Archived: مرح البقاعي: سفينة العالم والقرصان الروسيّ

مرح البقاعي: كلنا شركاء

حين اعتلى رئيس مجلس النواب الأميركي، بول رايان، المنبر ليدعم ترشيح رجل الأعمال دونالد ترامب عن الحزب الجمهوري الأميركي للمنافسة على كرسي المكتب البيضاوي للبيت الأبيض في الانتخابات الرئاسية 2016، كان الحضور وملايين المتابعين لمؤتمر الحزب الجمهوري الذي انعقد مؤخراً في مدينة كليفلاند من ولاية أوهايو يتابعون بدقّة كيف سيتخلّى رايان عن موقفه المتشدّد حيال ترامب، وامتناعه لأشهر عن تأييده. قبول رايان، وهو الرجل الأقوى في الحزب الجمهوري الذي يشكّل الأغلبية الحاكمة في مجلسي النواب والشيوخ، وقراره الذي جاء بعد ترّدد ملحوظ، في دعم ترشيح ترامب ممثلاً عن الحزب، أعطى الحملة الانتخابية ومؤتمر الحزب العام زخماً لا يضاهى، وجعل ترامب يتقدّم على منافسته هيلاري كلينتون في استطلاع الرأي الذي أجرته جريدة نيويورك تايمزمباشرة إثر انتهاء المؤتمر بفارق ثلاث نقاط مئوية.

كان رايان حتى اللحظات الأخيرة من انطلاق المؤتمر، الذي من المفترض أن يُسمَّي مرشح الحزب الجمهوري لسباق الرئاسة، عازفاً عن القبول بترامب كمرشح للحزب. وكان يبرّر رفضه ذاك بعدة أسباب يراها العديد من قيادات الحزب الجمهوري جوهرية. فمعظمهم لا يَرَوْن دونالد ترامب الشخصية السياسية التي تحمل معايير الحزب وقيمه التي أسس لها رؤساء عظام مثل ابراهام لنكولن ورونالد ريغان. وكان رايان قد انتقد بشدّة مقترح ترامب لمنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة وصرّح بشكل قوي “ليس ما قاله ترامب هو ما يدعو إليه هذا الحزب، والأكثر أهمية، ليس ما تقبله هذه البلاد”. كما كان رايان من أشد الساخرين من فكرة ترامب وخططه المعلنة لبناء جدار اسمنتي عازل على امتداد حدود الولايات المتحدة الجنوبية مع المكسيك، وقد أتبع هذه الخطط بنيته ترحيل أحد عشر مليون فرداً من المهاجرين الذين لم يحصلوا على وثائق رسمية تخولهم بالإقامة القانونية في البلاد. هذا ناهيك عن أن قيادات وكبار الشخصيات في الحزب الجمهوري قاطعت المؤتمر ومنها بوش الأب والابن، وجون ماكين، ومت رومني. أما تيد كروز الذي كان ينافس دونالد ترامب في الترشّح عن الحزب للرئاسة، فضرب ضربته الكبرى في المؤتمر حين ألقى خطاباً امتنع فيه عن تأييد ترشيح منافسه بين تعالي أصوات مئات المحتجّين في القاعة الواسعة من مؤيدي ترامب.

وبالرغم من كل هذه الأضداد التي أنتجتها مواقف ترامب وتصريحاته التي أقل ما يصنّفها المراقبون بأنها شعبوية، متسرّعة، تنمّ عن جهل سياسي، متغطرسة…. إلا أن ترامب القادم بقوة إلى المعركة الانتخابية الرئاسية الأشد سخونة في التاريخ الأميركي، استطاع أن يخترق البيت السياسي للحزب الجمهوري العريق، وأن يحوذ على ترشيح الحزب له لخوض المعركة أمام المرشحة الديمقراطية التي سجلت التاريخ أيضاً كأول امرأة في التاريخ الأميركي تكسب ترشيح حزب بحجم الديمقراطي للرئاسة: السيدة هيلاري كلينتون.

