وفيق عرنوس: امريكا نحو بناء ناتو جديد

وفيق عرنوس: كلنا شركاء

إن أهم تداعيات الربيع العربي السلبية أنه خرج عن الخريطة السياسية المرسومة للدول العربية الشرق اوسطية في إسقاط الحكومات الإستبدادية و بناء الدولة المدنية الديموقراطية التي تبنى على دساتير تؤمن بحق المواطن في العيش المشترك على ارضه و وطنه. و رغم زخم التدخلات الإقليمية و الدولية في سوريا في مقابلة نظام صمد سبعة اعوام تمكن فيها من خلط الأوراق و القوى المتصارعة و تصعيد الاقتتال الإقليمي و زرع الفتن بين دول بعينها الأمر الذي ساهم في تطوير النزاعات الدينية و ولادة قوى سلفية ذات طابع وحشي مخيف و مهدد للأمن ليس في الشرق الأوسط فحسب بل و العالم و خاصة أوربا.

لقد ساهمت دول اقليمية عديدة بقصد أو بغير قصد بالترويج و الدعاية و الدعم المادي و اللوجستي لهذه القوى الدينية و تعمق الصراع بين مايمسى ظلماً و بهتاناً قوى سنية و قوى شيعية و خرج من رحم هذا الصراع و على الضفتين قوى متعددة و بشعارات خارج منظومة الإنضباط السياسي مستهدفا الدول العميقة العراق و سورية و ليبيا و اليمن و لبنان و مصر التي نجحت لحد ما بالحفاظ على الدولة بظل نظام عسكري يتخبط في خلق عوامل الثقة بين المواطن و الدولة. لقد ساهمت هذه الحرب المجنونة بإكتشاف نوايا دول إقليمية ذات مشاريع و رؤية للتوسع الجغرافي و السياسي على حساب إقتسام تركة الرجل المريض المتمثل في الأمة العربية و دولها المترامية و الغارقة في ظل نظام إستبدادي مقيت بنى جدارا صلبا بينه و بين المواطن ظاهره الثناء و الرحمة و باطنة القتل و التدمير و تكميم الأفواه و تصحير المجتمعات من الفن و الثقافة و منع قول كلمة الحق و إنجراف التوجه القومي و الوطني إلى غير مرماه. أمام هذاالواقع المريض و تدني المناعة الوطنية برزت مصالح الدول العظمى ( امريكا – روسيا) و بعض الدول الأوربية و اصبح تدخلهم في شؤون الوطن و الشعب ضرورة سواء كانت لحاجة حماية الأنظمة أو لرعاية و دعم للمعارضات المختلفة في التوجه و التسميات و هكذا اختلطت الأوراق و شرعت الحرب المجنونة كل الممنوعات لدرجة إن الأخ اصبح يشك في اخيه و الجار في جاره و القريب في قريبه و تفككت القيم الأخلاقية و الأجتماعية و سادت الفوضى شرق البلاد و غربها بإدارة الصراع دوليا أو عن طريق الوكلاء الأقليمين الأمر الذي اطال زمن الحرب ليدفع الشعب السوري و العراقي و اليمني و الليبي فاتورة باهظة من القتل و التخريب و التهجير و إخراج أجيال مليونية من دورة بناء المجتمع حيث تركوا مدارسهم بفعل الثورة و الحرب و الحاجة لإستمرار الحياة و اصبحوا بلا علم و لا هدف يغرقون في بحر الجهالة. إن الواقع المأساوي المريض لحالة العرب أولا و للدول المشار إليها ثانيا روسيا و أمريكا إلى زيادة التدخل في المنطقة لا رغبة في إنقاذ هذه الدول أو رعاية شعبها بل بسبب زيادة الشهوة في إستنزاف اموالنا و إستغلال خيراتنا لتحقيق مصالح شعوبهم و تأمين الرفاه و تحقيق الأمن و الأمان لهم. حيث يجتمع في المنطقة المال و الثروة و إستبداد الحكام و ضعف مناعة المواطن نتيجة هذه الحرب المسدودة الآفاق.

روسيا تجد في مسك الورقة السورية ربحا كبيرا لمصالح الشعب الروسي و وصوله إلى البحر الأبيض المتوسط و بناء قواعد عسكرية تحمي المصالح الروسية على مدى بعيد كما إن الروس يحققون من وجودهم في سورية نافذة مهمة لمخاطبة امريكا بعد سبات عميق دام اكثر من ربع قرن و غفلة من امريكا في عهد الرئيس اوباما الذي كان ينظر للمنطقة برمتها بأنها عبء ثقيل على الحرية و الديموقراطية في العالم و على زعيمة الحرية في العالم الولايات المتحدة الأمريكية كما يزعمون و عليهم أن يبادرو للتغيير و إزالة الأنظمة الإستبدادية في منطقة الشرق الأوسط و بروح عدائية شريرة ساهمت في زرع كل الأوبئة في مجتمع يعرفون تركيبه الديني و الطائفي وكل الأشياء الموجودة في صميمه و هكذا سقط الشرق الأوسط لقمة سائغة لدب أبيض صحى من غفوته و دب يمتلك كل و سائل القتل و التدميرالتي يتذرع بها بأنها سلاح الرحمة يوزع على العديد من فصائل و قوى لا نعرف ماهية مشروعها و لا من اين جاءت تحت مسمى فصائل الثورة مثل داعش و القاعدة و النصرة. وانتشرت الأجندات و الوكالات المحلية و الغريبة في سورية و العراق و ليبيا و اليمن لتقتل الحضارة قبل الإنسان و تزرع الشك و الإنهزام و عدم الثقة بين إبناء الشعب الواحد.

