on
Archived: يونادم يونادم: ملفات بشار الأسد السرية..الانتفاضة (2/9)
يونادم يونادم: كلنا شركاء
في ديسمبر 2010 قام بائع فاكهة في الريف التونسي ٬ كان قد ضجر من حياة مليئة بالتحرش والابتزاز من مسؤولي الحكومة المرتشين ٬ بإغراق نفسه بالجازولين ثم اولع عود ثقاب ليشعل الربيع العربي. وهبّ مئات الآلاف من المواطنين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ضد تشكيلة من الأنظمة الحاكمة للمتسلطين والملوك. طالب هؤلاء بإصلاحات ديمقراطية وفرص اقتصادية ووضع حدّ للفساد معبرين عن سخط بائع الفاكهة ويأسه. في نهاية يناير 2011 قال بشار الأسد ل (وول ستريت جورنال-(Wall Street Journal “ما ترونه في المنطقة هو نوع من الوباء”. أما لماذا بقيت سورية تتمتع بالاستقرار فقد أرجعه الأسد لمدى انتباهه الشخصي إلى أهمية “معتقدات الناس” مضيفاً ان “تلك قضية محورية، فعندما يكون هناك انفصال بين سياستك ومعتقدات الناس ومصالحهم ٬ سيتكون لديك ذلك الفراغ الذي يخلق الاضطراب”.
. كانت ثقة الأسد قوية بل ومطلقة في فاعلية أجهزة الأمن والاستخبارات السورية التي أبقته وعائلته في السلطة منذ 1971.
لقد وضع المتسلطون الآخرون في المنطقة ثقة مماثلة في قوات أمنهم، غير انه رغم ذلك سقطت الديكتاتورية في مصر ٬ كما صوت مجلس الأمن لإحالة الموقف في ليبيا، حيث تربع معمر القذافي على كرسي السلطة لمدة اثنين وأربعين عاًما ٬ إلى المحكمة الجنائية الدولية. وفي شهر آذار شنت قوات الناتو حملة لقصف ليبيا. في سورية بدأ الناس في مطالبة الحكومة بتقديم تنازلات، وكان مثل هذا النشاط يشوبه الخوف في البداية، اذ كان قد انقضى على البلاد ثمانية وأربعين عاًما وهي تعيش وتموت تحت قانون الطوارئ ولم تكن فكرة المظاهرات العامة مألوفة، لقد قوبلت الاحتجاجات بالقنابل المسيلة للدموع والرصاص ٬ ولكنها جذبت اليها سريعاً عشرات الآلاف من الأشخاص.
في 30 آذار2011 خاطب الأسد الأمة من الغرفة الدائرية في مبنى البرلمان السوري، بعد ان صرف وزارته وتوقع العديد من الناس أن يعلن عن إصلاحات ليبرالية، ولكن بدًلا من ذلك أعلن عن نيته في الانقضاض على المعارضة ٬ على طريقة ونهج والده حافظ الأسد قائلاً “ان سورية تواجه مؤامرة كبيرة تمتد أذرعها” إلى قوى خارجية تخطط لتدمير البلاد. وتابع: “لا توجد نظرية مؤامرة” ثم أضاف: “هناك مؤامرة”. وأنهى كلامه بتوجيهات منذرة “إن دفن التحريض على العصيان واجب وطني وأخلاقي وديني ٬ وكل من يستطيع المساهمة في دفنه ولا يفعل هو جزء منه” وأكد: “لا توجد تسوية أو طريق وسطي في ذلك”.
بعد يومين أخذت الاحتجاجات تمتد وتتوسع داخل البلاد. وكان الأسد قد شكل لهذا الغرض لجنة أمن سرية تسُمى الخلية المركزية لإدارة الأزمة ولتقوم بتنسيق الحملة القمعية ضد الشعب المحتج. كان رئيس تلك اللجنة (محمد سعيد بخيتان) أكبر مسؤول في حزب البعث الحاكم بعد الأسد ٬ وكان الأعضاء الآخرون جميًعا مقربين من قبيلة الأسد. وكان يتم تدوير مناصب هؤلاء المسؤولين بين المناصب الأكبر في القوات المسلحة والوزارات والأجهزة الأمنية والاستخباراتية.
كانت خلية الأزمة تلتقي كل ليلة في مكتب باهت في الدور الأول من القيادة الإقليمية لحزب البعث في وسط دمشق لمناقشةاستراتيجيات سحق التمرد. وكان ذلك يتطلب معلومات مفصلة عن كل احتجاج ٬ لذا كانت الخلية بحاجة الى تقارير من اللجان الأمنية والعملاء الاستخباراتيين في أكثر المقاطعات تمرًدا، فقررت المجموعة توظيف شخص يقوم بكل تلك الاعمال الكتابية.
