on
Archived: عبد العزيز ديوب : قصة العصر الحلقة 4
عبد العزيز ديوب : كلنا شركاء
حلت هزيمة حزيران بكل مافيها من ذل وعار وعليه فقد دعت القيادة السياسية الى اجتماع حضره كافة أعضاء القيادتين والقيادات العسكرية الحزبية وذلك لتقييم نتائج الحرب وهنا انقسم الحضور الى فريقين لدى التقدم باقتراح عزل وزير الدفاع حافظ الأسد ورئيس الأركان أحمد سويداني وتحميلهما مسؤلية الهزيمة وهنا لاحت معالم الطائفية الحصصية عندما ظهرا البديلين عنهما, لوزارة الدفاع العلوي عزت جديد قائد اللواء السبعين والسني مصطفى طلاس للأركان .
من خلال البديلين المقترحين عن خبث جرى التصويت وكان لصالح حافظ الأسد بفارق صوت واحد وبذلك تمكن من تدعيم أركانه في وزارة الدفاع حيث تجمع حوله كل من سال لعابه الى السلطة أو بالأحرى كافة حثالات الضباط والقياديين في الحزب فنالوا منه الرتب والامتيازات وتبوء مناصب هامة في الجيش والأجهزة الأمنية وخاصة شعبة المخابرات العسكرية.
بدأ الأسد بحملة استفزاز وقحة بقيادة شقيقه رفعت وزبانيته من ضباط الشعبة وعلى سبيل المثال قام رفعت باقتحام حقل الفاكهة الخاص برئيس الجمهورية الأتاسي في حمص وكان معه حوالي مائة عسكري وكان أنذاك برتبة ملازم أول وبمنصب قائد سرية الدفاع عن مطار المزة العسكري وهاهو في حمص وفي حقل زراعي يقوم عساكره بحفر تربته وتخريب أشجار الفاكهة فيه وهنا أعلم الجوار لؤي الأتاسي الذين بدورهم اتصلوا به والذي قام بالاتصال بوزير الدفاع سائلا عما يفعل رفعت في حقله وجاءه الجواب المستفز من حافظ بأن شقيقه هاوي أثار وهو غير قادر على لجمه واستطر قائلا: ان كنت قادرا أنت عليه فالجمه.
في رواية أخرى وقد كنت شاهدا عليها حيث جاء عضو القيادة القطرية عادل نعيسة الى اللاذقية لتلاوة قرار القيادتين القومية والقطرية حول تمرد وزير الدفاع على قيادة الحزب واستمر مؤتمر الفرع ساعات طويلة بعدها غادر نعيسة مودعا باتجاه دمشق وفي طرطوس كان بانتظاره المقدم علي دوبا وكان أنذاك رئيسا لفرع المخابرات العسكرية فيها ولدى وصوله جرى توقيفه واقتياده الى الفرع لمدة أربعة أيام وكان ذلك بمثابة رسالة من وزير الدفاع الى قيادة الحزب مفادها بأنه قادر على سجنهم .
على الرغم من كل هذا التحدي الا أن الأسد كان خائفا من العقيد عبدالكريم الجندي الذي عرف عنه القسوة والتفاني في خدمة الحزب وكان الجميع يرهبونه وأكثرهم خوفا منه كان حافظ ولذلك بدأ بتنفيذ خطة بالشراكة مع المخابرات العسكرية برئاسة العميد علي الظاظا والأمن الجوي برئاسة الملازم أول محمد الخولي وكانت فصولها تقضي برصد الدوريات التابعة للجندي واعتقال أفرادها واهانتهم وتجريدهم من أسلحتهم ومن ثم اخلاء سبيلهم بعد تحطيم معنوياتهم الى أن أصبحت أغلبية عناصر وضباط الجندي في ادارة المخابرات العامة في حالة من الضعف وعدم الثقة بالذات أولا وبقيادتهم ثانيا هذا وعندما نضجت تلك الحالة انتقلت فصول الخطة الى تصفية الجندي وكانت الرواية تفيد بأن العميد علي الظاظا قد اتصل به هاتفيا ليعلمه بأن دوريات مشتركة من الشعبة ومن الأمن الجوي في طريقها لاعتقاله وكما هو معروف فان الجندي لايقبل هذا المصير وعلى الفور كان المسدس بيده يطلق النار فيه على رأسه ليسمع الظاظا صوت “الطلقات” الذي صعب فهمها على الأطباء في مشفى الطلياني .
