on
Archived: سمير العيطة: السوريّون واستقرار أوروبا
سمير العيطة: البيان
عنونت صحيفة لوموند الفرنسيّة أنّ «خمس سنوات من الحرب في سوريا هزّت استقرار أوروبا». نعم سوريا، وليست الفوضى التي نشرتها أوروبا ذاتها في ليبيا.
وصلب الموضوع هو ما سمي «أزمة اللاجئين السوريين» الذين توافدوا إلى القارة العجوز، والاختلاف الشديد في السياسات تجاه الهجرة بين ألمانيا وفرنسا، عمادي البنيان الأوروبي المشترك. لقد تداعت اتفاقيات شينغن بخصوص حريّة حركة المواطنين بين بُلدان الاتحاد الأوروبي ودبلن لتسجيل اللاجئين، وتوتّرت مجمل الحياة السياسيّة الأوروبيّة حول القضيّة.
لكن هناك في خلفيّة هذه الأزمة واقعاً أكثر تعقيداً. فكما أنّ اعتداءات باريس الإرهابيّة في شهر نوفمبر عام 2015 تخصّ بالدرجة الأولى مشكلة اجتماعيّة فرنسيّة – بلجيكيّة داخليّة في سياسات الاندماج، وليس الإسلام أو الدول العربيّة -الإسلاميّة، فإنّ السوريين الذين يخاطرون بمواجهة الأمواج للهجرة إلى أوروبا ليسوا – وحدهم – أساس أزمة الهجرة.
إذ تبيّن الإحصاءات الرسميّة الأوروبيّة (يوروستات) أنّه بالرغم من موجة الهجرة الكبيرة للسوريين في 2015 لم يشكّل هؤلاء سوى 29% من مجمل طالبي اللجوء إلى أوروبا.
في حين شكّل الأفغان 14% من طالبي اللجوء والعراقيّون 10% ودول البلقان أكثر من 10%. أعداد هؤلاء السنويّة ارتفعت أكثر من السوريين (أربع مرّات): تسع مرّات للعراقيين وست للأفغان وخمس للإيرانيين وأربع مرّات للبنانيين. ما يعني أنّ ما يهزّ استقرار أوروبا هو أيضاً يخصّ أزمات أخرى من أفغانستان إلى البلقان، مروراً بفلسطين حيث لا إحصاءات واضحة.
في 2015 شهدت ألمانيا 36% من طلبات اللجوء، في حين لم تشهد فرنسا سوى 6% منهم وبريطانيا 3%. ما يعكس نظرة طالبي الهجرة إلى ألمانيا. وقد قبلت ألمانيا 57% من الملفّات المعالجة، في حين لم تقبل فرنسا سوى 26% من الأعداد القليلة التي عالجتها، وبريطانيا 36%.
أي أنّ ألمانيا وحدها قبلت 48% من ملفّات اللجوء في مجمل أوروبا، وفرنسا 7% وبريطانيا 5%. السوريّون المقبولون بينهم كانوا في 2015 في ألمانيا 101 ألف لاجئ، وفي فرنسا 3115 وفي بريطانيا 2055. وليس في ذلك ما «يهزّ استقرار» هذين البلدين الأخيرين، خاصّة وأنّهما وضعا أنفسهما بموضوع أبطال «الحريّة في سوريا».
تكمُن المشكلة ربّما في تاريخ أوروبا ذاتها ومعضلاتها مع هويّاتها «القوميّة». فعلى خلاف بلدان أخرى، تحفظ ألمانيا، وكذلك النمسا، في ذاكراتهما الجمعيّة أنّهما شهدتا أكبر موجة نزوح «قسريّ» لأبنائهما بعد الحرب العالميّة الثانية.
فأكثر من 12 مليون ألمانيّ الأصول تمّ تهجيرهم حينها من المناطق التي تمّ منحُها لبولونيا الحالية، وأيضاً من تشيكوسلوفاكيا وهنغاريا وروسيا ويوغوسلافيا ورومانيا، أي 20% من مجمل الألمان. خطّط لذلك وينستون تشرشيل وأدان الأمر جورج أرويل «كجريمة كبرى». هذا عدا ما شهدته ألمانيا من نزوحٍ بين ضفّتيها الشرقيّة والغربيّة من جرّاء حائط برلين.