وتكاد تكون أهم عوامل ترشيح الجمهوريين لترامب هي مساوئه عينها التي اعترضوا عليها، فتلك المساوئ ستشكّل برأي بعضهم استنفاراً وتحفيذاً للشارع الأميركي من أجل أن يخرج إلى الإدلاء بصوته، ولاسيما تلك الأعداد الهائلة من الناخبين الصامتين والمتأرجحين منهم، من أجل “منع فوز باراك أوباما في ولاية ثالثة” وهي العبارة الشائعة الآن في الأوساط السياسية والإعلامية الأميركية، ويُقصد بها في طبيعة الحال أن فوز هيلاري كلينتون في حالة حدوثه سيمثّل استمراراً لنهج أوباما في ولايتيه الرئاسيتين من القيادة من الخلف، وهي الاستراتيجية التي اعتمدها في علاقاته مع العالم الخارجي وتطورات الأحداث فيه. وحتى من يرى في ترامب شخصية لا تلائم تبوؤه الكرسي الرئاسي، فإنهم في المقابل لا يجدون في كلينتون الشخصية الموثوقة التي يمكن أن تحمل هذه المرحلة القادمة بمخاطرها على أمن واستقرار دول العالم الذي يسير في الحقيقة بسفينة بلا ربّان، أو في أحسن تقدير بقيادة قرصان يرفع العلم الروسي على متن السفينة!

فترامب الذي يستدعي المشاعر القومية لرجل الشارع الأميركي الأبيض الحزين لتراجع موقع الولايات المتحدة والشعب الأميركي بصورة عامة في سلّم القوى العالمية المؤثرة، وترامب الذي يثير شهية طبقة الشباب وأصحاب الأعمال الصغيرة وكذا الطبقة المتوسطة من خلال برنامجه لتأمين وظائف لكل صاحب خبرة واختصاص وإعادة الأعمال المهاجرة التي يستفيد منها العمال الأجانب إلى الولايات المتحدة ويًحرم منها أبناء البلد، وترامب الذي سيعيد بناء الجيش الأميركي الذي قام أوباما بتخفيض ميزانية تدريبه وتسليحه غير مرة وسيعيد أميركا إلى قوتها وبأسها في العالم وإلى “المقدّمة في القيادة” بعكس الحال في عهديّ أوباما، كلُّ هذه الأمور مجتمعة يسّرت له الوصول إلى سدّة ترشيح الحزب، هذا إذا لم نتحدث عن تهديده للجمهوريين أنه سيدخل المعركة الانتخابية مستقلاً إذا ما امتنع الحزب عن ترشيحه والتي ستعني حتماً خسارة الجمهوريين في استعادة البيت الأبيض من الديمقراطيين، وستعني فوز هيلاري كلينتون بالرئاسة لأربع سنوات مضافة إلى ثماني سنوات من حكم باراك أوباما الذي اتخذ مسلكاً سياسياً يستعيض عن الحكم الدستوري بسلطة رئاسية شبه مطلقة مدعومة بقوة قضائية نافذة. وستكون مهمة كلينتون مأسسة وتكريس التجاوزات الدستورية، والسياسية الإستراتيجية، التي وقعت في السنوات الثماني الماضية من عمر التاريخ الأميركي التي يجدها الجمهوريون سنوات عجاف.

ومن الجدير ذكره أن تركة أوباما السياسية قد ارتبطت ارتباطاً عضوياً بظهور أكثر المنظمات الإرهابية توحّشاً في العالم وهي تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق، وقد اتخذت من سوريا مقراً أساساً لها، وهي الأرض التي تخلى أوباما عن الانتصار لشعبها سنوات قبل ظهور ذاك التطرّف العنفي المنظّم الذي لم يكن ليظهر وينمو إلا في بيئة مواتية من العنف المضاد، والاستبداد السياسي، وإرهاب الدولة، الذي مارسه النظام السوري على شعبه تحت خط أوباما الأحمر!





Tags: مميز