on
Archived: عبد العزيز ديوب: قصة العصر 6 – الفساد في خدمة النظام الجديد
د.عبد العزيز ديوب: كلنا شركاء
من المؤكد بأن مرحلة السبعينات من القرن الماضي قد اتصفت بأنها تأسيسية بامتياز حيث تم تحديد الأهداف بدقة ومن أهمها :
الاستيلاء على الجيش من خلال تحويله بالمطلق الى جيش عقائدي شكلا وعصبوي طائفي مضمونا ولئلك اتبعت جملة من الأساليب والخطوات التنفيذية التي تجلت بالافساد الذي انتشر على نطاق واسع حيث توفرت له كافة المستلزمات ومنها الامتيازات لكبار الضباط وغض النظر عن فساد صغارهم واطلاق العنان لصف الضباط بقيامهم بسرقات محدودة وتحويلهم الى سماسرة للضباط, كما جرى احداث المؤسسة العسكرية للاسكان التي شاركت في عملية الافساد من خلال اغنائها بمساحات عقارية شاسعة تم الاستيلاء عليها من أصحابها لقاء تعويضهم بمبالغ زهيدة, كما جرى استخدام مؤسسة الأشغال العسكرية لذات الأهداف خاصة أنها أممت لصالح مديرها اللواء رياض شاليش ابن عمة الأسد الأب وفي هذا السياق أذكر لقاء جمعني صدفة مع أحد المواطنين في قرية تقع على الساحل وعندما سألته عن عمله الذي يقوم به بدأ في البكاء قائلا أنه منذ يومين عاد من رحلة عمل بحرية على واحدة من سفن شاليش التجارية والذي بلغ عددها أنذاك 60 سفينة تجارية, هذا وقد التحق المذكور مع عشرات من الشباب أبناء الطائفية العلوية بالعمل لدى شاليش وكان الاتفاق ينص على العمل لعام واحد ولدى العودة ينال العامل أجوره عن عام كامل, ولدى عودتهم تم اعلامهم بأن اللواء يعتبر اطعامهم على السفينة بمثابة أجر وبالتالي ليس لهم أي أجور ولدى استفسار أحدهم أو احتجاجه كان نصيبه التعذيب وهو واحد من الذين جرى تعذيبهم على متن السفينة مع التأكيد على الجميع بعدم النطق بماجرى, ومن المعروف بأن شاليش يقوم بمهام أخرى أهمها التنقيب عن الأثار باستخدم الأجهزة المتوفرة في مؤسسته وهنا أذكر بعض الأحاديث التي جرى تداولها في منطقة السلمية منذ عدة سنوات حيث شاهد بعض المواطنين طاقما كبيرا من مؤسسة شاليش يقوم ببعض أعمال الحفر وخاصة قرب الأقنية الرومانية المتواجدة في المنطقة ولدى استفسارهم كانت الاجابة لدى كافة العمال والمهندسين موحدة وهي بأن المؤسسة تقوم بدراسة مساحية لتحديد موقع مناسب لبناء قصر لرئيس الوزراء في الوقت الذي فيه كان التنقيب يجري على قدم وساق.
لم ينسى الأسد الحزب والمنظمات النقابية والشعبية من شروره فقد جرى افسادها باتباع ذات الأساليب ومن أهمها انتقاء الأسوء وتبويئه قيادة حزبية أو شعبية ونقابية وعلى سبيل المثال اعتمد النظام قانون التفرغ الحزبي والنقابي باضافة 25% على الراتب الذي يتقاضاه المفرغ في عمله الأساسي ناهيك عن السيارة المخصصة وفي بعض الحالات عدة سيارات لقيادي واحد مع مخصصاتها من وقود وسائقين واصلاحات وغيرها يضاف الى ذلك غض النظر مخابراتيا عن تصرفات هؤلاء من رشاوي واستغلال السلطة لتحقيق ثروات فاسدة مع الأخذ بعين الاعتبار رصد هؤلاء أمنيا وفتح ملف لكل منهم لاستخدامه حين اللزوم وذلك بمثابة سيف مسلط عليهم وكذلك قام بتجميع بقايا الأحزاب الهلامية كالناصريين والوحدويين والاشتراكيين العرب والشيوعيين وضم رؤسائها بماسمي الجبهة الوطنية القدمية وقدم لهم بعض الفتات من الامتيازات من مكاتب وسيارات اضافة الى ثلاثة حقب وزارية جرى تداولها من قبل رؤساء الحزب بيعا وشراءوفي سياق الحديث عن السيارات التي كان يغدق بها الأسد على مسؤولي الحزب