معقل زهور عدي: في مواجهة الدب الروسي

معقل زهور عدي: كلنا شركاء

أصبح واضحا أن المعارضة السورية السياسية والعسكرية غير قادرة على مواجهة التحالف الثلاثي ( روسيا – ايران – النظام الحاكم ) وأن دعم أصدقائها محدود لا يتناسب مع قدرات واندفاع التحالف الذي تواجهه , وبالتالي بات ضروريا التفكير في البحث عن المخارج من حالة الاستعصاء التي تنذر بانهيار كل ما كسبته المعارضة خلال السنوات الماضية , وتأتي نتائج معركة حلب لتقضي على أي وهم حول قدرة المعارضة على المضي في القتال دون أفق سياسي .

ومثلما هو ضروري وراهن اعادة الاعتبار للطابع الوطني الديمقراطي للثورة السورية , ولأدواتها السلمية والشعبية , فان من الضروري أيضا دراسة طبيعة التحالف الذي تواجهه , والعمل على تفكيكه بدلا من العمل على زيادة تلاحمه بغباء ودون وعي .

ويأتي في مقدمة ذلك محاولة فهم الاستراتيجية الروسية تجاه سورية كي يمكن التعامل معها في اتجاه دفع روسيا للابتعاد عن المحور الايراني – السوري .

ماذا تريد روسيا ؟

تدخلت روسيا في سورية كما يعلم الجميع عندما اقترب وضع النظام السوري من الخطر بعد أن فشل الدعم الايراني المتعدد الأشكال بما في ذلك دعم ميليشيا حزب الله في ضمان أمن النظام واستقراره , وبعد أن طلبت القيادة الايرانية بالحاح تدخل روسيا وعرضت بالتأكيد استعدادها لتحمل تكاليف ذلك التدخل , لكن ذلك لم يكن خارج الرؤية الروسية للوضع السوري , فروسيا سابقا كانت متورطة في دعم النظام سياسيا وفي الأمم المتحدة , كما كانت متورطة في مده بشحنات الأسلحة وتقديم الدعم في ميدان الاستطلاع والمستشارين .

منذ بداية التحركات الشعبية عام 2011 اتضح الموقف الروسي الداعم للنظام , فروسيا لاترى بديلا عن النظام الحاكم لضمان مصالحها في سورية , وتنظر بارتياب كبير لصعود التيارات الاسلامية داخل المعارضة , وبالنسبة لها لايعني انهيار النظام ضياع كل ما قامت باستثماره في سورية لعقود طويلة وحسب , بل يعني خطر وقوع سورية تحت سيطرة الاسلاميين بمختلف تلاوينهم مما يهدد بجعلها بؤرة تصدير للحركات الاسلامية الراديكالية باتجاه الجمهوريات الاسلامية المحيطة بروسيا وباتجاه روسيا نفسها التي يعيش فيها أكثر من 28 مليون مسلم يشكلون ما يقرب من 20% من السكان .

في سياق تدخلها العسكري انتقلت روسيا بالتدريج من استراتيجية الضربة الجوية القادرة على اضعاف المعارضة الى حد ضمان تفوق النظام على أن يتم انجاز ذلك خلال ثلاثة أشهر أو أكثر قليلا الى استراتيجية قصم ظهر المعارضة في معركة حلب المفصلية , وقد حدث ذلك الانتقال بعد أن لمست روسيا ضعف قدرات النظام خصوصا أمام هجمات المعارضة التي كادت تفلح في فك الحصار عن حلب والاستيلاء على أهم المراكز العسكرية في المدينة .

وبكلام آخر فقد وجدت روسيا نفسها مجبرة على خوض معركة حلب لتحقيق تفوق حاسم  للنظام على المعارضة لم يكن بالامكان تحقيقه بالضربات الجوية خلال سنة كاملة .

هدف روسيا هو تحقيق تفوق حاسم للنظام يضمن أمنه واستقراره وليس حسم الصراع عسكريا كما هو هدف النظام وحليفه الايراني .

روسيا تدرك كدولة كبرى , ومن خلال تجربتها الأفغانية خطورة التورط في حرب طويلة الأمد في سورية , كما أنها تدرك ضرورة التسوية والحل السياسي الذي يترك للشعب السوري نافذة من الأمل في تغيير سياسي , ويفتح صفحة جديدة تطوي صفحة الاقتتال والدم والمآسي الهائلة .

ليست روسيا مقتنعة بقدرة النظام وحليفه الايراني على حسم الصراع بالقوة العسكرية دون تدخلها الكثيف والمستمر , وهي ليست مستعدة للتورط في مثل ذلك التدخل غير المحدود .

بالتأكيد لايتفق تصور روسيا للحل السياسي مع تصور المعارضة السورية , ولا يحقق الحد الأدنى الذي يقنع الشعب بانتهاء الصراع , مع ذلك لابد من اللعب على التناقضات بين الحلفاء , ولا بد من العمل على تفكيك ذلك التحالف , فاستمراره خطر كبير يحدق بالثورة السورية .

وفي حين أن أحد أهم الدروس من معركة حلب يتمثل في عدم الثقة بدعم أصدقاء سورية الافتراضيين فان من الحماقة بمكان ادارة الظهر لهم , بل وتبني خطاب عدائي تجاههم .

ثمة فرق كبير بين ما تختزنه مشاعرنا من احباط وألم ومرارة بحجم مأساة حلب وبين ما يتوجب ادراكه وفعله للخروج من المأزق الذي نحن فيه .

ولايحتاج الأمر فقط الى قادة أكفاء لتوجيه دفة السفينة التي تحيط بها الأمواج ولكن أيضا وبصورة أكثر أهمية لوعي ذلك لدى الشعب ونخبه المثقفة الغارقة حتى الآن في جلد الذات وكيل الاتهامات بدلا من التفكير بكيفية الخروج من خطر التصفية لثورة دفع الشعب باهظا ثمنا لها .





Tags: محرر