حمزة رستناوي: قصيدتي تقوم على شعريّة الفكرة

كلنا شركاء: أمل جمال- جريدة النهار

شاعر ومؤلف سوري من مواليد حماة.. تخرج من جامعة حلب واختصّ في طب الأعصاب.. صدر له خمسة مجموعات شعرية أوّلها طريق بلا أقدام من اصدارات وزارة الثقافة السورية وآخرها الديكتاتور ذو الرقبة الطويلة. له أيضا العديد من الاسهامات النقدية والفكرية من خلال كتبه ومقالاته. في هذا الحوار نقترب أكثر من تجربة الشاعر حمزة رستناوي.. والى التفاصيل:

لمن لا يعرف حمزة رستناوي.. ما هي أبرز الملامح التي تميز عالمك الشعري؟

قد يكون من الأفضل هنا الاستئناس برأي الناقد د. هايل الطالب حيث يورد انّ شعر حمزة رستناوي يتميّز بما يمكن ان نسمّيه الأسلوب التجريدي وهو أسلوب يطرح تساؤلات جدِّية حول امكانية التواصل مع القارئ وانّ المقولة الأساسية في شعره هي القمع، حيث تتضافر بؤر دلالية كثيرة في تشكيلها، من خلال تجسيد علاقة غير متكافئة بين الحاكم المستبد والمحكوم الضحية وقد حاول في مجموعته الشعرية سيدة الرمال تجسيد سيرة الطغيان في لحظة تاريخية ما، ويلاحظ شيوع الابهام واغلاق التركيب دلاليا في شعر الرستناوي اضافة الى استخدامه تقنية الاشتقاق والجرأة اللغوية والشعرية وكذلكَ استخدامه للخطابيّة وأسلوب السخرية.

الأماكن حاضنة الروح أو خلاصها أو استراحة مسافر الى أي مدى في تجربتك الشعرية والفكرية؟

المكان أحد الأبعاد الأساسية للكينونة الاجتماعية وسواء أكانت فردا أو مجتمعا لا يوجد وجود بلا مكان. المكان موضوع التذكّر بالنسبة للشاعر والتأمّل بالنسبة للمفكّر.. المكان بعد محايد يضفي عليه الانسان شيئا من روحه وانحيازاته وجماله وفرحه وحزنه وبؤسهِ.. ليسجّل انطباع التجربة الوجودية التي يعيشها فيه. أكثر الأماكن حضورا في تجربتي هي القبر والسجن والمنفى! لكونها الأمكنة التي تفضح بؤس الوجود.. وتكشف هشاشتنا وعجزنا في مواجهة الطغيان وهاجس العدم!

كيف ترى تعصب البعض لشكل شعري بعينه ورفض الآخر؟

أحد أشكال السلفية الثقافية لا أكثر.

القصيدة الومضة وقصيدة الهايكو كيف تراهما كنوعين جديدين في المنتج الشعري الحالي؟

أنماط تجريبية جديدة تقوم على شعرية اللقطة والتأمّل العميق والدفقة الشعورية الواحدة.. قد تكون هذه الأنماط أكثر تواصلا ولكنّ الابداع فيها يحتاج الى اشتغال وموهبة حقيقية.

ما نوعية الكتب التي تجتذبك عادة؟

عادة ما تكون قراءاتي موجّهة ومخطّط لها ضمن المشاريع الفكرية التي أشتغل بها وعادة ما أقرأ عدة كتب في نفس الوقت حاليا أقرأ كتاب دين الفطرة لجان جاك روسو ترجمة عبدالله العروي والسياسة لأرسطو ترجمة أحمد لطفي السيد وطبائع الاستبداد لعبد الرحمن الكواكبي).

كاختصاصي أعصاب كيف ترى الابداع من الوجهة النفسية كعلاج؟

التفكير الابداعي ذو صلة بعوامل متعددة منها استعداد وراثي ومنها عامل بيئي مكتسب بفعل المجتمع والأسرة ونظام التعليم.. هناك عدد من الأمراض النفسية التي تترافق بنسبة أكبر مع العبقرية الابداع كمتلازمة اسبيرجر وهي احدى أنواع طيف مرض التوحّد وعلى الأرجح لقد كان آينشتاين واسحاق نيوتن وفان جوخ والروائية البريطانية جين أوستين مصابون بها. الابداع وثيق الصلة بالشخصية وبحث الانسان عن التقدير والاعتراف الاجتماعي عموما وهذا ما يفسّر ازدياد نسبة المبدعين في البيئات والمجتمعات الراعية لهم خاصة من جهة تحرير الانسان من الضغط النفسي السلبي والقيود الاجتماعية. ان التفكير الابداعي ليس بمصطلح غامص ولا يوجد مصادر ميتافيزيقية للابداع بل ظاهرة عصبية نفسية اجتماعية ثقافية ديناميكية والتفكير الابداعي ليس بعملية بسيطة بل نتاج اشتراك وتفاعل عمليات دماغية متعددة: الادراك الحسي والاستذكار والفهم والتحليل والتركيب واتخاذ القرار والتنفيذ. ومن الضروري هنا الاشارة الى أنّ الابداع مختلف عن الذكاء فليس من الضرورة ان يحصل المبدع على درجات عليا في مقاييس الذكاء أو ان يكون متفوقا مدرسيا.