والسلطة خاصة على كبار الضباط أذكر قصة جرت أحداثها في ألمانيا وكنت شاهدا عليها وبدأت بذهاب وفد من وزارة الاقتصاد للتعاقد على شراء أدوية من شركة باير في ألمانيا الاتحادية هذا واجتمع الوفد مع ادارة الشركة وتقدم بقائمة شرا أدوية كبيرة جدا وعندما انتقل الحضور للبند المالي طالب رئيس الوفد السوري باعتبار قيمة الأدوية كقرض طويل الأجل مبررا ذلك بالظروف الاقتصابية الصعبة التي تعيشها سورية نتيجة لخيارها قرار مقاومة الاستعمار والصهيونية والامبريالية العالمية ولما تعذر على الشركة الموافقة على القرض كان لابد من تدخل الحكومة الألمانية كجهة ضامنة وعليه حضر الاجتماع الثاني مندوبا عنها واستمع الى ذات الخطاب الخشبي من رئيس الوفد وبدوره طلب منه ضرورة تقديم دفعة أولية من قيمة العقد لكن رئيس الوفد اعتذر بحجة عدم توفر النقد النادر لدى الحكومة السورية بسبب الصراع مع العدو الاسرائيلي وهنا انبرى مندوب الحكومة الألمانية قائلا: لقد قمتم في العام الماضي بشراء 500 سيارة ميرسسيدس من الشركة في شتوتغارد ودفعم قيمتها نقد وتعاقدتم على شراء عدد مماثل لهذا العام ودفعتم نصف القيمة, عجبا أن يكون المال وبالقطع النادر متوفرا لديكم عند شرااء سيارات فارهة بينما ليس متوفرا لشراء الدواء الهام لشعبكم, وهنا قام رئيس الوفد غاضبا وانسحب من الاجتماع ومن ثم اتصل برؤسائه في الوزارة وبدوره اتصل الوزير العمادي بالقصر الجمهوري الذي بدوره تواصل مع القيادة السوفييتية التي وحهت طلبا الى حكومة ألمانيا الشرقية لتأمين الأدوية المطلوبة كقرض طويل الأجل,ة جاءت التعليمات للوفد بمغادرة بون والانتقال فورا الى الشرقية وقد قابلتهم عدة مرات وكان حديثهم المكرر شتما واتهاما للحكومة الفربية بأنها متواطئة مع الامبريالية واسرائيل وبأنها تكن العداء لسوريا بسبب مواقفها الاشتراكية وهكذا حصلوا على كمية كبيرة من الأدوية .
أرى هنا ضرورة التنويه الى الأعداد الهائلة التي كانت تحت تصرف كبار المتنفذين وعلى سبيل المثال عندما تقاعد العماد على دوبا كان لابد من القيام باجراءات الاستلام والتسليم وهنا تبين لدى ادارة المركبات العسكرية وجود 1300 سيارة بذمة العماد وبصعوبة جرى استرداد 200 فقط وماتبقى بقي بحوزة من قدم اليهم العماد تلك السيارات كهدايا, وكذلك تكررت الحالة لدى تقاعد طلاس ولكن عدد السيارات التي قام باهدائها بلغ فقط 800 سيارة,
ماجرى في جامعة حلب حيث أعمل يقدم مثالا عما جرى في الجامعات السورية بهدف تحويلها الى جامعات فاشلة وهناك جملة من الممارسات التي ساهمت في اخضاع الجامعة وافسادها اسوة ببقية الجامعات السورية التي فقدت محتواها العلمي والتعليمي حيث الأبحاث العلمية المنشورة في مجلاتها العلمية ليست مبتكرة ولايمكن اعتبارها ذات مصداقية علمية كما أن العملية التعليمية نمطية ومتخلفة وغير مواكبة للتعليم الحديث من حيث استخدام وسائل التعليم وطرقه, هذا وقد اتبعت وسائل ممنهدة ضمن سياسة هادفة لبناء أجيال من الخريجين بمواصفات يرغب بها النظام, جيل انتهازي خائف وضعيف علميا دون لغات أجنبية تمكنه من مواكبة العصر والتواصل مع مراكز أبحاث دولية, ان مايبدو في الجامعة يعبر عما يجري في كافة المؤسسات الأخرى وعلى سبيل المثال بداية بالطلبة حيث يتم انتقاء أسؤهم لقيادة اتحاد الطلاب نهاية برئيس المكتب الاداري الذي يجري انتخابه خلبيا وفي بدأ مهمته يتسلم سيارة مع سائق ومخصصات شهرية من الوقود كما