on
Archived: نجيب أبو فخر: الجغرافيا الحرجة للفدرالية السورية
نجيب أبو فخر: كلنا شركاء
منذ انفلت أول تصريح لمسؤول روسي من الدرجة الثالثة بعدم استبعاد الروس لاحتمال تطبيق الفدرالية في سوريا ، حتى بدأت أقلام الكتاب والمحللين تتسابق على توصيف الفدرالية المحتملة في سوريا، وتُـبيّن أسسها ، ونواظمها ، وضوابطها وحتى عدد أقاليمها وتفاصيل حدودها ، إلى الحد الذي أُتخمت فيه الوسائل الإعلامية برؤى وتصورات لاعلاقة لها بالفدرالية المحتملة من بعيد أو قريب إذ تورط المعظم في الخلط بين اللامركزية الإدارية بوصفها إحدى سمات الفدرالية وبين النظام الفدرالي ككل فبدأ يوصّف الكل بشكل مُجتزء على أنه البعض فقط ، ليس هذا وحسب بل انبرى ( كالعادة ) العديد من السياسيين للدفاع عن الفَدرَلة وكأنها الحل السحري الذي سينقذ السوريين من كل المآسي التي يعيشونها منذ أكثر من نصف قرن حتى اليوم ، وقليلة كانت هي المقالات الموضوعية التي حاولت تدارس الفكرة كمشروع موضوع لسوريا على الطاولة ، فيه الإيجابيات و الحسنات ، وفيه المحظورات وعليه تحفظات وتشوبه نواقص أو أنه قادر على إيجاد حلول ما لبعض المشاكل العالقة أو الوليدة حديثا أو تلك التي نشأت مع الزمن …
ستيفان ديمستورا أول من تجرأ على إطلاق أول خارطة للحدود التي يتخيلها للفدرالية السورية القادمة ، والمكونة من ثلاثة مناطق ( كردية – سنية – وتحت سيطرة النظام ) وكانت خارطة ديمستورا هذه فاتحة لقريحة راسمي الخرائط ومبتكري الأقاليم الذين باتوا يفصّلون في تقسيم الدولة فدراليا حسب ما يراه كل ّ منهم ملائما من وجهة نظره .
ديمستورا دافع عن خارطته بأنه اعتمد معيار ( الحدود المرسومة بالدم ) بين القوات المتحاربة فعليا على الأرض واعتبر أن الأحذية السوداء الثقيلة هي التي حددت عدد ومساحة تلك الأقاليم حسب تابعيتها العسكرية وولائها الأيديولوجي ، فكان للأكراد السوريين الإقليم الواقع اليوم تحت سيطرتهم ، ولأنصار الثورة من العرب السنّة المساحات الواقعة تحت سيطرتهم مع اعتبارهم الورثة للأراضي الواقعة تحت سيطرة داعش ، وللنظام ما تبقى من الأرض السورية ..
فيما يسعى الأكراد لتوسيع رقعة سيطرتهم العسكرية بمحاولتهم ضم الرقة إلى الإقليم الكردي والتمدد غربا في محاولة للوصول إلى منفذ على البحر مراهنين بذلك على الزمن الذي يرون أنه قد يسمح لهم بالنجاح بالوصول إلى شمال اللاذقية ..
خارطة أخرى قومية أُطلقت في وجه هذه الخريطة تعتمد الأساس القومي وقسمت الفدرالية السورية إلى إقليم كردي وإقليم تركماني وإقليم عربي
فيما تطالعنا خرائط اعتمدت الأسس المختلطة الطائفية والقومية معا عن أقاليم ( كردية – وسنية معارضة – ودرزية – وعلوية – وسنية معتدلة )
وبشكل خجول يخرج علينا بعض أنصار مدنية الدولة بخمسة أقاليم ( إقليم الجزيرة والفرات ، وإقليم حلب وإدلب وحماة ، وإقليم الساحل الذي يشمل ريف حمص الغربي ، والإقليم الأوسط يشمل حمص ودمشق وريفها ، وإقليم الجنوب الذي يشمل درعا والسويداء والقنيطرة ) على اعتبار أن هذا البناء قد اعتمدوه بالإستناد للمصالح المشتركة بين مدن الجوار !!
