د. أسعد الصالح: الضربة الأمريكية وفتح باب السلام

د. أسعد الصالح: كلنا شركاء

جريمة استخدام الأسلحة الكيماوية في سورية لم تمر هذه المرة، رغم أن المأساة الإنسانية لن يتم محوها من الذاكرة بصواريخ.  الضربة الصاروخية الأمريكية (صباح السادس من إبريل  ٢٠١٧) ضد قاعدة سورية عسكرية تحتضن طائرات متهمة بجرائم ضد الإنسانية لا تعني كثيراً على أرض الواقع دون رسالة موجهة للأسد. في المجال العسكري هناك فائدة لعنصر التهديد. الدول لا تعتدي على جيرانها لأنها مهددة باستخدام القوة. التهديد هو أن يشعر صاحب القوة أن هناك من هو أقوى منه ويمكن أن يستخدم القوة ضده كما سوغ لنفسه استخدامها ضد من هم أضعف منه. لم ترسل بعد الإدارة الأمريكية رسالةً واضحة للأسد ولا للأطراف السورية لإنهاء الصراع، رغم قدرتها العسكرية على إرسال صواريخ متطورة تصل إلى أهدافها خلال دقائق. لو قالت الإرادة الأمريكية إنها ستستهدف كل من يقف في وجه السلام في سورية، لكان هذا الخطاب الصاروخ الأكثر جدوى. التهديد المدروس وإظهار القوة الرادعة قد يؤدي دوراً أفضل من استخدام القوة العسكرية نفسها. لو تم قصف كل مطار تطير منه طائرة تضرب المدنيين، لتوقفت الضربات الجوية بعد أول مطار يتم قصفه. لكن إلى الآن ليست الرسالة واضحة. القوة العسكرية عند النظام تعرف حدودها ولكن هذه الضربة نبهت إلى هذه الحدود.

 لكن هناك رسالة يجب فهمها: الضربة الأمريكية من المستحيل أن تؤدي إلى تصعيد عسكري يؤدي إلى إسقاط النظام السوري عسكرياً، لأن هذا ليس خياراً أمريكيا أو غربياً. السبب في ذلك قائمٌ على تفكير استراتيجي أكثر منه العاطفة، وهذا التفكير مبني على هاجس الفوضى التي سيعقبها سقوط النظام. لم يعد إسقاط النظام في عام ٢٠١٧ هو نفسه إسقاط النظام في عام ٢٠١١. هذه حقيقة لا يريد أكثر المعارضين أن يستوعبوها. الإجرام المنسوب للنظام لم تنخفض وتيرته، لكن ظهرت تيارات إجرامية محسوبة على المعارضة لا يمكن التستر عليها. الغرب لا يحب التفاهم مع تيارات متعددة ويفضل التعامل مع “رأس كبير”. لذلك يبقى الأسد بالنسبة للغرب أكثر قابلية للتفاهم من جماعة يقودها أبو فلان أو أبو علان. لكن لماذا التفاهم مع الأسد لا بديل عنه، رغم كل ما يُنسب إليه من جرائم ورغم كونه حالة دكتاتورية لا مجال للطعن فيها؟ لأن الوضع الآن ليس بالبساطة التي ربما كان عليها منذ سنوات، وربما يكون الرد الأمريكي بهذا الحزم متأخراً كثيراً، وهذا من إخفاقات الرئيس السابق أوباما.

