د. أسعد الصالح: فشل المعارضة المسلحة.. حقيقة أم وهم ؟

د. أسعد الصالح: كلنا شركاء

عودة إلى الأصل: لو قلنا للمعارضة المسلحة في أوج ما كان يسمى انتصارات إن معارضتهم المسلحة فاشلة، لن يسمعوا الكلام بسبب نشوة النصر الفارغ. إذا عدنا إلى الوراء أكثر، فإن الثورة السورية في بدايتها لم يكن من أهدافها التسليح. لم يكن المتظاهرون يريدون جيشاً حراً ولا فزعة عربية أو نصرة قاعدية. رغم أنه كان هناك صفحة (الثورة السورية ضد بشار الأسد) والتي كانت في بداية الثورة تنزل أسماء للجمع وتحاول بطريقة مريبة أن توجه الثورة على هواها، فإن الشعب السوري كان منقسماً ولم تمثله لا الصفحة ولا الثورة ولا النظام. ظهرت دعوات تسليح وتجييش السوريين بحجة ان بشار اضطرهم لذلك. دعوة صاحبها نداء العقلاء في المدن السورية للمسلحين أن يبتعدوا عن المدن والحارات، ولكن جماعة “تسليح الثورة” رفضوا الانصياع. كما قال لي أحد الأصدقاء حينها: البندقية هي التي تمثل الناس. رفضت فكرته ولكن كان الاتجاه السائد عند أكثر معارضي بشار هو: ترك التسليح يأخذ “حريته” على حساب المدن السورية التي يصر جيش وشبيحة النظام على قصفها طالما أن فيها بعض المسلحين. حتى المعارضة السياسية ربطت نفسها بنفس الدول التي تدعم المعارضة المسلحة وصارت تظن نفسها صاحبة القرار على الأرض. لكن في الحقيقة المسلحين بدأوا يخرجون منذ سنوات عن السيطرة.

بالتوازي بدأ الإعلام يجهز لتسليح الثورة وأسلمتها منذ مراحلها الأولى: عمليات ضد النظام صارت تسمى بطولة وصار هناك “أبطال” ثوريون حتى لو كانوا ملثمين لا تُعرف قرعتهم ولا أصلهم. صار هناك “فطايس” للنظام و”شهداء” للمعارضة. تم إدخال الدين ليعطي كل فريق ما يسوغ له أعماله. النظام عنده علماء والمعارضة عندها علماء والإرهاب عنده علماء! الكل يدعي أنه على حق وأن حربه في سبيل الله. قال لي مرة أحد الضباط المنشقين الشباب في الأردن أنه لم يعرف “يسلم رقبته لمن” لأن الكل يدعي أنه على الحق. بدأت في تلك المرحلة تنتشر بكثرة تسريبات لفيديوهات تظهر تعذيب على أيدي النظام. الذي يستخدم منهج الشك (بدلاً من اليقين الساذج دون دليل) يبدو له الأمر كأنه مدروس لتهييج طيبي القلب وأهل النخوة. طبعاً الضرب على وتر “الاغتصابات” كان أيضاً موجوداً وأشك أن الهدف حماية أعراض السوريات بل الهدف الأرجح هو الزج بمزيد من الشباب لحرب جعلت النساء والأطفال تدفع ثمنها أضعافاً مضاعفة. إثارة الحرب (بين طرفين غير متكافئين) تم بطريقة إعلامية ولا أقصد أن بعض الجنود لم يكونوا يغتصبون النساء أو أن جنود الأسد كانوا لا يرتكبون بعض المجازر. لكن هل كان هذا مسوغاً للحرب أم أنه طعم؟ هل يستطيع أحد أن يدعي أن المعارضة المسلحة منذ بدايتها كانوا ملائكة وأعداؤهم فقط هم الذين يرتكبون الفظائع؟ هناك وسائل لتهييج الشعوب وتضليلها وهناك وقائع على الأرض والعاقل من ينظر إلى الوقائع والوسائل ويعرف التفريق بينهما. لكن دعاة التهييج لا يريدون الناس أن تفكر أو تميز، بل المطلوب فقط السب والشتم والتخوين والتوعد بالثأر. صارت العواطف تساهم في بناء القناعات وعلى حسب التكتلات “الثورية”. كانت هناك حجة أن بشار اضطر “الشعب” لحمل السلاح. الحجة مردودة لأنه ليس كل الشعب حمل سلاحاً. ثم أن بشار معروف نظامه أنه مجرم من قبل وبعد الثورة. الرد على إجرامه بتسليح الثورة ومهاجمتها للحواجز العسكرية والدبابات التي انتشرت في المدن وضع بشار في موضع الدفاع عن النفس، لكن لفترة محدودة من الزمن. لم يعرف عباقرة التسليح ومن ورائهم أن موضع الدفاع عن النفس في الحروب ليس بالضرورة هزيمة. كان النظام يخطط للهجوم المضاد بينما المسلحون يتوعدون: “لا ترحل جايينك على القصر”!