وأخيرا وليس آخرا لدينا الأساس القانوني لمفهوم الفدرالية على اعتبار كل محافظة وفقا لحدودها الإدارية الحالية هي ولاية أو اقليم أو جهة ادارية مسمّاة كما هي ضمن شكل الحكم الفدرالي المستقبلي لسوريا !!
فأيٌّ من هذه الخرائط سوف يتم اعتماده ؟؟ هل وفقا لما تنجزه الأحذية السوداء الثقيلة بالقوة العسكرية ومناطق النفوذ ؟ أم حسب التقسيم القومي أو الطائفي ؟ أو حسب الحدود الإدارية الحالية للمحافظات ؟
في واقع الحال إن كل من هذه الوسائل له محظوراته وله مشاكله ولن يستقر الحال بسوريا لعقود طويلة بينما الخلافات على الحدود قائمة حتى ولو بقي الجميع ضمن سوريا وتحت سيادة دولة واحدة وتحت علم واحد لأن مجرد القول بأن كل ولاية أو اقليم أو محافظة لها نسبة معينة من مواردها الذاتية فهذا يعني أن كل جانب سيحاول التمدد لتوسعة مساحات مراعيه ومصادر مياهه وآبار ( النفط والغاز) وخصوصا تلك الواقعة في الحدود الجغرافية الحرجة جدا على الخط الإداري الفاصل بين عدة محافظات أو ولايات مهما كان اسمها مستقبلا ، كما أن القول على سبيل المثال أنّ على نصف مليون سوري كردي يعيشون في دمشق أن ينتقلوا للعيش في اقليمهم الجديد فيه من ضروب الخيال والافتئات على حقوق المواطنين و فيه من الإكراه مثله مثل ان تقول لعشرة الاف سني او علوي أن يهجروا قراهم لكي لا يكونوا شائبة في جوهر الاقليم الذي ( صَدف ) ان وقعت قراهم تحت سيطرة قواته لتكون سببا في إجراء تغييرات قسرية في الخارطة الديموغرافية لسوريا بفعل قوة السلاح تارة وبفعل قوة السلام المشروط بتنقية المجتمع لكل فصيل حسب ما يلائمه ومبادلة الأرض حسب مصالحه ، تارة اخرى !!!
ففي الحقيقة لا يكفي أن نلوّن للرأي العام مفهوم الفدرالية ونحن نطمس سيئاته ، ونتجنب الحديث عن جوهره الكامن في المصلحة الحقيقية – جغرافياَ- لكل مكون ومقدار الثروات والموارد التي يسيطر عليها وبالتالي التي يتمكن من خلالها من تغطية نفقاته ومصروفات إدارة الإقليم المكلف بإدارته وتنميته ، ومهما كانت التجربة التي سيتم استيحاؤها من دول العالم الفدرالي برّاقة ، إلا أنه لا توجد تجربة واحدة تقول أن تبقى كل موارد الأقاليم تحت سلطة خزينة الدولة المركزية وهي ستتولى التوزيع وفقا لعدد السكان ، فهذه كذبة تم التسويق لها لتمرير مشروع الفَدرَلة على مبدأ تأجيل النقاط الخلافيةفي الوقت الذي يجب أن تكون أول ما تطرح على الرأي العام ، لأن النظام السائد هو أن تقوم الأقاليم بتسديد نسبة من ناتجها المحلي لصالح الخزينة المركزية ، وهذه النسبة دائما هي موضع خلاف ، وستكون موضع خلاف أكبر في الحالة السورية لأن التفاوت بين واردات الأقاليم سيكون كبيرا جدا بين أقاليم فيها ثروات باطنية كالنفط والغاز والفوسفات وأقاليم لا يوجد فيها ، وبين أقاليم تتركز فيها الثروة المائية وأقاليم تعاني الجفاف دوما ، بين أقاليم تمتد مراعيها لمساحات شاسعة ، وأقاليم تعاني الإختناق وضيق المساحة ، بين أقاليم تتمدد على السواحل وأقاليم محشورة في الداخل .!! وبين أقاليم لها منافذ حدودية تؤمن مصدر دخل وفير لسكانها من خلال منظومات الجمارك والاسواق والمناطق الحرة وتجارة الترانزيت واقاليم معزولة لا يمر منها الا قاصدها حصرا ..
