Archived: الوظائف في المنظمات السورية حلمٌ للكفاءات وحصرٌ للمحسوبيات

سامر العاني: كلنا شركاء

يقضي محمّد ذو العقد الرابع من العمر، أغلب يومه متنقّلا بين المنظّمات، حاملا سيرته الذّاتيّة الممتلئة بالخبرات، في محاولة منه للحصول على فرصة عمل تنتشله وأطفاله من خطر الجوع وفقدان المأوى، كالكثير من السوريين القاطنين في مدينة غازي عينتاب التركيّة.

محمد، واحد من آلاف الشباب الذين يمتلكون خبرات كبيرة، في مجال الحقوق أو المحاسبة أو الإعلام وغيرها من الاختصاصات التي تحتاجها جميع المنظّمات المحليّة العاملة في الشأن السوري.

خلال شهري أيّار وحزيران الماضيين، أعلنت أكثر من 30 منظّمة وجمعيّة عن حاجتها لتوظيف عدد من أصحاب الاختصاصات في جميع المجالات.

نشرت بعض تلك المنظّمات والجمعيات ذلك، في صفحاتها الرسميّة على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، مبيّنة الرمز الوظيفي لكلّ وظيفة، دون ذكر اي شروط عدا عدد سنوات الخبرة، وطلبت تقديم سيرة ذاتيّة ترسل إلى البريد الالكتروني الرسمي لقسم شؤون الموظّفين في المؤسسة.

في يوم المقابلة لدى إحدى المؤسّسات، رأينا تجمّع عدد من طالبي التوظيف، يتجاوز عددهم 20 شخصاً، استمرّت المقابلات لأكثر من أربع ساعات، لم يحصل خلالها المتقدّمون على النتيجة، كان ردّ المؤسّسة أنّ نتائج القبول سترسل عبر البريد الإلكتروني، أو رسائل نصيّة، إلى أرقام المتقدّمين للوظيفة.

النتائج أرسلت في اليوم التالي وكانت كلّها سلبيّة، وتذرّعت المؤسّسة أنها تريد فتاة لهذا العمل على ألا يتجاوز عمرها 25 عاما، ولديها 5 سنوات خبرة، وتجيد لغة ثانية إضافة للعربيّة، خابت آمال المتقدمين جميعاً، باستثناء فتاتين انطبقت عليهما جميع الشروط، بحسب رأي لجنة الفحص والقبول.

“تلك أهون المصائب، فهناك منظّمات طلبت موظّفين، لم تردّ على “إيميلاتنا”، وأجرت المقابلات، ووظّفت حاجتها، دون أن يخبرونا عن موعد المقابلة، ودون أن تجري المقابلات أصلا”، يقول محمد.

بعد رحلة طويلة في البحث عن عمل، استمرّت أكثر من سنة، طوى محمّد شهادته الجامعيّة التي حصل عليها من كليّة التجارة والاقتصاد بجامعة حلب، وطوى سيرته الذّاتيّة التي تحمل أكثر من عشر سنوات من الخبرة، ووجد عملاً لا يحتاج إلى خبرة أو شهادة، فقد أصبح يعمل عتّالاً في معمل للأحذية بمدينة غازي عينتاب التركيّة، ويتقاضى راتبا قدره 200 دولار في الشهر.

قد لا يكفيه هذا الراتب ثمن طعام أطفاله الأربعة، وهو الذي ترك في سوريا بيتين ومزرعة وسوبر ماركت وسيارته الخاصّة وسيارة للأجرة لا يعرف اي شيء عنها الآن، فهي في مناطق سيطرة نظام بشار الأسد، ولا يستطيع الذهاب كونه اعتقل ثلاث مرّات على خلفيّة مشاركته في الثّورة.

لكنّ راتب زوجته وزميلة دراسته، الذي تتقاضاه مقابل عملها بالتنظيف وجلي الصحون في أحد المطاعم قد يكفيهم حدّ الكفاف.

“سنعود يوماً إلى سوريا، وسأستردّ كرامتي التي أهدرت على أبواب المنظّمات” يأمل محمد.

أكثر من 800 منظّمة موجودة في مدينة عينتاب التركيّة، كلّها تتلقّى كثيراً من الدعم، لكن مستوى معيشة السّوريين في تدهور وتراجع مستمر، فيما عدا أصحاب تلك المنظّمات وبعض العاملين فيها.