لقد نسى اللاعبون بأن الشجاعة تنبع من الخوف و إن الإرادة القوية تنبع من الضعف و زيادة الضغوط و أن الفقر و الجوع و التهجير هي اسلحة إيجابية لإعادة كرامة الإنسان الذي فقد كل شيئ إلا التصميم.

لقد بدأ الغرب يشرب من السم الذي أسقاه لشعوب المنطقة و قامت القيامة لدى الشعوب الغربية لحماية الإنسان في بلادهم و البحث عن الأخطاء و الجرائم التي يمارسونها مع شعوب الشرق الأوسط و تعالت الأصوات على كل الأوجه الصحافة و الإعلام و الجامعات و التقت أصوات الشعوب العربية المؤمنة بالوطن مع صدى الأصوات الغربية المؤمنة بحقوق الإنسان لتشكل و سيلة ضغط على إدارات و حكومات هذه البلدان غربها و شرقها التي ادركت إنها عاجلا ام آجلا سوف تتجرع كأس جريمتها في قتل و تهجير أكثر من خمسين مليون إنسان خلال السنوات العشر الماضية.

لقد جاءت إدارة ترامب الجديدة في الولايات المتحدة الأمريكية حاملة معها خوف و هموم الشعب الأمريكي من نتائج الجرائم الإنسانية و كذلك مصالح هذا الشعب في جذب خيرات الشرق الأوسط و ثرواته و إستثمار الإنسان في دولنا في الحرب لحماية نفسه و مصالح شعوبه و أسياده أمام الهجمة السلفية الوحشية التي لا تؤمن بكتاب ولا دين و لا تعرف من هدف سوى القتل و النحر و التلذذ في سفك الدماء و لكل المذاهب و الأديان بدون إستثناء.

إن العقود السخية و الهدايا الثمينة التي قدمتها دول الخليج للولايات المتحدة الأمريكية متمثلة بالرئيس ترامب لن يكون لها الأثر البالغ على قضيتنا مالم يتفق العرب أنفسهم على برنامج واضح لبناء نظام سياسي إقتصادي يؤمن بحق المواطن بالعيش المشترك في بلاده و التوزيع العادل للدخل و بناء دولته الوطنية المدنية الديموقراطية بعيداً عن المحاصصة و تركيز رأس المال في يد حفنة من الحكام و أزلامهم و توفير العلم و التعليم لكل شرائح المجتمع دون تمييز.

إن هذا الوحش المفترس الذي عاش على رعاية غربية و إقليمية و محلية وتم تسمينه بأموال و جهود الشعوب و الحكام. آن الآوان لتقديمه إلى مذبح وقف الحرب و إعادة الإعمار و جاءت إجتماعات الرياض مع الرئيس ترامب و أكبر تجمع عربي إسلامي ليعلن ولادة تحالف جديد تحت اسم ناتو عربي إسلامي إلى جانب دور الناتو الأطلسي برعاية أمريكية ليعيد للولايات المتحدة الأمريكية هيبتها و دورها القائد في العالم الذي يمكنها من رسم خريطة جديدة للسياسة الشرق اوسطية و الدولية و يعيد لها شغفها القديم الجديد لإدارة الشرق الأوسط و السيطرة على أهم الطرق البحرية بدء من مضيق جبل طارق وصولا إلى قناة السويس و باب المندب و مضيق هرمز.

إن هذا الطموح الأمريكي الجديد القديم سيكون له إرتدادات سلبية و إيجابية قريبا في منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص و خاصة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية الإسرائيلية و دور ايران في المنطقة و العمل على إزالة و إنهاء العديد من التنظيمات التي صنفت إرهابية و كانت قبل سنوات تتلقى الرعاية و غض الطرف من قبل الغرب. كما إن امريكا بسلوكها الجديد ارادات أن توقف طموح دول إقليمية من التوسع في المنطقة العربية على حساب مصالحها و سوف تسعى بالإعتماد على حلف الناتو الأطلسي و الناتو العربي الإسلامي المزعوم الشروع بتأسيسه إلى تحجيم ايران و تركيا من التوسع الجيوسياسي و ربما يشمل ذلك دولة إسرائيل.





Tags: محرر