من خلال معرفتي به فهو ليس من هؤلاء الذين يقدموا على الانتحار وهنا لابد من التنويه الى أنه طلب مرارا وتكرارا من اللواء صلاح جديد الموافقة على اعتقال وزير الدفاع وتقديمه للمحاكمة وكان أنذاك قادرا على ذلك الفعل ولكن جديد لم يعطه الموافقة وهنا يكم سرا خطيرا علما أن الجندي كمدير للمخابرات العامة ومن خلال تنسيقه مع المخابرات السوفيتية استطاع تفكيك شبكات تجسسية غربية تابعة لحلف الأطلسي .
في الثالث من أذار من العام 1969 أعلنت اذاعة دمشق نبأ انتحار الجندي وبذلك طويت صفحة من أهم صفحات اللجنة العسكرية ولم يبقى في وجه الأسد سوى عدوه القوي صلاح جديد وفي الثاث عشر من تشرين التقى سفير الاتحاد السوفييتي محي الدينوف اللواء جديد في مكتبه بالقيادة القطرية وخلال اللقاء طلب السفير منه تخلي القيادة السورية عن قرارها برفض القرار الأممي 242 وهو القرار المجحف بحق سوريا ومصر وفلسطين ولصالح اسرائيل هذا وقد قالها السفير صراحة بأنه ان وافقت القيادة السورية على القرار فان السوفييت يضمنوا عدم قيام الأسد بالانقلاب المقرر في 16 تشرين وجاء جواب جديد للسفير بالرفض وفي اليوم التالي كان جديد ورفاقه أعضاء القيادتين القطرية والقومية في السجن, وفي لقاء للأمين القطري المساعد عبدالله الأحمر في بلغراد مع الطلبة العرب خلال زيارة دعائية للنظام الجديد سأله أحد الطلبة العرب البعثيين حول مصير أعضاء القيادتين وعدم تقديمهم للمحاكمة وجاء جوابه مضحكا حيث قال: اننا في القيادة الجديدة ندرك تماما بأننا لو قدمناهم للمحاكمة لأخلي سبيلهم وبالتالي فاننا ومن خلال محبتنا لهم أبقيناهم في السجن خوفا عليهم من الشارع لأن المواطنين السوريين سوف يقطعونهم اربا اربا.
تفاخر القادة الجدد بأن الانقلاب وقد أسموه حركة تصحيحية قد جرى بكل هدوء ودون اراقة دماء وفي لقاء خاص جمع رفعت الأسد مع صديق حميم له وقد قال له بعد شرب كأس من الويسكي بأن الحركة نجحت دون أي اقتتال وما كان من رفعت الا أن أجابه بكل فخر واعتزاز بأنه في ليلة الانقلاب قد حاصر معسكر طلائع حرب التحرير الشعبية في القابون وهو معسكر لتدريب أعضاء عاملين في الحزب على القتال خلف خطوط العدو الاسرائيلي في الجولان تمهيدا لاشعال حرب التحرير الشعبية فيه كوسيلة لاسترداده وتابع قوله بأنهم قاموا بقتلهم جميعا وهم نيام ولدى سؤال صديقه مستفسرا ومستغربا, لماذا قتلوا وهم نيام, أجابه رفعت: ربما رفضوا الحركة في الصباح ومن قبيل الاحتياط قتلناهم وهكذ بكل بساطة تم قتل مئات من البعثيين , وهكذا بدأ انقلاب الأسد دمويا غادرا وأول من قتل البعثيين والبداية الأولى كانت سياسية حيث أعلن بأن ,حركته, جاءت تلبية لنداء الجماهير. وبذلك كان انقلابه متوجا بالكذب والغدر والقتل لينتهي بالغدر والقتل أيضا.
ظهر الخبث جليا من خلال اكتفائه بمنصب رئيس الوزراء وتبوء نقيب المعلمين أحمد الخطيب منصب رئاسة الجمهوري مما أظهره على أنه عاكف عن السلطة, كما تبوء منصب وزير الدفاع رئيس اتحاد الطلاب كتعب شنان الذي لم يؤدي الخدمة العسكرية بعد لايصال رسالة منه بأنه لم يتمن من القيام بانقلابه بصفته وزيرا للدفاع انما بصقته قائا جماهيرا وهاهو اليوم رئيس اتحاد الطلاب وزيرا للدفاع وهل هو قادر على القيام بأي شيء, وفي زيارة قام بها الاسد بعيد انقلابه الى الاتحاد السوفييت وبرفقته الخطيب حيث استقبلهم بريجينف وخلال الحديث يقوم بتهنأته على اختياره الموفق لرئيس الجمهور وذلك البروتوكول المعروف بأنه يجري تعنأة رئيس الجمهورية على اختياره لرئيس الوزراء وهي الحقيقة بعينها فقد اختار الاسد نقيب المعلمين كشخصية ضعيفة ولفترة محدودة بعدها جرى الاستفتاء عليه رئيسا بالنسبة المؤية المعهودة.