 بالنسبة لكثير من السوريين بما في ذلك من لا يريدون الأسد يتم النظر إلى من عارضوا الأسد (عسكرياً أو سياسياً) بعين الشك.  يتم اتهام المعارضة أنها ليست نزيهة وأن بعضها باع نفسه للدعم الخارجي أو للتطرف الديني الطائفي. يبقى معلقاً هذا السؤال: هل هذه المعارضة يمكن للسوريين أن يسلموا دولتهم لها كبديل عن الأسد؟ هل النصرة ربيبة القاعدة معارضة؟ هل المحيسني يريد سورية بلداً ديمقراطياً أم أنه يريدها أكثر سلفية من السعودية التي تركها؟  النظرة إلى النظام ليست أقل تعقيداً من النظرة إلى المعارضة. النظام والمعارضة هما نقطة عدم التقاء بين أكثر السوريين: فالمؤيدون للنظام وبحجة “فائدة” النظام يتغاضون عن الجرائم المرتكبة من قبل الجيش أو الشبيحة، وكأن الجيش السوري عبارة عن ملائكة. أما المعارضون للنظام، فهم أيضاً لا يستوعبون الحقائق على الأرض والتي مفادها أن الإرهاب فعلاً وجد أرضاً له في سورية وأنه ينتظر ضمور الدولة السورية حتى يستولي على الأرض والشعب ويجعلهم حقل تجارب لمشاريعه المسماة “إسلامية”—ولك أن تتخيل سورية وهي مقسمة بين داعش وأحرار الشام والنصرة والفصائل الأخرى وكل حزب بما لديهم فرحون وكلٌ يكفر ويخون الآخر، ولا يقبل صلحاً ولا هدنة ولا يمكن التفاهم الداخلي أو العالمي معهم. لذلك فإن الإدارة الأمريكية لن تدخل في حرب تقضي فيها على النظام لأنها مثل كثير من السوريين مقتنعة بعدم وجود بديل قادر على الإمساك بزمام الدولة السورية في حال سقط الأسد عسكرياً. البديل قد يكون الفوضى وهذا وارد في الحسبان رغم أن كره الأسد قد لا يجعل كثير من المعارضين يفكر في هذا النطاق.

 في هذا السياق تأتي الضربة الأمريكية، كما أراها، مناسبة لإرسال رسالة وفرصة للنظام السوري لكي يقتنع بالحل السلمي ويتوقف عن الحل الأمني الذي جعله من أكبر مجرمي الحرب، رغم كل خطابات المظلومية التي يستخدمها. الأسد هو من بدأ العسكرة وهو من يجب أن ينهيها. الإرهاب لا يمكن قبوله في سورية ولو تلون بكل ألوان المعارضة وغير جلده مرات ومرات. في الفترة الأخيرة صار الأسد لا يهتم بالتوجه الغربي للوصول إلى حل معقول، بل كان يميل إلى الاعتماد على الدعم الروسي والإيراني غير مكترث بالوضع الإنساني المتزايد تدهوراً بسبب تمكسه بالحكم. جريمة خان شيخون جعلته يبدو أكثر استهتاراً بأرواح الأبرياء الذين تعاطف معهم الرئيس ترمب في خطابه الأخير (خطاب الضربة) بينما لا يخطر على بال الأسد أو الجعفري أن يتعلموا درساً في الخطاب السياسي وأن يتأسفوا (ولو كذباً) على سقوط الأطفال ضحايا الحرب.

 قد تصل الرسالة إلى بشار الأسد في ضرورة عدم الاستهانة بما يمكن ان تفعله أمريكا بنظامه. لقد كان للولايات المتحدة مع صدام حسين مناوشات طويلة بعد جريمة احتلال الكويت، ولم يُحسن الرئيس العراقي آنذاك التعامل مع ما كان يسمى “الإرادة الدولية” والتي قد تترك بعض الرؤساء يرتكبون بعض الحماقات ولكن قد تنقض عليهم في الأخير دون تعقل ولا تفكير بالنتائج.

إذن على الأسد أن يتوقع وصول رسالة واضحة له وهي ضرورة الذهاب إلى طاولة الحل السياسي قبل أن تنقلب الطاولة على رأسه. وعلى القوى المسلحة في سورية غير المعترف بها على أنها معتدلة أن تفهم من هذه الضربة ان أمريكا لن توفر أحداً وقد تستخدم القوة في أي وقت وفي أي مكان، لذلك فإن خيار السلام الذي ترعاه الدول الغربية يجب فرضه على الجميع في سورية. يبقى السلام وإنهاء الحرب هو الخيار السوري الوحيد الذي يضمن عودة اللاجئين واسترجاع كرامة السوري الذي تمت اهانته على كافة الأصعدة، بما في ذلك ضربة أمريكية على بلده. إنها فرصة للسلام الذي نادراً ما يأتي دون الشعور بالتهديد، والكل الآن في سورية مهدد وهذا ربما هو الدافع لكي يقروا بأنه لا حل سوى بالسلام.