on
Archived: سعاد خبية: زوجة المعتقل (حــــياة) تحت التعذيب
سعاد خبية: كلنا شركاء
غير آدمي ذلك الموقع الجائر الذي وجدن أنفسهن سجينات فيه بفعل اختفاء أزواجهن القسري المستمر دون أثرمنذ انطلاق الثورة السورية وما اعتمده نظام بشار الأسد لمواجهتها من قتل واعتقال وإخفاء قسري كسياسة عقاب جماعي استهدف في معظم الأحيان فئة الشباب ممن تركوا خلفهم زوجات شابات لاتعرف معظمهن إن كان من ينتظرنه في عداد الأحياء أو ممن قضوا في تلك المعتقلات تحت التعذيب وباتوا في عداد الراحلين .
إنّهن سجينات الانتظار والخجل من التعبير عما يكابدنه من مصاعب وضغوط في زنازين الحيرة والترقب والحاجات الآدمية الطبيعية التي تضاعف عذابتهن وهن يبحثن عن وميض أمل ،عن معلومة ، عن أي إشارة تؤكد لهن بأن من ينتظرنه لازال على قيد الحياة ، وإن عليهن بذل المزيد من أعمارهن في الدفاع عن مصير مشترك مع مغيّب قهرا لايملك ترف أن يَعِدُ بعودة قريبة أو أن يقولها لها اذهبي فأنت طليقة ، آلاف بل عشرات آلاف من المعتقلين كثير منهم لديهم زوجات ، وصل بعضهن خبر رحيل زوجها الموجع تحت التعذيب في سجون الأسد ولكنهن لم يقطعن الأمل ، فلا دليل حقيقي يقنعنهن بتلاشي ذلك الانسان ..الزوج وكأنه ليس أكثر من اسم فلا جثة تبدد الأمل ولاصورة ولادليل باستثناء مكالمة من “الجهات المختصة ” أو خبر منقول عن مفرج عنهم أو قيل عن قال يأتي بكلمتين – مات فلان – انتهى الخبر .. فهل ينتهي الزواج هكذا ؟ و تصبح تلك الزوجة أرملة وفقط ؟ فيما يقول البعض أن هناك من عاد حيّا بعد أن أُُخبر ذووه بموته بتلك الطريقة ؟ .
عشرات بل مئات آلاف المعتقلين والمفقودين والمختفين قسريا من رجال سوريا وشبانها دخلوا في غياب قهري دون أثر، ترك قسم منهم خلفهم زوجات يقارعن واقعا كارثيا أقسى بكثير من أن تتحمله امرأة وحيدة في ظرف أكثر من استثنائي ، بعض هؤلاء لازلن في مناطقهن تقبعن تحت الحصار والقصف والحرب بالتجويع والإفقار والعوز تحاولن جاهدات أن تؤمنَّ استمرار الحياة لعوائلهن ولو بحدها الأدنى تتحملن الأهوال والضغوط والأطماع بهن ، وبحاجاتهن ، وحيدات في زمن ” الغيلان ” ، كلٌ منهن مقيدةٌ ، محتاجة ٌ، مستباحة ٌ، جرح ينزف في كل لحظة وكل تفصيل ، وماض لازال ينبض ، وبيت وأولاد ومطالب لاتنتهي ، وعقد زوجي ساري المفعول بغياب أحد طرفيه كرها دون رضاه ..
تخوض تلك الزوجة المتروكة معركتها في معظم الحالات بلا أي سلاح سوى العوز فكل بيت قصة فقر وقهر وخاصة في المناطق المحاصرة ولافرصة متاحة لأي تغيير علني في واقعها ، وحيدة تواجه مصيرها بمفردها في واقع لايقوى القوي على مواجهته ، تلاحقها العيون تراقب خطواتها وسكناتها وتخلع عنها كل حق بالحياة ..أنت زوجةُ جرح نازف ..لا لست حرة ..
