on
اياد شهاب: تأملات في الطغيان الشرقي.. 4- فساد في العقيدة… الله يجيرنا
اياد شهاب: كلنا شركاء
الأول: هل سمعته يقول أن الشعب السوري سيقرر مصيره، وأنه يؤيد الديمقراطية؟
الثاني: نعم… في الحقيقة، سمعت شيئاً من ذلك… اين المشكلة فيما قال؟!! هذا رأيي ايضاً.
الأول -بشيء من الحزم-: يجب ان تكون واضحاً، هل سمعته انت، يقول انه مع الديمقراطية؟
الثاني: نعم قال.
الأول: حُكِم بردّته…
في الحال، بدا على المجموعة التي تقف خلف الاول، الارتياح بعد هذا الحُكم الفصل.
تلعثم الثاني وهو يدور بعينيه بين الوجوه، علّه يجد من يفهمه، دون جدوى.. قفل عائداً الى سريره في احد غرف السجون السورية.
كنت اتابع عينيه، حاولت قراءتهما، تمنيت لو استطعت تصويرهما، مزيج من الحزن، الضياع، خيبة الامل، والانكسار، كلهم تلألؤوا في دمعة ارادت انعتاقاً، ثم عادت لتسكن جوفه وتزيده حرقةً.
حوار صغير، يشرح سورية بعد خمس سنوات من ثورة ضد الطغيان، يتخوف كثير من السوريين اليوم ان تعيدهم الى طغيان اخطر، يتسلح هذه المرة بالمقدّس ليبيح لنفسه القتل والظلم باسم الله، وبشرعيةٍ يستمدها من سنّة رسوله.
مئات الفصائل “الإسلامية” المتصارعة، التي يُكفّر بعضها بعضاً، وتحكم المدن والقرى المُحرّرة وفق رؤية زعماءها واهواءهم، التي سيجدون لها بالتأكيد، الاحاديث والتأويلات واقوال العلماء التي تؤيدها، بينما تزداد الحاضنة الشعبية ضياعاً بعد ان قدمت الغالي والرخيص لتعود “ايام العز” و “دولة العز” واذا بأدعياء هذه الدولة وزعماءها، يتابعون نهج من سبقهم!!.
لم يعد مفيداً اليوم ان نهرب للأمام، فنتهم كل من يفعل ذلك بانه جاهل لا يعرف الدين، ثم نبحث في الكتب والسير والتاريخ، عن فلتةٍ هنا، وحديثٍ هناك، يؤيد موقفنا… الامر اكبر.
نحن نحتاج الى مراجعات حقيقية بفكر حر مستعد ان يذهب وراء الحقيقة الى النهاية دون تقديسٍ لاحد، ومهما كانت النتائج.
هذا يحتاج الى عودةٍ لبداية الحكاية:
في البداية كان “القرآن”، انزله الله ليكون “مُشرِّعاً”، اما “محمد” (ص) وكل المسلمين، فهم “مُشرَّعٌ” لهم، وليسوا “مُشرِّعين”، كما يشرح “جورج طرابيشي” بكثير من التفصيل في كتابه “من اسلام القرآن الى اسلام الحديث”، ورغم ان النبي (ص) يشرح بعض الاحكام ويوضّح ويخصص، الا انه يبقى بشراً “يوحى اليه”.
بعد وفاة النبي محمد (ص)، قام صحابته بجمع القرآن الكريم، فاتّبعوا طُرقاً بالغة الدقّة لتحرّي صحّة كل كلمة، فعدا عما كان مكتوباً في حياة النبي (ص)، اتبعوا اسلوب التواتر، اي ان يؤكد صحّة كل آية وموضعها من القرآن، عدد من الصحابة، وليس واحداً او اثنين، وقد جرى التواتر من ذلك العهد الى يومنا هذا، حتى اعترف القاصي والداني ان نسخة القرآن التي يتلوها المسلمون اليوم، هي نفس النسخة التي قرأها المسلمون ايام محمد (ص).
اما احاديث النبي (ص)، فقد تعامل معها صحابته بشكل مختلف، فلم يدوّنوها خشيةً من ان تختلط بالقرآن الكريم، الذي كان لا يزال في فترة التدوين.
كما انهم وضعوا شروطاً خاصةً لقبول رواية الحديث: فكان “ابو بكر” لا يقبل الحديث من الراوي الا اذا ايّده شاهدٌ آخر، اما “عمر بن الخطاب”، فكان يطلب من الراوي البيّنة على صحة روايته، وكان “علي بن ابي طالب” يستحلف الراوي فيما يرويه.
