ويميتنا القهر…

 لقد رأينا هياكل عظميّة تمشي متأرجحة ما بين الحياة والموت. رأينا هياكل عظميّة من دون لحم يكسوها جلد جافّ. رأينا هياكل عظميّة ذات عيون جاحظة رافضة للموت تحمل بريقًا من الأمل والرجاء. هذا القبس من النور سوف يعيد الحياة لهذه العظام قبل أن تصبح رميمًا. لا يمكن أحدًا أن يطفئ البريق الرائع في هذه العيون التائقة إلى الحياة. هذه العيون ستطفئ سعير الجحيم السوريّة.”

طوبى لك ايها الأب الفاضل، او كما تحب ان يقال لك، المواطن السوري، فلقد نطقت بالحق في الوقت الذي سكت الجميع عنه.





Tags: مميز