ماذا يحق لها وما لايحق ؟
يعترف المجتمع بأرملة الشهيد كما تعترف بها المنظمات الإغاثية فلها أن تحصن نفسها بالزواج من جديد وتؤمن غطاء لها ولعائلتها ، ولها راتبها كأرملة ورواتب أبناءها الأيتام في حال وجودهم ، نعم تتعرض زوجات الشهداء للابتزاز والتعدي والتحرش واستغلال حاجتهن للرعاية في زيجات غير مثالية ولربما علاقات بالإكراه خارج إطار الزواج بشهادة عدد منهن مقابل الحصول على المساعدة التي من المفترض أنها تصل باسمها فيما ينازعها عليها واقعيا بعض الملتوين أخلاقيا وضعاف النفوس ممن وضعوا أنفسهم في خدمة تلك الشريحة وباتوا صلة الوصل مع الداعمين الخارجيين ، ومع ذلك تبقى تلك الأرامل ضمن واقع قانوني واجتماعي يعترف بهن ،فيما يبقى واقع زوجات المعتقلين مائعا رخوا ولها المرتبة الثالثة من الاهتمام ..فكيف لزوجة معتقل وحارثة بيته واسمه وهو القابع في العتمة مظلوما مقهورا بلا سند ،أن تجرؤ تحت أي عذر وفي أي ظرف على ابطال الزواج أو طلب الانفصال بدعاوى عدم قدرتها على الاستمرار والإعلان من جانبها عن انقطاع خيط الصبر وفي الطرف الآخر زوج ضحية يكفيه ما يلقاه من قهر ، هل يحق لزوجة المعتقل الغائب منذ سنوات دون أثر أن تتصرف بمصيرها بفعل غياب قاس لم يختره الزوج المعتقل ، وحضورٍ لا يقل قسوة لم تختره الزوجة الحاضرة في واقع يُوصد عليها كل باب ، ويفتح في ذات الوقت عليها كل الأبواب لتصل حدود الانهيار .
في نطاق ضيق تتابع بعض المؤسسات الاغاثية مساعدة زوجات بعض المعتقلين براتب بسيط منتظم في بعض المناطق فيما كثيرات لاتملكن هذا الترف مما يضعهن في مواجهة واقع قاس – أم غسان – واحدة منهن ، تقف ضمن طابور طويل من المراجعين تنتظر دورها في الوصول للموظف المسؤول في برنامج الغذاء العالمي في مصر لتقدم استعطافا بعد أن ألغيت من قوائم المساعدات دون سبب واضح إبان تقليص المفوضية دعمها للاجئين هناك ، هي سيدة وحيدة مسؤولة عن ستة أبناء خمسة منهم بنات وصبي يافع وزوج طوت ذكراه سنوات السجن الخمس في سوريا وهو مختف دون أي معلومة تبين مصيره ، في حين لاتزال زوجته عالقة في شرك الانتظار .
عينان غائرتان مُسحت منهما ألوان الحياة ،تحيطهما هالة بنيّة داكنة ،وشهقة ترافق صوتها كلما تحدثت تأخذ ك باستمرار إلى عوالم ذاتها المعجونة بالهمّ والخوف ، المسكونة بالانتظار الموجع ، تُغالب بشكل واضح رغبتها بالصراخ، ورغبتها بالصمت ، ورغبتها بكل شيئ .. حتى بالتساؤول ..إلى متى ؟ وماذا بعد ؟.. خمس سنوات والاكتئاب رفيقها في وحدتها وفي معركتها ، المهدئات والأدوية النفسية رفاق دائمين دونهما تدخل هذه السيدة ذات الثماني والثلاثين عاما في حالة نفسية صعبة جدا ، يهزمها عذاب أيامها ولقمة عائلتها و”سترة بناتها ” وتعليمهم كما تكرر دائما..
ترسم الابنة صورة يغلفها شعور قاس لواقع هذه الأم ” إنها تعيش عذابا تشترك فيه مع والدي المعتقل في سجون النظام السوري بعيدا عنا ولكننا لم نره وهو يتعذب وإن كنا متأكدين من ذلك إلا أننا نرى عذاب أمنا أمامنا، وبينما بدأنا نفقد الأمل بعودت أبي لازالت أمي تنتظر ” .