وبالنظر الى ان الصحابة بشرٌ، يُخطِئون، وينسون، وقد تفوتهم بعض الكلمات، فقد كان من الطبيعي ان تختلط عليهم بعض الاحاديث:
ففي مسند الامام “احمد”، ان رجلان دخلا على “عائشة” فاخبراها ان “ابا هريرة” يُحدّث عن النبي (ص) انه قال: (الطيرة في الدار والمرأة والفرس) فغضبت، وقالت: والذي نزّل الفرقان على محمد ما قالها رسول الله (ص) قط، انما قال: (كان اهل الجاهلية يتطيّرون من ذلك).
وفي رواية يسوقها “مالك” ويؤيدها “مسلم” في صحيحه، ان “ابا هريرة” كان يقول: (من اصبح جُنُباً افطر ذلك اليوم)، وان “مروان بن الحكم” امير المدينة، طلب ان تُسأل “عائشة” و “ام سلمة” اُمّي المؤمنين في ذلك، فأنكرتاه، وقالت “عائشة”: (اشهد على رسول الله انه كان يصبح جُنُباً من جماع، غير احتلام، ثم يصوم ذلك اليوم). ولما راجعوا “ابا هريرة” في قول اُمّي المؤمنين، قال: (لا علم لي بذلك، إنما اخبرنيه مخبر)!!.
و”ابو هريرة”، هو من الصحابة الذين تأخر اسلامهم، ويذكر “البخاري” قوله: (صحبت رسول الله ثلاث سنين). ومع ذلك فهو اغزر الصحابة روايةً لاحاديث النبي (ص)، اذ يبلغ عدد ما رواه في الصحاح، آلاف الاحاديث!!. بينما يكتفي “علي بن ابي طالب” الذي صحب النبي منذ اول ايام الرسالة بـ خمسمائة حديث.
إن بداية تدوين الحديث بشكل فعلي ليصبح منظومةً، سيتأخر الى زمن “مالك بن انس” وما بعده، اي بعد ما يزيد على مائة عام من وفاة رسول الله، وعوضاً عن ان تكون الضوابط اكبر، وان تصبح شروط قبول الحديث اكثر دقةً، فتصبح شروط التواتر التي تم اتباعها في جمع القرآن اكثر حزماً في حالة الحديث، جرى العكس!!. وافرد الفقهاء فصولاً وكتباً ودراسات لإثبات حُجيّة خبر الواحد، كما فعل “الشافعي” الذي يقول: (اذا حدّث الثقة عن الثقة حتى ينتهي الى رسول الله، فهو ثابت عن رسول الله).
اما الثقة فان الشافعي يضع له شروطاً كثيرة ودقيقة، ولكنها للأسف لا تنطبق على صحابة النبي (ص) انفُسهم، لأنها ترتفع عن مفهوم البشرية احياناً، فقوله في الشروط: (. . . وان يكون “الثقة” ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع، لا يُحدّث به على المعنى) يخرج عن ابي هريرة من دائرة “الثقة” في حديثيه السابقين!!. علماً ان العلماء افترضوا ان الصحابة “جميعهم” عدول، اي ان جميع ما يروونه عن النبي صحيح بالضرورة. والصحابي بتعريف معظمهم، كل من شاهد الرسول (ص) او جلس معه ولو لمرةٍ واحدة!!.
هذه النظرة القدسية، تتعارض مع واقع نقد الصحابة لروايات صحابة آخرين -كما رأينا في مثال “عائشة”- وهي ايضاً تتعارض مع التاريخ والوقائع التي تثبت اقتتال الصحابة بعد وفاة النبي (ص)، وسعي البعض للمال والسلطة والجاه وغير ذلك.
وبالعودة لمفهوم “الثقة”، فإن “الطرابيشي” يشرح قائلاً: (كلما حدّث ثقةٌ جديد عن ثقة قديم، انضاف الى المدوّنة الحديثية حديث جديد، او في ادنى الاحوال تفصيل جديد الى حديث قديم، وهكذا بقيت المدوّنة الحديثية مفتوحةً للتراكم الى ما بعد قرن الصحاح، اي القرن الثالث الهجري)، ولتصبح هذه المدوّنة هي الاضخم من نوعها في جميع مأثورات الديانات الاخرى.
في القرن الثالث الهجري، يتصدى لموضوع دراسة المدوّنة الحديثية، علماء ودارسون اجلاء قاموا بجهد عظيم في محاولة لاستخلاص صحيح الحديث من سقيمه، وظهرت كتب الصحاح وعلى رأسها صحيحي “البخاري” و “مسلم”، واعتمد المحدّثون علم “الجرح والتعديل” لمعرفة الراوي الثقة، ولكن للأسف بقي لبّ المشكلة دون حل، فلا زال الصحابة جميعهم عدول، وكل ما يَروونه عن النبي (ص) ضروري الصحّة.
كما ان شروط الصحّة، تتعلّق بالسند -طريق نقل الحديث-، لا بالمتن -صلب الحديث-، اي ان كل حديث يثبت ان رواته “ثقة” قد قاله النبي بالضرورة، مما سيوقعنا في مشكلة اخرى..