يتسلم مكتب بأثاث وثير وسكرتاريا ويعتبر عضوا أصيلا في مكتب الجامعة مثله مثل أي عميد كلية وفي الكليات تخصص غرف كمكاتب لرؤساء الوحدات الطلابية وبشكل عام فان هؤلاء الطلبة الذين يقودوا اتحاد الطلبة ليسوا سوى انتهازيين ومخبرين للأجهزة الأمنية كما أنهم فاشلين دراسيا وعلى سبيل المثال لا الحصر فان واحدا منهم يدعى مروان علبي وهو اليوم محافظ حلب قد مكث في كلية الزراعة 14 عاما الى أن تخرج بمعدل دون ال50% وهنا تدخلت القيادة القذرة بمنحه استثناء من معدل القبول لاختيار المعيدين وهو 60% ليوفد الى هنغاريا ويعود بالدكتوراة وعلى الفور يتم تعيينه أمينا لفرع الحزب لعقدين من الزمن كما أن اعتماد التدريب الجامعي ومن قبله اللباس الجامعي كان وسيلة قذرة لاذلال الطلاب وقوننة ادخال المفارز الأمنية الى الجامعة,ومثال أخر عن بعض الخريجين الحزبيين الفاشلين أذكر محافظ حمص السابق وهو الصديق الحميم لبشار الأسد ويدعى اياد غزال وقد تخرج من كلية الميكانيك بعد 14 عاما أيضا ليصار الى تعيينه مديرا عما لمؤسسة الخطوط الحديدية حيث مارس سلوكا في غاية الفساد والظلم للعاملين فيها وعليه قدمت له حمص كمكافأة بعد أن بلغت خسارة المؤسسة حوالي مليار ل.س , ولدى مغادرته منصبه ابان اندلاع الثورة في درعا لم يمكث طويلا في سورية ليغادرها الى دبي حيث قام بشراء برج سكني بقيمة مليار درهم اماراتي, وبوره حصل محافظ درعا اجازة في الحقوق من جامعة دمشق وقد كان موظفا عاديا فيها ولتعاونه مع الأمن تم ايفاده الى فرنسا ليعود بالدكتوراة ويصبح نائبا لعميد الكلية وعضوا في قيادة الفرع وفي مجلس الشعب ومحافظا لدرعا حيث مارس عهرا من الفساد الفاحش ومنه ماتجلى في مناطق حوران التي تميزت بزراعة القمح في سهل حوران والخضروات وبما أن الحكومة تصادر القمح وتشتريه بالسعر الذي تحدده ومنافسة الخضروات الأردنية التي تفوقت على جارتها الحورانية حيث أن سياسة مايسمى الحكومة السورية هدفت الى اذلال الفلاحين واخضاعهم من خلال اجراءات عديدة منها رفع أسعار مستلزمات الزراعة من أسمدة ومبيدات ومحروقات وبذار وغيرها مما أدى الى افقار المزارعين في حوران وجعلهم يلجأوا لزراعة الزيتون كمصدر أفضل ولدى البدء بزراعة غراس الزيتون ظهرت أمامهم مشكلة الري اللازم لأربعة أعوام وهنا تجلت مشكلة أكبر وهي منع حفر الأبار وعقوبتها السجن ولذلك لجأ المزارعين للحل المعهود في سورية وهو الرشوة وقاموا بدفعها للمحافظ الذي سمح لهم بالحفر وهنا تدخل نجيب الذي حصل أيضا على الرشوة لقاء غض نظره عن الحفر وبمضي الاعوام الأربع امتنع المزارعين عن الدفع لعدم توفر المال لديهم وهنا تدخل المحافظ غاضبا وأمر بردم الأبار وقلع أشجار الزيتون وقد بلغت من العمر أربع سنوات وعددها تجاوز المليون شجرة اضافة الى تطبيقه للقانون كما ذكر جرى زج الكثيرين منهم في السجن, وهناك واحدة أخرى من انجازات المحافظ وشريكه نجيب وقد تجلت من خلال هدم السوق الشعبي وعمره مئات السنين بذريعة توضعه في المخطط التنظيمي الجديد بينما السبب الحقيقي هو عدم توفر الامكانات المالية لدى الباعة وبالتالي عدم دفع الرشاوي لكلاهما وفي ذات الوقت وجد كل من المحافظ ونجيب في هدم السوق والبناء على أرضه مصدرا أفضل لهما في الربح, وأخيرا حدثت القصة المعروفة حول اعتقال أطفال المدرسة وتعذيبهم مما أدى الى قيام أهالي حوران بثورة شعبية نادت في بدايتها ونددت بالمحافظ ورئيس فرع الأمن السياسي نجيب.
