محمد ملص وزقزقة عصافير جادة بورقيبة

كلنا شركاء: هوفيك حبشيان- النهار

فاز المخرج السوري محمد ملص بـ”التانيت الذهب” مرتين، شأنه شأن التونسي نوري بوزيد والجزائري مرزاق علواش. المرة الأولى عن “أحلام المدينة” عام ١٩٨٤، والثانية يوم اسندت اليه الجائزة الشهيرة عن “الليل” بعدها بثماني سنوات. كان ملص مشاركاً في الدورة الأخيرة من “أيّام قرطاج” (٢٨ تشرين الأول – ٥ تشرين الثاني) التي احتفت بخمسينية تأسيس هذا الحدث المغاربي الكبير، ونال فيها وسام الاستحقاق الوطني. قبل ثلاث سنوات، حلّ “أحلام المدينة”، سادساً في قائمة مهرجان دبي لأهم مئة فيلم في السينما العربية. على الرغم من الحرب التي اندلعت في بلاده ودمّرت مناطق كاملة، لا يزال ملص يعيش في سوريا، وهو يداعب حلم انجاز “فيلم أخير”، ولكن ليس بالمعنى التقليدي. في انتظار ذلك، كانت لنا جلسة ذكريات مقتضبة معه، روى فيها زيارته الأولى لـ”أيام قرطاج”.

“نحن اليوم في خمسينية مهرجان قرطاج، وهو كي يستمرّ ويحتفل بخمسينيته، معناه أنّ كماً من التنويريين أسّسوه بوعي ومعرفة، على رأسهم الطاهر شريعة. عرف هؤلاء كيف لهم، وسط ذلك العصر والمرحلة، أن يؤسّسوا مهرجاناً يمتلك مقوّمات الاستمرار، مهرجان سينما مختلفة، لا تخضع للمعايير التجارية السائدة في السينما العربية آنذاك، خصوصاً أنّ سينمات العرب خارج مصر وفي أفريقيا، لم تكن سوى طلائع أولوية من هذه الأفلام الخاصة كعثمان صمبين وسليمان سيسه ويوسف شاهين على سبيل المثال. هذه الأسس التي احتضنت – من خلال أفكارٍ صاغتها لنفسها – كلّ محاولة قادمة بهذا التوجّه، أدّت إلى أن تجد السينما التي حاولنا نحن كجيل، سواء في سوريا أو الجيل الذي كان في تونس آنذاك، أن يؤسّسها. مهرجان قرطاج احتضن هذه المحاولات وقدّرها. لذلك، كسينمائي، استطعتُ بعد عرض “أحلام المدينة” الذي حاز على “التانيت الذهب”، واعتباراً من تلك اللحظة، أن أقف على قدميّ كسينمائي في بلد لا يحتضننا بالمعنى الفعلي والعميق للكلمة، أو يحتضن أفلامنا، لذلك كأنني أردتُ في “الليل” أن أردّ الجميل وأخضعتُ نفسي لظروف صعبة، فجئتُ بهذا الفيلم في اعتباري أعطيت وعداً بتقديم العرض الأول منه في قرطاج، فحمّلته على بندين، الأول للصورة والثاني للصوت، قبل التمكّن حتى اللحظات الأخيرة من المهرجان، من إنجاز النسخة التي ينبغي أن تُعرض. أعيش ردّ الجميل للمهرجان. فوجئتُ أنّ عثمان صمبين الذي أقدّره جداً كقامة افريقية سينمائية وأدبية، وهو كان رئيس لجنة التحكيم آنذاك، صرخ: “التانيت الذهب لمن؟”، وإذا بالصالة تصرخ معه: “لا نوي لا نوي لا نوي!”. كانت مفاجأة حقيقية. ينبغي للمهرجان أن يكون قد وثّق هذه اللحظات. لكننا بلا وثائق، نخرّب ولا نبني. ما يعنيني في قرطاج، وما أستطيع تذكّره، هو ذاك الاحتضان الجميل في كلّ مرة آتي فيها إلى هنا. ففي المرة الأولى التي أتيتُ فيها إلى تونس مع “أحلام المدينة”، استمعتُ إلى زقزقة العصافير في جادة الحبيب بورقيبة. لا نزال نسمع الزقزقة. إنّها الشيء الوحيد الباقي حتى اليوم. أشياء كثيرة تتغيّر. العصافير لم تتغير.

تسألني عن الجو السياسي في تونس آنذاك؟ اعتبرتُ أنّ النظام السياسي في تونس آنذلك، ورغم الاختلاف الكبير، تلميذٌ جيد للنظام في سوريا. تلميذ حاول تقليده، لكنه لم يمتلك القدرة عينها التي لا تزال في سوريا. الزمن هو الذي يرسم ملامح الأشياء. في الثمانينات والتسعينات، عشنا البذور الأولى للنهوض، وصدّقنا بأنّ هذه الأنظمة السائدة في المنطقة العربية هي أنظمة كاذبة. لم نفقد الثقة بذلك. لهذا طرحنا الرغبة في التغيير، والوقوف في وجه علل مجتمعاتنا ومشكلاتها وطموحاتها وأحلامها. من أجل ذلك، كان “أحلام المدينة”. استولدت هذه المرحلة النوع والأسلوب والممارسة التي ساقت المنطقة والبلاد العربية إلى ما هي عليه. اليوم، المرحلة تغيّرت. يجب ألا ننسى أننا أكثر قدرة على كشف الأكاذيب. انكشفت الأشياء حتى القاع، وأصبح كلّ شيء واضحاً”.

اقرا:

(محمد ملص) رئيسا للجنة تحكيم مهرجان وهران الدولي للفيلم العربي