طاهر سعود: روسيا والعلويين..

طاهر سعود: كلنا شركاء

من يحتاج منهما فعلياً لحماية الآخر في سوريا جاء التدخل العسكري الروسي في سورية، منتصف آب (أغسطس) 2015 تحت ذريعة محاربة تنظيم (داعش) الإرهابي. الذي شاركت روسيا نفسها في تصنيعه مع وإيران، والنظام السوري؛ بهدف إغراق المنطقة بالفوضى، تمهيداً لتقسيمها.

وأدعى الروس بادئ الأمر أن عملياتهم العسكرية في هذا البلد سوف لن تستغرق أكثر من ثلاثة أشهر. لكنهم عادوا بعد مرور عام عليها وأعلنوا أنها بلا سقف زمني.. وكان انجازهم الذي حققوه خلال تلك المدة في سوريا؛ هو نجاحهم بالإبقاء على النظام العميل لهم فيها، وإنقاذه من سقوط كان محتماً. وقد اتخذوا منه أداة (لتشريع) احتلالهم العسكري لسوريا. فوقّعوا معه اتفاقيات تنتهك بوقاحة وفجور السيادة الوطنية للدولة السورية.

وقد مكّنتهم تلك الاتفاقيات غير الشرعية من إقامة العديد من القواعد العسكرية الدائمة لهم في البلاد؛ أبرزها قاعدة حميميم الجوّية، التي يتّخذون منها الآن مركزاً رئيسياً لقيادة عملياتهم الحربية في سوريا، ومقراً للتنسيق والتعاون الأمني والعسكري مع بعض الدول المجاورة، وبخاصة (إسرائيل) الدولة المعادية لسوريا، التي تحتل جزءاً من أراضي الأخيرة، هي مرتفعات الجولان، وترفض إعادتها للوطن الأم. وأيضاً من قاعدة حميميم يدير الروس شؤون الحكم داخل سوريا نيابة عن النظام فيها. وليس للدولة السورية أي شكل من السلطة على تلك القواعد العسكرية الروسية، طويلة الأمد فوق الأراضي السورية. وهي مجانية بالكامل؛ فلا يدفع الروس مقابل مالي للجانب السوري لقاء استخدامهم لها. وكذلك هي معفاة من الضرائب لحكومة النظام. ولا يحق لسلطات الدولة السورية مستقبلاً الطلب إلى موسكو بإغلاقها.

كما أن جميع الروس العاملين فيها محصّنون كلياً ضد القضاء السوري؛ الذي ليس من حقه ملاحقتهم على جرائمهم المرتكبة ضمن الأراضي السورية.. لكن الروس، وبعد مرور أكثر من عام على تواجدهم العسكري المباشر في سوريا، لا يبدو أنهم مطمئنّون لما حققوه من بعض أهدافهم التي من أجلها أتوا إلى هذا البلد. إذ أنهم وبرغم ممارستهم أقصى ما يستطيعون فعله من استخدام مفرط للقوة الوحشية؛ لم يفلحوا في القضاء تماماً على المعارضة السورية المسلحة، وهو من أهم أهدافهم في سوريا. ولم يستطيعوا عبر الضغط العسكري الكثيف والمتواصل إضعافها بالقدر الذي يمكّن حليفهم النظام من تحقيق انتصار حاسم عليها. وهو ما يعني فشلاً لإستراتيجيتهم المطبقة بسوريا. والتي تقوم على أساس التخلص من المعارضة السياسية عبر القضاء على المسلحة منها؛ باعتبار أن الثانية هي مرتكز القوة للأولى. وتجريد المعارضة السياسية المفاوضة للنظام من مصدر قوتها هذا؛ سيعني بحسب الفهم الروسي تهميشها، تمهيداً لإخراجها من المشهد السياسي، وإحلال معارضة مزيّفة مصنّعة في موسكو مكانها؛ بحيث يحل فيها قدري جميل، وهيثم المنّاع، ورندا قسيس.. مكان باسمة قضماني، ومنذر ماخوس، ورياض حجاب..

وفيما لو تحقق لروسيا ذلك؛ فهذا سيمكّنها من الاستفراد بإدارة حوار شكلي، خارج إطار شرعية الأمم المتحدة، بين دميتيها؛ النظام من جهة، والمعارضة المزيّفة التابعة لها من جهة أخرى. ينتج عنه توقيعهما اتفاق (سلام) معدّ لهما مسبقاً، يعلن من خلاله عن إنهاء الصراع في البلد، واشتراك (الطرفين) بحكومة (وحدة وطنية) تبقي على النظام الحالي كما هو، وبذات وظيفته السابقة. بعد استبعاد من هم فيه من غير عملاء موسكو، واستبدالهم بعملاء لها مما يسمى (معارضة موسكو).