وكذلك سيكون الأمر بالنسبة لتقاسم الوظائف السيادية في الوزارات المشتركة كالدفاع والمالية والخارجية ووزارة شؤون الرئاسة ، هل سيتم اعتماد نسبة الوظائف الى عدد السكان الاجمالي لكل اقليم او الى عدد افراد الطوائف او القوميات ؟ وما هي انظمة الترفيع لشغل هذه الوظائف ؟
في واقع الأمر إن النظام الفدرالي كنظام مجرد يجيب على كل هذه التساؤلات ، ويضع المعايير الواضحة لكل منها وأكثر ، إلا أنه كنظام مجرد أيضا سيكون سبب خلاف عند الاتفاق على اعتماد المعايير بحد ذاتها دون الأخرى ، لأن في كل معيار هناك اقليم رابح يقابله اقليم خاسر وقلّما تنطبق معادلة رابح – رابح مع كل المعايير، لهذا فإن النقاط الخلافية ستكون أكثر مما نتخيل ، كما أن الفدرالية كنظام مجرد تختار الدول تطبيقه في حالات السلام أو الإتفاق الناجز على السلام وليس في حالات استمرار النزاع ومحاولات التمدد ومحاولة كل فصيل أن يستفيد من الوقت الضائع في التفاوض لتوسيع مساحة نفوذه وزيادة تمدده لفرض الأمر الواقع على أي خارطة جغرافية سيتم اعتمادها مستقبلا بالاستناد إلى قوته في فرض التغيير ، وهو للأسف ما تتسابق عليه كل القوى المسلحة في سوريا حاليا ، ولهذا كنا نقول دوما إن النظام الفدرالي يلزمه كشرط أساسي إرادة التعاون ورغبة التشاركية ، ولا يمكن أن ينجح هذا النظام وطنيا أبدا على أرضية التنافس والتسابق على الإستحواذ وإلا كان النظام الفدرالي هو تأسيس رسمي لمشروع تقسيم مستقبلي يأتي في مرحلة لاحقة بعد تورّم المشكلات الداخلية بين الأقاليم واستفحال الخلافات البينية على غرار ما يحدث اليوم في العراق .
المؤلم اليوم في القصّة السوريّة ، هو عدم قدرتنا على إنكار مفاعيل مشاعر الكراهية التي انتشرت بين السوريين أنفسهم بفعل التوغّل في إهراق الدم البريء وخصوصا من قبل نظام القتل والإبادة و الإستبداد تحت شعار السيادة الوطنية تقابله بعض الفصائل التي تلبّست لبوس التديّن وارتكبت الأفعال ذاتها تحت اسم الله ، عدا عن أهالي الضحايا الذين تجاوز عددهم النصف مليون سوري بريء من الذين لا يمكن أن يتخيلوا أو يتقبّلوا أي انتصار لقاتلي أبنائهم أيّا كانوا ، لهذا يمكن القول أن التقسيم النفسي قد حدث فعلا على الأرض بين الشعب السوري وتم تكريسه بالأفعال المعززة من كل الأطراف لهذا فإن تداعيات هذا التقسيم تقع مسؤوليتها على عاتق كل الأطراف التي خاضت معركتها على اعتبار تقسيم الشعب السوري بين وطني وخائن وعميل أو بين كافر ومرتد ومؤمن أو بين ثائر وشبيّح لمجرد الإنتماء الديني أو المناطقي ، وبالرغم من كل هذا فإن أي تقسيم أو فَـدرَلة لسوريا إن حدثت ، فلن يكون أيّ من السوريين هم أسياد هذا الحدث ، بل بالعكس تماما ، – وهذه تجربة العراق ماثلة أمامنا – سيتم التقسيم وفقاً للتوافقات الدولية حصرا ، ولن يكون هناك أي أثر أو تأثير للتوافق أو الإتفاق السوري إلا بموجب الإيحاءات الدولية لكل مجموعة من الدولة التي يواليها أفرادها وستكون للولايات المتحدة كلمتها في الإقليم الكردي ولإيران ولروسيا أيضا كلمتهما في الإقليم المتبقي مع النظام والذي سيحوي قواعدهما العسكرية