وكانت صدمة الهجرة الأكبر في فرنسا هي تلك التي تلت استقلال الجزائر و«عودة» أبناء المستوطنين واليهود الجزائريين – الذين كانوا قد حصلوا على كامل حقوق المواطنة الفرنسيّة على عكس المسلمين هناك – وكذلك المتعاونين مع الجيش الفرنسيّ. لكنّ هذه الصدمة الفرنسيّة بحوالي 500 ألف، والذي ما زالت آثارها محسوسة إلى اليوم، لا تقاس مع ما عاشته ألمانيا وعرفت كيف تدمجه في هويّتها الاجتماعية.
لا تكمُن المشكلة إذاً في النظرة إلى الإسلام والمسلمين، ولا حتّى بهجرات العمل الكثيفة إلى أوروبا في منتصف القرن العشرين، بقدر ما تكمُن في الهويّة الجمعيّة الشديدة الاختلاف بين الدول الأوروبيّة. بلدانٌ احتوت تاريخها الذي تأسّس على هجراتها الذاتيّة وعلى تنوّع الأصول، وبلدانٌ أخرى بقيت هويّتها هشّة قوميّاً شديدة الحساسيّة أمام التنوّع والهجرات.
عرفت أوروبا كيف تحافظ على وحدة إسبانيا المتعدّدة الهويّات بعد رحيل فرانكو، ولكنّها فشلت في ذلك في يوغوسلافيا السابقة. وما زالت إلى اليوم تعاني من تداعيات هذا الفشل. كما تعاني من اصطدام توسّعها الشرقيّ بمحيطٍ بشريّ يمزج بين قوميّات متعدّدة وذوي الأصول الروسيّة، كما في أوكرانيا ودول بحر البلطيق.
الخصوصيّة الألمانية في تجربة الهجرات الكثيفة يُمكن مقارنتها بخصوصيّة شبيهة في تركيا. حيث شهدت تركيا بعد الحرب مع روسيا هجرات كبيرة من أقوام تركيّة «عادت» لتستوطن فيها، آتية من القوقاز (الشركس) وشبه جزيرة القرم، ثمّ مع انهيار الامبراطوريّة العثمانيّة، هجرات أكثف من اليونان وبلغاريا ودول البلقان وغيرها.
بحيث تحتوي الهويّة الجمعيّة التركيّة ذاكرة هذه الهجرات بشكلٍ ملموس. وما يفسّر استقبال أتراك جنوب شرق الأناضول واسكندرون السوريين بصدرٍ رحب، بمعزلٍ عن السياسات الحكوميّة، يعود أيضاً أنّ نسبة كبيرة منهم هم أبناء أولئك المهجرّين الذين تمّ توطينهم هناك. هذا عدا من هم أصلاً من أصولٍ سوريّة.
ربّما لن تصدر صحيفة تركية تحت عنوان أنّ «خمس سنوات من الحرب في سوريا قد هزّت استقرار تركيا»، بالرغم من حجم الهجرة السوريّة إلى هذا البلد.
لأنّ الأتراك عرفوا حرباً أهليّة منذ فترة ليست بعيدة، ولأنّهم على عكس الأوروبيين، يعون في ذاكرتهم الجمعيّة أنّ اهتزاز الاستقرار يأتي من معضلات هي في الأساس داخليّة، يُمكن أن تتلاعب بها الدول الأخرى. على الأخصّ معضلة الصراع مع حزب العمّال الكردستاني والهويّة الوطنيّة الجامعة للتنوّع العرقيّ والمذهبيّ.
في جميع الأحوال، هناك فائدة من أن يهوّل الأوروبيّون، والفرنسيّون بشكلٍ خاصّ، من آثار الأزمة السوريّة عليهم. فهم يتحمّلون مسؤوليّة تاريخيّة في كيفيّة أخذ هذه الأزمة إلى الحرب الأهليّة. وربّما سيفيد هذا التهويل من مساهمتهم في وقف الحرب وفي صنع الاستقرار على المدى المتوسّط.
ما سيقلّل من عدد المهاجرين إليهم. وربما سيحفّز الأمر على التفكير بأنّ المشكلة أكبر من سوريا وحدها، وإنّما تشمل جنوب المتوسّط برمّته. فلا استقرار في أوروبا دون استقرار في جنوبها. وإذا كانت أوروبا في الماضي قد اعتمدت على استقرار «الاستبداد العربيّ» لدرء الهجرة إليها، فإنّ الأمور باتت أعقد بكثير اليوم.
* رئيس منتدى الاقتصاديين العرب
سمير العيطة *
Tags: مميز