“مئات ملايين الدولارات تصل لحساب مئات المنظّمات والجمعيّات، ولا أحد يعرف كيف تتبدّد” قال موظّف أحد المنظّمات الذي رفض الكشف عن اسمه خوفاً من فقدان وظيفته، متابعا “هناك عائلات تملك كل منها أكثر من منظّمة، وبعضها لديها 5 منظّمات”.

وقال الموظّف إنّه ليس من مصلحة أيّ منظّمة توظيف شخص غريب عنهم، فقد يكشف هذا الشخص ما يجري في أروقة تلك المنظّمة.

“هل تذكر انهيار سعر الليرة السورية من 350 إلى 500 للدولار الواحد” يقول الموظّف، ثمّ يتابع دون أن يسمع الإجابة “في هذا اليوم صرفت إحدى المنظّمات مبلغا ضخماً من الدولارات في الداخل السوري بحجّة تغطية نفقات الدّاخل السوري الصرف كان بقيمة 500 ليرة للدولار الواحد، أما الفاتورة كانت بأثر رجعي أي بقيمة 350 ليرة للدولار، أمّا فرق الصرف فقد تبخّر”.

معظم المنظّمات تعمل بنفس المبدأ، لكن الغريب هو عدم وجود رقابة حقيقيّة على تلك المنظّمات، ويرى أغلبيّة من قابلناهم أنّ تلك المنظّمات منغلقة على نفسها، ولا تسمح لأحد بالدخول إلى عالمهم إن لم يكن من قبلهم، فالدخول إلى دائرتهم من قبل الغرباء -بنظرهم- هو خطّ أحمر.

“المنح الماليّة تقدّم للمنظّمات على أساس المشاريع المقدّمة للداعمين، تلك المشاريع يجب أن تحتوي خطّتها على أسماء القائمين على المشروع” هكذا يصف الموظّف طريقة الحصول على المال، ويردف “قد تجد اسم موظّفي المنظّمة في أكثر من مشروع، ويصرف لهم رواتب عن كلّ مشروع وضع اسمهم فيه، لكنّ الحقيقة أنّ الموظّف يأخذ راتبا ثابتاّ، وباقي الأجور تتبخّر هي الأخرى”.

لم يجرؤ موظّف المنظّمة أن يقول أكثر من ذلك، فهو يخشى أن يكون ثمن المزيد هو فقدان وظيفته.

في جلسات المهتميّن وأصحاب الخبرات والمختصّين في غازي عينتاب، دائما ما يطرح موضوع المنظّمات، وكيفيّة الحدّ من فسادها الذي يصفوه بأنّه تفاقم حتّى وصل إلى مرحلة أصبح من الصعب جدّا الحدّ منه أو ضبطه.

“إنّ معظم المنظّمات تأخذ طابع الأسريّة أو الشلليّة” يقول المحامي والمدرّب في مجال حقوق الإنسان علي محمد شريف (53 عاما)، ويضيف أنّ بعض المنظّمات دخلت في لعبة فساد كبيرة، فالداعم يعرف ما يجري بالضبط ولكنّ من مصلحته السكوت عن هذا الفساد.

“المشكلة ليست في تركيا وحدها، حتّى في سوريا هناك فساد كبير كأن يتم توزيع السلل الغذائيّة على أساس المحسوبيّات، أو وضع قوائم وهميّة من أجل استلام حصص أكثر على أساسها، ناهيك عن الأجور التشغيليّة والصرفيّات التي تفوق حجم ما يقدّم بأضعاف المرّات” هذا ما قاله المحامي واتّفق معه الكثير ممّن تحدّثنا معهم.

“يجب أن يتم تطبيق نظام رقابي شديد على تلك المنظّمات ويجب تطبيق الحوكمة فيها” بهذا الحديث يختم المحامي علي شريف حديثه معنا ليتابع جلسة نقاش العامّة عن ذات الموضوع.

عدد من المنظّمات أغلقت بسبب قضايا فساد تمّ افتضاح أمرها، وعدد أكبر من المنظّمات مازال يعمل بذات الطريقة لكن مازال أمرها لم يفتضح بعد ولم يتم التأكّد من فسادها بالوثائق، لكن ما هو مؤكّد أنّ هذا الفساد ثمنه دم في الداخل السوري وجوع وتشرّد في بلاد المهجر.

اقرأ:

روايات جديدة مروِّعة عن التعذيب والموت الجماعي في سجون النظام





Tags: مميز