أم غسان ربة منزل عادية لم تضطر للعمل يوما قبل اعتقاله ، تزوجت بعد أن اكملت مرحلة دراستها الإعدادية ،كانت يتيمة الأب ،أمّن لها زواجها من ” صانع المطابخ الألمنيوم الحديثة ” وضعا اقتصاديا واجتماعيا جيدا ، هاجمها الموت في السنة الأولى للثورة فسرق والدتها بشظية سقطت على منزلهم في إحدى مدن ريف دمشق ، اخترقت الشظية قلبها واخترق العذاب قلب ابنتها التي فقدت في ذات الأسبوع أيضا زوجها بعد اختطافه على أحد الحواجز العسكرية ، سألت عنه كثيرا ولكن دون أثر .
تتنقل ” بــ”لحشات الصوف وليف الحمام ” التي حاكتها من بائع لآخر لا يخلو عملها من التحرش والعروض المختلفة كما تهمس لي فتسمع من البعض عبارات مثل ..” عندك بضاعة أحلى ياسورية ” ، عرض أحد التجار عليها الزواج وقال لها اتكفل بأولادك .. تتسائل أم غسان كيف أتزوج ؟ أنا لست ” أرملة “ ؟! ، تترك ابنتها ذات التاسعة عشرة مدرستها قبل اتمام دراسة الثانوية العامة لعدم تمكنهم من تغطية مصاريف الدراسة والتنقلات ولحاجة العائلة لراتب إضافي يسد الأفواه الجائعة ويساعد في تعليم من تبقى وبذا تغلق الباب أمام حلم والدتها بإتمام تعليمها وذات المصير ينتظر أخوتها كما تقول .
يوقظها كل صباح الأمل الموجع بعودة الغائب عله يحمل عنها هذا الحمل تمتم “ عل جرس الباب يرن بمعزوفة عودته ، عل دربه الصعب ينتهي لباب دارنا فأراه أمامي ، عل صوت مفتاحه يخترق قفل باب بيتنا الميت دونه فيحمل عني همّ بنات خمسٍ وصبي لازال في جعبته أسئلةٌ جمة لايملك إجابتها إلا أبوه الغائب ” ، تتكثف أمانيها بواحدة فقط “ عله حي ٌّ لم يفتك به ناب السجن وظروف الاعتقال ..” .
حالة عادية من بين ألوف الحالات لزوجات معتقلين أنهكهن عذاب الانتظار وتوق اللقاء وعذاب الحاضر وقد غاب عنهن أي توصيف ، كثيرات منهن لايستطعن السفر أو التحرك أو المطالبة بأي حقوق قانونية أو مادية لهن ولأبنائهن بسبب اعتقال الزوج (التعسفي ) وما يرتبه ذلك من خوف وتوجس عند الاتيان بأي تحرك داخل سوريا لأي شأن ،كما يرتب من آثار نفسية واجتماعية ومادية كبيرة على الأسرة عموما وعلى الزوجة بشكل خاص .