ومصالحهما الإستراتيجية ، وسيكون لتركيا والسعودية كلمتهما فيما يخص الإقليم التركماني المستقل أو المندمج ضمن الإقليم السني وسيكون لدول الجنوب الأردن وإسرائيل بدعم أو واجهة أمريكية الكلمة أيضا في اختيار شكل ونموذج وحدود و امتداد الإقليم الجديد المجاور لهم !! وبالتالي ومع الزمن ستتحكم كل هذي الدول بمستقبل سوريا وستتدخل بأقل التفاصيل عبر وكلائها كما يحدث تماما في العراق وكما حدث ويحدث مرارا داخل الإئتلاف السوري من انعكاس لصراع دولي يعيق أي إجماع على أي فكرة ، كل هذا وأكثر سوف يحدث مالم يعي السوريون حقيقة مصالحهم الوطنية بدءا من اليوم ويستيقظوا على طبول تفتيت سوريا على أنغام المشاريع الدولية التي تضع على الجراح مراهما تزيدها إنتانا ولا تداويها ، لأن المصالح في الثروات هي أساس كل ورقة دولية تكتب أو يتفق عليها في الشأن السوري ، وليس فداحة الظلم أو الدمار أو حجم المأساة الإنسانية بكل أسف …!!
من هنا ولأسباب أكثر بكثير من أن يتم حصرها بمقال ، لكنها كلها تصب في نتيجة واحدة وهي أن الفدرالية السورية كمشروع نظام حكم لن يسهل رسم ملامحها أبدا بفعل الجغرافيا الحرجة التي تحكمها ، ماديا ومعنويا ، جغرافيا ووديموغرافيا ، دينيا وطائفيا ، قوميا وعرقيا ، ولن تكون بأي شكل إلا تأسيسا للتقسيم في مستقبل سوريا ولن تزيد السوريين إلا تفككا وتباعدا مالم تُبنى – وهو أمر صعب حاليا – على أرضية تعاون ومحبة وولاء للوطن ، هذا الولاء الذي كان الخاسر الأكبر خلال السنوات المنصرمة حيث اضمحل تقريبا لصالح الولاءات القومية أو الدينية و حتى الطائفية ، لهذا لا يكون بديلا عنه إلا بناء عقد اجتماعي جديد مصون بدستور محكم يحمي مصالح سوريا الوطن أولا ويضمن ديمومتها كوطن واحد لكل السوريين له السيادة العليا على كل الأقاليم وتحكمه معايير المساواة أمام القانون وفي الحقوق والواجبات ، ومن بعدها يتم الخوض في تفصيلات أسس الدولة الإتحادية على اعتبار الفدرالية العادلة التي تعالج كل الإشكاليات الظاهرة حاليا والتي من المحتمل أن تظهر مستقبلا بكل دقة وإلا فسنكون أمام تكريس لانقسام جديد وصراع دائم لأجل الثروات هذه المرة وليس لأجل الحرية ، وخصوصا أن عودة سوريا الدولة المركزية حاليا باتت أمرا شبه مستحيل الحدوث ، وإن حدث فإنه من المستحيل أن يصمد بسبب الشروخ النفسية التي ألمّت بالسوريين بفعل ثِــقَـل الدم وقسوة الأحداث التي ترسخّت في الذاكرة فباعدت بين الإخوة ووسّعت الفارق بين السوريين بطريقة تجاوزت حتى رغبات النظام وآمال المعارضة وقطعت عليهم كل السبل التي من الممكن أن يتنكروا فيها لحقيقة مرارة ما دفعه الشعب السوري وحده دون كل الزعماء والسياسيين المُسيّسين فيه ، هذا فقط لسبب واحد هو أن الشعب العادي في سوريا يملك وعيا رغم كل أوجاعه ، يجعله يتفوق دوما على كل ممثليه المفروضين ويسبق رؤى كل السياسيين الذين يتحدثون باسمه ، وهذا الوعي وحده هو محل الرهان الوحيد أن لا يتم تمرير أي تقسيم أو تأسيس للتقسيم باسم مصالح الشعب وهو وحده القادر على إذابة مفاعيل الجغرافيا الحرجة بين روح سوريا وجسدها
Tags: مميز