كان أحد المتقدمين (عبد المجيد بركات) البالغ من العمر أربعة وعشرين عاًما ٬ وصاحب الشعر المصفوف بعناية للخلف. كان بركات قد أنهى لتوه درجة الماجستير في العلاقات الدولية وكان يعمل في وزارة التعليم. وعند اجراء مقابلته في أبريل فحص مسؤول كبير يدعى (صلاح الدين النعيمي) سيرته المهنية وسأله إن كان قادًرا على استخدام الكمبيوتر. ثم سأله النعيمي كيف سيحل الأزمة التي تفاقمت، فرد بركات إنه لتفادي رد فعل عسكري يجب على الحكومة أن تقدم بعض التنازلات وتقوم بإصلاحات حديثة.
فوجئ بركات أنه قد تم توظيفه. وكان قد جرى استجوابه في الكلية من قبل عملاء المخابرات الحربية لوجود شكوك أنه وزملاءه متورطون في أنشطة سياسية مضادة للحكومة. اذ كان قد انضم في وقت مبكر من الاضطرابات إلى واحدة من أوائل المنظمات الثورية. والآن وإثر عملية مستعجلة لتحويل خلية الأزمة نفسها الى جهة أكثر فاعلية، فقامت بتوظيف عضو في المعارضة لتسيير مذكرات أمنية سرية من جميع أنحاء البلاد. كانت تصل إلى مكتب بركات، في أغلب الأيام، أكثر من مائة وخمسين صفحة تتعلق بتصنيف دقيق للتهديدات المتصورة والمتوقعة لحكم الأسد —وتشمل تلك الصفحات جرافيتي (كتابات وصور على الجدران)، منشورات الفيسبوك، واحتجاجات، وأخيًرا تهديدات فعلية مثل وجود مجموعات مسلحة. قرأ بركات كل ذلك وكتب عنها ملخصات أوصلها النعيمي إلى أعضاء خلية الأزمة واستخدامها في توجيه كل اجتماع.
لم يسمح لبركات أبًدا بدخول غرفة الاجتماعات ٬ ولكنه رأى الأعضاء يدخلون إليها واحتفظ النعيمي بالمحاضر التفصيلية المدونة على أوراق تحمل شعار حزب البعث. وتضمن ضيوف المجموعة أحياناً مسؤولين بعثيين كباًرا ونائب الرئيس السوري وشقيق الرئيس الأسد الأصغر(ماهر) وهو قائد عسكري عصبي المزاج، كان الاتحاد الأوروبي قد وصفه ضمن قائمة العقوبات بأنه “المشرف الرئيسي على العنف ضد المتظاهرين”.
في نهاية كل اجتماع كانت خلية الأزمة تتفق على خطة لكل مسألة أمنية. ثم كان الرئيس بخيتان يوقع على محضر الاجتماع الذي سيحمله أحد المراسلين إلى الأسد في القصر الرئاسي. وعلم بركات أن الأسد يراجع الاقتراحات ويوقعها ويعيدها إلى خلية الأزمة من أجل التنفيذ. وكان الأسد يجري المراجعات بشطب توجيهات وإضافة أخرى. كما كان يصدر قرارات بدون مراجعة خلية الأزمة. لقد كان بركات واثقاً أن أي قرار أمني مهما كان صغيًرا ٬ لا يتم بدون موافقة الأسد.
وبعد بداية عمل بركات في خلية الأزمة بفترة قصيرة بدأ في عملية تسريب الوثائق. ومع أن النظام كان قد ادعى علناً أنه سيسمح بالمظاهرات السلمية ٬ إلا أن المذكرات الأمنية أوضحت أن عملاء المخابرات كانوا يستهدفون المحتجين ونشطاء الإعلام ويطلقون النار عليهم بلا تمييز. كان بركات يقوم بتصوير الوثائق في الحمام ثم يرسل الصور إلى صلاته في المعارضة السورية الذين نقلوها بدورهم إلى مؤسسات إعلامية عربية. كانت خطته أن يسرق أكبر قدر ممكن من المعلومات ثم يهرب. ولكن التسريبات زادت من الشكوك داخل المكتب وكان يعرف أنه عاجًلا أم آجًلا سيكتشف النظام أنه هو الواشي.
اقرأ:
يونادم يونادم: ملفات بشار الأسد السرية (1/9)
Tags: مميز