مازال الفساد في فترة السبعينات سيد الموقف حيث ضرب كافة مفاصل المجتمع مما أدى الى تكاثر الداعمين للنظام على غرار تكاثر الجرذان وما جرى لم يكن في عزلة عن عيون الأجهزة الأمنية التي شاركت بشكل فعال في أداء مهامها بنشر الفساد وتوثيق كل حادثة منه للضفط والبتزاز أصحابها مهما بلغت مراتبهم الحزبية والحكومية, وكما هو معروف بأن المواطنين السوريين كانوا متعطشين لاقتناء السيارات, أدرك النظام هذه الحالة وعليه فقد شجع على قيام الضباط وفئات أخرى على تهريب السيارات من لبنان وأوربا وادخالها الى سورية حيث تمنح الأجهزة الأمنية موافقة على التهريب أو بالأحرى على اقتناء السيارة مع رصد كل منهم لابتزازه حين اللزوم وتطبيق القوانين الجمركية بحق كل من تطاله الأجهزة عند الحاجة الى ذلك, واضافة الى تهريب السيارات فقد غضت السلطات النظر عن تهريب الأجهزة الكهربائية والتي لم تتوفر أنذاك وخاصة الغسالات والتلفزيونات وغيرها وعلى سبيل المثال فقد حصلت عائلة بري في حلب والمعروفة بأفرادها الذين يمتهنوا تهريب المخدرات على فرصة تهريب الأجهزة الكهربائية مما ضاعف نفوذها في حلب ولاشك بأن لها شركاء في الأجهزة الأمنية.
يطول الحديث حول الفساد الذي استشرى كالنر في الهشيم الى أن أضحى ثقافة وسلوك مجتمعي وبالتالي فقد أصبحت أغلبية السوريين فاسدين بالقانون بدليل أن كل مواطن اما رشى أو ارتشى وكلاهما قانونيا مطالين ومتهمين وهذا ماسعى اليه النظام.
سعى حافظ الأسد الى تمتين عرى سلطته باتباعه كافة الأساليب وعلى الأرجح فقد كانت مراكز متخصصة خلف ارشاده وتقدم الاستشارات اليه واضافة الى الافساد الذي أنجزه قام باعلان دستور 1973 الذي تصدت له بعض النقابات في دمشق وخاصة نقابة المحامين وهنا اتبع العنف معها أولا ومن ثم استولى عليها كاملة من خلال الافساد الممنهج في أجسامها وخاصة تبويء فاسدين على اداراتها .
لم يكتفي حافظ بالاستلاء على الجيش وافساد مفاصل المجتمع بمافيه القضاء والتعليم العالي وغيرها انما أراد اخضاع المجتمع واذلاله من خلال تقديم درس قاس وعليه اختار مدينة حماة واستغل بعض الأحداث التي جرت في دمشق وخاصة مقتل رئيس جامعة دمشق الدكتور محمد الفاضل وفي العام 1976تم اغتيال رئيس فرع المخالرات العسكرية في حماة حيث وجهت التهمة على الفور للاخوان المسلمين , هذا وقد عرف عن الرائد محمد غرة رئيس فرع المخابرات العسكرية سلوكه الحسن وعلاقاته الطيبة مع أهالي حماة وكان محبوبا من قبلهم وفجأة يغتال, ولدى تشييعه في قريته الحمرا والقريبة من القرداحة كان المشيعين وخاصة أهل الفقيد يهتقوا باتهام رفعت الأسد باغتيال ابنهم بعد أن تأكدوا بانه خطط وأمر باغتياله وقد كانت الخطة تتجلى باحداث فتنة طائفية في حماة تؤدي الى اقتحام الجيش لفرض النظام وبمعنى أخر لقتل أعداد كبيرة من الحمويين وتلقين كافة السوريين هذا الدرس الدامي ولكن خطة رفعت فشلت بعد تشييع الفقيد مما أدى الى تأجيلها للعام 1982 يتبع في الحلقة القادمة
اقرأ:
عبد العزيز ديوب: قصة العصر 5. كيف اختار حافظ الأسد أركان حكمه؟Tags: مميز