ولقد فشلت تلك اللعبة الروسية حتى الآن؛ نتيجة عجز قادة الكرملين عن تحقيق انتصار حاسم لهم ضد المعارضة السورية المسلحة، كما كانوا يأملون. ولم تنفعهم فيها سياسة الأرض المحروقة التي اتبعوها، واستخدموا فيها أحدث ما في ترسانتهم العسكرية من أسلحة تقليدية، وأخرى محظورة دولياً.. وأمام هذا الواقع، اتجهوا بدافع العجز، وفائض الغضب والحقد، وهوّس الانتقام؛ إلى شن حرب إبادة شاملة ضد الحاضنة الشعبية للثورة السورية؛ باعتبارها تشكّل مصدر الدعّم وحافز الصمود لفصائل المعارضة السورية المسلحة. حيث يعمل الروس حالياً على إفراغ المدن السورية من أهلها المدنيين، وخاصة في مدينة حلب العريقة؛ عبر عمليات التدمير الوحشي الممنهجة لأحيائها السكنية، وتهديم منازلها فوق رؤوس ساكنيها المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ. وقصف المستشفيات والمراكز الصحّية، والمخابز، ومحطات المياه والكهرباء، والأسواق التجارية. وتدمير كافة مرافق البنى الأساسية فيها؛ لجعل الحياة مستحيلة بتلك المدن. مستفيدين في ذلك من تواطؤ المجتمع الدولي، الذي لم يبد حتى اللحظة أي اهتمام يذكر لما ترتكبه روسيا من جرائم حرب شائنة، وجرائم بحق الإنسانية في سوريا. ولم يفعل شيئاً لردعها عن مواصلة ارتكاب المزيد من مجازرها المروّعة ضد المدنيين، والعمل بجدّية على إنقاذ الشعب السوري من تلك المحرقة الروسية الرهيبة..

ويعمل الروس في ذات الوقت على تهميش النظام السوري، الذي يتّخذون منه الآن واجهة يحكمون سوريا من ورائها. إذ يرغبون في بقائه كصورة في السلطة. لكن على أن يكون ضعيفاً إلى الحد الذي لا يقوى فيه على حماية نفسه، والاستمرار من دون دعمهم المباشر والدائم له. فقد عمدوا على تقزيم دور بقايا جيشه الرسمي لصالح ميليشيات مسلحة تخضع لسلطتهم المباشرة. وضمنوا ولاء أجهزته الأمنية، التي باتت اليوم في خدمة قيادة قاعدة حميميم الروسية. ونجحوا في استمالة حاضنته الشعبية، ممثّلة بالطائفة العلوية. وهم يعوّلون كثيراً في بقائهم الدائم بسوريا على دعم تلك الطائفة لهم. ولم يجد الضباط والجنود الروس صعوبة في كسب ودّ أهالي القرى العلوية المجاورة لقاعدتهم العسكرية الجوّية في بلدة حميميم السورية (5 كيلومتراً إلى الشمال عن وسط مدينة جبلة الساحلية). وسريعاً خلقوا جوّ من الألفة والحميمية معهم. وبات أولئك العلويون ينظرون إلى الروس في سوريا باعتبارهم حماة لهم. ويجّدون في الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بطلهم، ويطلقون عليه تحبباً لقب (أبو علي) في دلالة إلى قوته، التي يتخيّلونها تخيف الغرب..

وكان الروس قد مهّدوا لتلك العلاقة الإيجابية لهم بالعلويين في منطقة الساحل السوري من خلال عملائهم المحليين فيها. وتمكّنوا عبر هؤلاء العملاء السريّين من إقناع الشريحة العظمى داخل الطائفة العلوية بأن التواجد العسكري الروسي في بلادهم؛ هدفه حمايتهم من خطر ديني متطرف يتهدد وجودهم في وطنهم. وهو ما كانت عملت على ترسيخه لديهم أجهزة أمن النظام. وكذلك استطاع الروس بواسطة عملائهم السريّين إقناع العلويين بأن هنالك توافق دولي على اعتبار حمايتهم من مسؤولية موسكو. مؤكدين لهم أن مستقبلهم مع روسيا سيكون الأفضل بالنسبة إليهم، وبمساعدتها ستتاح لهم فرصة تحقيق طموحاتهم السياسية، و(أحلامهم التاريخية)؟!!.. إذ أن للاستخبارات الروسية شبكات واسعة وناشطة من العملاء السريّين داخل الطائفة العلوية في سوريا. يمارس أغلبهم نشاطاته التجسسية من خلال أطر قانونية ضمن أحزاب يسارية (شيوعية) معترف بها رسمياً، وتعمل لحساب موسكو. وجنّد بعضهم أثناء الحقبة السوفييتية، خلال فترة دراستهم في جامعات ومعاهد (الاتحاد السوفييتي) السابق. وزوّج الكثير منهم بنساء روسيات، أنجبن أجيالاً جديدة من العملاء السريّين المزدوجي الجنسية (الروسية والسورية). وكان لأولئك الجواسيس العلويين دوراً بالغ التأثير أثناء الفترة الماضية في إقناع أبناء طائفتهم بتأييد التواجد العسكري الروسي في سوريا، وعدم التعاطي معه بكونه احتلالاً أجنبياً لبلادهم، كما يعتبره باقي السوريين.