فقد روى “البخاري” و “مسلم” -مثلاً- عن النبي (ص) قوله: (لا عدوى ولا طيره)، وانه لما قيل له إن النقبة [=اول اعراض الجرب] تقع بمشفر البعير فَتَجرب لذلك الإبل، قال: (فما اعدى الاول؟)… مثل هذا الحديث الصحيح وفق قوانين السند، يصطدم متنه مع حقائق العلم الحديث، والطب!!. لا بل انه يتعارض مع احاديث اخرى للنبي (ص)، صحيحة ايضاً، منها: (لا يورِدنّ ممرض على مصح)، (فِرّ من المجذوم كما تفرّ من الاسد)…
وعوضاً عن النظر الى المتن ووضع قوانين صارمةً لقبوله وفقاً لكثير من المحددات، اعتمد العلماء التأويل والتأليف!!، فقال “ابن خزيمة”: (لا اعرف انه رُوي عن النبي (ص) حديثان، بإسنادين صحيحين. متضادّان، فمن كان عنده فليأت به حتى أؤلف بينهما)!!.
لمعرفة خطورة كل ما سبق، يكفي ان نقرأ ما اورده “الشافعي” في “الأم”، يقول: (إن الله تعبّد الخلق بما شاء على لسان نبيّه، فلم يكن لأحد إدخال “لِمَ” ولا “كيف” ولا شيئاً من الرأي على الخبر عن رسول الله). ويقول ايضاً: (ليس مع السنّة حجّة، ولا فيها إلا اتباعها).
اذاً فمجرد ثبوت صحة السند، بخبر الواحد، يجعل الحديث صحيحاً، ويصبح “ابو هريرة” -وغيره- بأحاديثه عن النبي “مُشرِّعاً”!!. وبالتالي فليس عليك سوى إتقان صنعة علم الحديث واسلوب ربط السند، حتى تصبح “مُشرِّعاً” ويصبح كلامك مقدساً!!!.
قد يتساءل القارئ عن علاقة ما سبق بعنوان هذه السلسلة التي تقرأ في “طغيان الشرق”، والحقيقة ان ما سبق اسّس ويمكن ان يؤسس من جديد لطغيان بدلالات واسانيد وشرعية “المقدّس”
منظومة هائلة من الاحاديث التي تدخل في كل صغيرة وكبيرة، والتي لن يعدم كل طاغية ان يجد فيها مرجعاً، وداعماً، ومبرراً، لكل اعماله… سيجد شيوخ الطغاة حديثاً في الصحاح يحضّ على اتباع ولي الامر ولو “جلد ظهرك وأكل مالك” وسيجد الثوار حديثاً آخر يهتدون به: (اذا رأيت امتي تهاب ان تقول للظالم يا ظالم فقد تُودِّع منهم).
وسيجد قادة الفصائل والالوية، احاديث تُشرعن سرقاتهم وجَورهم على الناس، فإن عدموا ذلك في كتب الحديث، فلن تخذلهم كلمات واقوال مشايخهم ومراجعهم الذين اصبحوا يقدّسونهم كتقديس الصحابة، والذين اصبحوا “مُشرِّعين” بحكم وقائع الاشياء، دون الحاجة احياناً لحديث يدعمهم، فالتأويل جاهز دوماً لتصنيم النص، وتضييق هامش العقل
بعد يومين من قصة صاحبي الديمقراطي، قررت زيارته للتخفيف عنه، ولأعبّر له عن تقديري لما يقول وايماني انه يجب ان لا يتوقف عن شرح فكره وزرع بذوره، فهي -بدون شك- ستُثمر، لكنه فاجأني بالقول: (منذ نقاشنا، توقف عدد لا بأس به من “النزلاء” عن الوقوف معي، ومنهم من يتجنّبني، ولا يُجيب على سلامي، ولدى السؤال، تبين ان “الشباب” يُشيعون ان لدي “فساد في العقيدة”، وان الاقتراب مني غير محمود، اما النقاش معي وسماع افكاري، فهو مُحرّم!!.
في الحقيقة، ما حصل مع صديقي عمره مئات السنين، فكل من يختلف مع “الشباب” في الرأي يصبح له قالب: فلان مُعتزلي، والآخر ظاهري، والثالث صوفي او شيعي او مستشرق، او مبهور بثقافة الغرب او او او، والجميع… “انتبهوا منهم”، بأفضل الاحوال يمكنك ان تكتفي بالابتسام لهم دون ان تخوض معهم بنقاش او تسمعهم “مرضهم يُعدي يا اخي، الله يجيرنا”!!.
يقابل كل ما سبق، شريحة سيسرّها كل ما ذكرت، لتؤسس عليه دعواتها القديمة الجديدة، ليس الى فصل الدين عن الدولة فحسب، ولكن لفصل الدين -الذي يؤرقهم- عن كل حياتنا إن امكن، فهل هذا هو الحل؟…. (يتبع).