في بحث حثيث ودؤب وجد حافظ الأسد ضالته في حثالات البعثيين من مختلف المحافظات السورية ليشكل منهم القيادة القطرية المؤقتة والتي بدورها بحثت جاهدة عمن أسوء من أعضائها وشكلت منهم قيادات فروع الحزب التي اضطلعت بدورها في تشكيل قيادات الشعب وهكذا أيضا في تشكيل أو بالأحرى تعيين القيادات النقابية كاتحاد العمال والفلاحين والشبيبة وغيرها بحيث اكتمل تكوين الهرم السلطوي المقلوب بدليل أن النخب قد أضحت في الأسفل والحثالة في قمة الهرم مما ساهم بشكل فعال في تمتين عرى النظام الجديد وبلتالي احداث تغيير سلبي في الحياة السياسية والاقتصادية وبشكل عام في كافة مفاصل المجتمع السوري وصولا الى الاعلام والثقافة نهاية في تدمير الانسان السوري الذي أصبح يلهث خلف لقمة العيش فالسلطة الجديدة قد اسنأثرات بكافة مقومات المعيشة بداية من رغيف الخبز نهاية بالتعليم والتوظيف والسفر وغير ذلك من الاحتياجات الرئيسة للمواطن .
قبل الانتقال للحلقة التالية لابد من تقييم مختصر للمرحلة التي سبقت انقلاب الأسد والذي شكل بداية لتلاشي الديمقراطية في سوريا وبالأحرى بعدم القيام بأي محاولة من شأنها تحقيق حلم الديمقراطية التي تغنى فيها الشعب السوري وأجاد السياسين منه لعبة البرلمانية.
– عبرت بداية الانقلاب في أذار 1963 عن تفشي حالة من السلوك الذي لايمت للأخلاق بصلة وقد اتسمت بغدر اللجنة الحزبية بشريكهم بالانقلاب وهم الضباط الناصريين الذين ربطتهم وعود العودة الى حضن الوحدة.
– اتصفت مرحلة مابعد محاولة الناصريين في تموز بانقلاب فاشل بالدموية وهي حالة أو ثقافة سلوك لم تكن واردة لدى الانقلابيين السابقين.
– جرى أول انقلاب على القيادة القطرية الأولى برئاسة حمود الشوفي مما يشير الى أن العسكر هم من يحكموا بقيادة اللجنة العسكرية وهذا ماأكد عليه الأمين العام المؤسس للحزب ميشيل عفلق بأن الحزب لايحكم وهو ليس سوى ستارة يحكم من ورائها العسكر.
– اندلعت ثورة حماة الأولى نتيجة لرعونة محافظها أنذاك عبدالحليم خدام وهو المرشح من قبل المقدم حافظ الأسد لتبوء ذاك المنصب وظهرت رعونته جلية من خلال اعطائه الأوامر للشرطة باطلاق النار خلبيا لتفريق عدد من الطلبة الذي تجمعوا أمام باب المحافظة لتقديم شكوى للمحافظ ولدى اطلاق النار أصابت رصاصة أحد الطلاب في الرأس وهنا حماه زملائه على الأكتاف وجابوا به شوارع حماة مما أثار حمية الأهالي وأجج فيهم الثورة على النظام برمته.
– جاء انقلاب 23شباط تأكيدا على تسلط العسكر لينهي مرحلة معتدلة في نشاطها الحكومي حيث تبوء رئاسة الوزراء صلاح البيطار .
– أكدت نكسة حزيران حزيران 1967 على خيانة وزير الدفاع الذي استمر في منصبه ليحقق ماوعد به وهو الاستيلاء على الحكم تأكيدا لما ورد في وصية العقيد الجندي ونصت على أن حافظ الأسد مرتبط بجهات أجنبية ويقوم بتنفيذ خططها بدقة.
– يتبع في الحلقة 5
اقرأ:
عبد العزيز ديوب : قصة العصر3Tags: مميز