ما رؤيتك للقضية الغموض والوضوح في الشعر؟

الشعر بضاعة لها سوق، هناك سوق لما يسمى بالشعر الثقافي الفلسفي الفكري.. وسوق للشعر الشعبي البسيط.. والغموض جزء من العملية الابداعية نفسها لكن ينبغي ان يتحول الى ابهام فيفقد النص صلته مع المتلقي . هناك قضية أخرى تتعلق بالذائقة السائدة لعموم الناس التي يتم صناعتها في المؤسسات التربوية والتعليمة. من وجهة نظري العمق والغواية والكشف هي من خصائص الشعر ويمكن ان نحقق ذلك بكثير او قليل من الغموض.
ماذا قدَّمت لك كل من بيئتي الرقة ومورك (مسقط رأسك)؟ ـ في الرقة تعرّفت على العديد من الأصدقاء الرائعين مختلفي المشارب وأحدهم الشاعر حسام الفرا وشهدت تلك الفترة حوارات ثرية لا يمكن ان تنسى على شاطئ الفرات وفي مقهى النخيل والواحة. أمّا مورك : ففيها ذكريات الطفولة وفسحة للجمال البصري الأخضر وبساتين الفستق الحلبي.

الى أي مدى هناك حضور للأدب والكتابة في ظل ما تمر به المنطقة العربية؟

الكم الكبير غالبا ما يفرز نوع جيد بآلية التنافس وبوجود مناخ مشجع على الابداع.. بالنسبة لعدم ظهور مثقفين عرب كبار في كافة حقول المعرفة بما في ذلك الغناء في نصف القرن الأخير فهذا لا يتعلق بالمبدع فقط.. فظهور مثقف أو مبدع كبير له حجم في السوق الثقافية والاعلامية أمر لا يتعلق بالنتاج الثقافي لهذا المبدع فقط بل بعوامل كثيرة ومتعددة.. نأخذ على سبيل المثال في الشعر معظم رموز الحداثة الشعرية تم تبنّيهم من قبل اتجاهات ايدلوجية ماركسية وقومية قامت بتقديمهم.. كان هناك طور نهوض او ما يشبه النهوض ومناخ تفاؤل ومشاريع لأناس تؤمن وتحلم ولكن مع انهيار الايديلوجيات وظهور ما يسمى العقل التكنولوجي التلفازي ظهرت حالة من التعويم ومن التشتت أكثر قد تكون أحد نتاجات النسق الفكري لما بعد الحداثة والتي لا تقوم على المركزية ووجود اليقين المطلق او السلطة المطلقة.

قد يلاحظ القارىء ان الجانب الفكري لديك يطغى على الجانب الابداعي مما يجعل نصك مأخوذا بتراتبية منطقية تفقده الى حد ما وهج المفارقة.
والادهاش.. ألا ترى ان الشعر يحتاج الى اللا منطق والجنون؟

لا أقدم خطابا جماليا فقط في الشعر.. هذه قد تكون ايجابية أو سلبية في آن واحد.. عندما أكتب الشعر أعبر عن ذاتي التي لا أستطيع ان اقصي المعرفي والفلسفي منها وقد وصف أحد الأصدقاء ان قصيدتي تقوم على شعريّة الفكرة.. هناك فكرة يتم التعبير عنها بشكل جميل وهذا أمر اشكالي.. ثمة من يستيغ هذا النمط من الشعر وهناك من لا يستسيغه.. على كل حال هذا هو الوجه الشعري من حمزة رستناوي.. أكتب شعرا يشبهني كما أنا .

الشعر كما قيل عنف لغوي مكثف يعتمد الايحاء.. لكن لاحظت في كثير من قصائدك جنوحا الى المباشرة؟

الفكر مقاربة مشابهة للمقاربة العلمية لكن الشعر شيء مختلف فهو خطاب جمالي أكثر عفوية في التعبير.. اكتشاف للذات والوجود.. صراخ في وجه عالم يائس منهار.. ما لا تستطيع تحقيقه في الواقع تستطيع ان تعبّر عنه أو تحلم به في الشعر.. المباشرة هي قضية حساسة ويمكن ان تكون مطبا من مطبّات القصيدة أو يمكن ان ترفعها..الأمر يتعلق بتوظيف المباشرة وطريقة عملها.. لا أدعي أنني نجحت في توظيف أسلوب المباشرة بل أترك هذا الأمر للقارئ.. أحيانا عندما يكون العالم من حولك متوحشا مفترسا قبيحا يصعب التعبير عن ذلك بلغة منضبطة ومهذبة فتترك لنفسك العنان هذا هو أصل المباشرة التي يمكن ان نجدها في مجموعتي الشعرية الأخيرة الديكتاتور ذو الرقبة الطويلة والتي كانت غائبة تماما في المجموعات الشعرية الأولى.