صباح قصة أخرى شابة في – 23 عاما – من حمص تعمل في محل لبيع الملابس ،أم لطفل في الرابعة ، اعتقل زوجها منذ أكثرمن أربع سنوات قبل ولادتها بطفلهما بأيام فقط، تعيش اليوم مع أخيها وزوجته في مصر، رغم ماعانته من صعوبات في الحصول على أوراق رسمية وإذن سفر لطفلها الوليد ، تقول صباح أًعُدُّ الأيام يوما بيوم انتظر عودته ..لم يرى ابنه بعد ، منذ دَهمِ منزلنا واعتقاله مع عدد من شبان حيّنا ، لم يصلنا عنهم أي خبر رغم سؤالنا وبحثنا ، تجهش بالبكاء ” لقد شاهد جيراننا صورة ابنهم الذي اعتقل مع عصام “زوجها ” على الانترنت ضمن صور ” سيزر ” وتأكدوا من استشهاده تحت التعذيب حينها ، تتابع صباح كانت صور مرعبة لم اجرؤ على مشاهدتها أو البحث عنه فيها ، ولكن أهل زوجي المعتقل يبحثون والحمد لله أنهم لم يجدوه ضمن تلك الصور ولهذا فقط اعتقد بأنه لازال حيّا ” وإلا كنّا وجدنا صورته متل غيرنا ” ، ولدى سؤالها عن حياتها الآن وبما تفكر؟ ، أشارت صباح إلى إلحاح عائلتها عليها الطلاق ، مضيفة : هم يرغبون بتزويجي من آخر رغم انهم كانوا يحبون زوجي كثيرا ولكن بعد كل تلك السنوات تغير موقفهم من استمرار انتظاري له ، أعيش اليوم عند أخي وزوجته أتقاسم معهم غرفة وصالة (استوديو )هي كامل بيتهم ، ليس سهلا ما أنا فيه كيف أتركه بما هو فيها وأعيش حياتي ؟ تتسائل بحرقة ، وتردف ” سأنتظر فصورته ليست بين الصور” .
ثلاثة أطفال عائلة عائدة – 28 عاما – زوجة معتقل من ريف دمشق ، والدة زوجها في السبعين من عمرها تعيش معهم فليس لها أحد فقدت بصرها منذ ثلاث سنوات ولم تتمكن من علاجها كونها فقيرة جدا في منطقة محاصرة ، دمر القصف منزلهم فنزحوا لإحدى القرى ، تقول عائدة ليس لدي عمل والجميع في رقبتي ،اخرج كل يوم أتنقل بين عربات الباعة في السوق أجمع ماوقع منها ، يشفق علي بعض الباعة وقد حفظوني فيعطوني بعض الخضار ،لا أحصل على معونة منتظمة ،ولا أجيد عملا محددا ، إبني الكبير عمره ثمان سنوات يخرج برفقتي فيحصل على بعض الطعام من الناس خارجا فأوفر بذلك حصته مما اجمع للباقين ، لأملك أي خبرعن زوجي منذ اعتقاله ولا أعرف أين يمكن أن اسأل كان مريضا بالكلى اعتقل وهو ذاهب باتجاه دمشق لمحاولة الدخول لاحدى مشافيها لتأمين غسيل كلاه بعد توقف المشافي عندنا فأخذوه ولم يعد ، لا أتصور أنه لازال حيّا فهم لايعالجون أحد في السجن ،لقد مات ابن أختي في السجن تحت التعذيب لقد وصل عائلته خبرا نقله أحد الأشخاص المفرج عنهم أنه كان معه في السجن وقد فارق الحياة من شدة الضرب بالرغم من أنه كان شابا قويا ، فكيف بزوجي المريض ؟ ! ..أتمنى عودته ليحمل عني هذا الحمّل ، أبكي طوال الليل وأفكر لو أني أموت لارتاح أفضل من هذه الحياة تحت التعذيب .
لايكمن الحل بطلاق زوجات المعتقلين أو بتحريضهن بعد طول الانتظار ليبحثن عن حياة تعترف بآدميتهن وحقهن في الحياة وصون أنفسهن، وأن كنا لاننكر عليهن هذا الحق لو رغبن بشكل شخصي ، ولكن الحل الأحق بخروج جميع هؤلاء المعتقلين والبحث في مصير المفقودين في سجون النظام والسجون الأخرى لدى بعض الفصائل والتي يغيّب فيها آخرون وتعيش زوجاتهم أيضا تحت التعذيب ، فأين الضمير الإنساني من قضية بكل هذا الحجم من الظلم والتعذيب للجميع.
اقرأ:
سعاد خبية: هل سيضع مؤتمر (اللاجئات في مصر) الإشكالات الحقيقية للاجئة السورية في سياق الحل؟
Tags: مميز