لقد بات العلويون يشعرون اليوم أنهم قد أصبحوا أكثر أماناً بعد التواجد العسكري الروسي في سوريا. ويعتبرون هذا التواجد في مصلحتهم أولاً. فبحسب فهمهم، يعتقدون بأنه يحمي وجودهم من خطر متوحش يتهدد بقاءهم في وطنهم؛ تمثّله فصائل (إسلامية) متشددة، محسوبة على المعارضة. ويدللون على جدّية هذا الخطر بالخطاب التكفيري الذي تتوجه إليهم به فصائل (إسلامية) متطرفة. ويذكّرون بأن بعض هذه التنظيمات السلفيّة التكفيرية، قد اختطفت في خريف العام 2013 مجموعة من نسائهم وأطفالهم من قرى اللاذقية لاستغلالهم جنسياً. وما زالت تحتفظ بالعشرات منهم إلى اليوم. كذلك ينظر العلويون إلى التواجد العسكري الروسي في سوريا؛ على أنه قد حررهم من تبعية مذلّة للإيرانيين الفرس، الذين قدموا مع ميليشياتهم الطائفية المتعددة الجنسيات لإنقاذ النظام. لكن تصرفاتهم على الأرض لم تكن مقبولة على الإطلاق. إذ راحوا يتعاملون مع العلويين بالكثير من العجرفة والاحتقار. وأخذوا يتدخلون بأمور بالغة الحساسية تمسّ صلب المعتقدات الروحية عند أولئك العلويين؛ من خلال محاولة فرض فهم جديد عليهم فيما يخص جوهر مذهبهم الإسلامي الظاهري (الشيعي الجعفري الإثنا عشري)، وتكييفه بالتلاعب ليتلاءم مع نظرية الولي الفقيه (السياسية) المطبقة في إيران. ومحاربة طريقتهم الصوفية الباطنية (العلوية)، والتي هي عند أتباعها أهم بكثير من مذهبهم الديني الظاهري.. وهناك شريحة وازنة ضمن الطائفة العلوية، جلّها من اليساريين، وجدت بأن ثقافتها العلمانية مهددة من قبل المحتلين الإيرانيين بنقيض ديني متشدد؛ لا ينسجم وطريقة تفكيرهم، ونمط وأسلوب عيشهم المتحرر.

ومع قدوم الروس إلى سوريا تنفّس أولئك العلمانيون اليساريون الصعداء.. ويعتمد الروس في سوريا سياسة الإغراء والرشوة مع حاضنة النظام الشعبية، وضباط جيشه وأجهزته الأمنية. إذ يمنح الرئيس بوتين الجنسية الروسية لمن يقدّم من السوريين خدمات، ولو متواضعة إلى جنوده العاملين في سوريا. كما ويقلّد ضباط جيش واستخبارات النظام المتعاونين مع المحتلين الروس الأوسمة الرفيعة. ومن بين من تمّ تكريمهم من قبل الروس العقيد السوري المثير للجدل سهيل الحسن، المقرّب جداً من رأس النظام؛ الذي نال ثاني أرفع وسام في روسيا الاتحادية. ويقود الحسن، الملقب بـ (النمر) ميليشيات من مقاتلي (الشبّيحة)، يحظون برواتب عالية. وقد صنع له جهاز الاستخبارات الجوّية السوري، الذي يتبع له هذا الضابط نجومية واسعة. وصوّر داخل طائفته العلوية بهيئة البطل الأسطوري، مع أنه في الواقع أشبه بمهرّج سخيف..

لقد تمكّن الروس والنظام العميل لهم في سوريا؛ من خداع الغالبية الساحقة من أبناء الطائفة العلوية، وإقناعهم بوهّم وجود خطر يتهدد بقاءهم في أرض أجدادهم، من قبل شركاء لهم في الوطن. واستثمروا لعبة التخويف هذه بزجّ الطائفة من خلالها في حرب قذرة ضد المعارضة، والشعب المطالب باستعادة حريته وديمقراطيته.. فأهمية الإمساك بالطائفة العلوية، والاستقواء بها، تبدو بالنسبة للنظام والمحتلين الروس أمراً مصيرياً؛ إذ من دونها لا وجود لحليف لهما، أو متعاطف معهما بين السوريين. وخشية الروس هو من حصول اختراق وطني، أو صحوة أخلاقية؛ تغيّر في المزاج العلوي العام تجاه النظام والوجود العسكري الروسي في سوريا. ومن السهل في هذه الحالة تخيّل حصول تقارب، ولو في أضيق الحدود بين أبناء الطائفة العلوية، والمعارضة السورية المسلحة؛ بحيث تصبح القواعد العسكرية الروسية في الساحل السوري تحت مرمى نيران ثوار المعارضة. أو ظهور مجموعات وطنية تعلن من داخل الطائفة الحرب على المحتلين الروس.. فالروس والنظام معاً عاجزون عن حماية أنفسهم في الساحل السوري من دون تعاون الطائفة العلوية معهما.

 





Tags: سلايد