كما رددناها من قبل: تسليح الثورة وأسلمتها هو مصيدة للسوريين الذين اغتر بعضهم بتوفر السلاح وانحسار وجود النظام. كان بعضهم يركض باتجاه الفصائل والكتائب التي تدعي انتمائها لما كان يسمى “الجيش السوري الحر.” الجيش الحر تم الاحتفاء به إعلامياً ثم دعمه ثم تركه لمصيره المعروف الآن. ربما الجيش الحر هو أفشل جيش ظهر في سورية لأنه مهد الطريق لكل من يريد أن يستفيد من الفراغ الذي خلفه طرد النظام من مناطق سورية كثيرة. قد يقول قائل: لكن طرد النظام كان نعمة. لكن الواقع يرد عليه هو أنه لم يكن البديل عن طرد النظام إلا نقم متكررة: فوضى أمنية، انتشار مختلف الكتائب، ثم استيلاء النصرة أو داعش على الأراضي مع بقاء النظام يقصف المدنيين بكل إجرام وفوضى أيضاً. كانت عملية التسليح لا تخلو من توفير بيئة لتشكيل مقاتلين عبارة عن بندقية مستأجرة تبحث عن السلطة والمال والدعم، ومنهم من أصحاب القلوب الطيبة تم استغلالهم بخطابات “دينية” مدروسة ليبقوا يحاربون “الروافض” و”الشيعة” و”الكفار” و”المرتدين”. الفكرة التي لا يستوعبها أكثر السوريين المعارضين لبشار ولا يريدون أن يعترفوا بها هي أن المسلحين لم يكونوا كياناً موحداً لأنهم خرجوا من رحم ثورة وليس من أكاديميات عسكرية ونظام عسكري تقليدي. بعضهم تم أدلجتهم سلفياً أو داعشياً أو قاعدياً، وهذا سبب بقاء كثير منهم يحارب إلى الآن. المحاربون المعتدلون مصطلح يستخدمه الغربيون وأكثرهم لا يفهمون شيئاً عما يجري في سورية. نعم أبو فرات كان محارباً معتدلاً لكنه قُتل خلال أيام معدودة من بزوغ نجمه ونجم اعتداله. المطلوب في سورية—كما يبدو–ليس محاربين معتدلين بل المطلوب كان ولا يزال محاربون يفعلون ما يؤمرون: اذهبوا إلى حلب، يذهبون. انسحبوا من حلب، ينسحبون. حاربوا داعش، يحاربون. المعتدل هو المطيع لأوامر قد تأتي بطريقة يظنها عفوية كما تأتي مفاهيم الوطنية والغيرة والنخوة والسيادة (في سياق الحروب) بطريقة يُعتقد أنها عفوية.

المعارضة المسلحة حجتها الكبرى وتسويغ وجودها هو أن بشار مجرم ولكن حتى الأجرام لا يمكن ان تتخيل أن يتم تركه في أي دولة محترمة للناس وللأفراد المسلحين ليتعاملوا معه كيفما يشاؤون. المعارضة المسلحة من بدايتها كانت لصالح بشار لثلاثة أسباب: جعلته يسحق المظاهرات بحجة وجود مسلحين، رغم أنه كاذب في البداية ولكنه لاحقاً كان فعلاً يوجد مسلحون يلبسون لباسهم الأفغاني في مدن سورية. المعارضة المسلحة جعلته يصور نفسه أنه يحارب الإرهاب ويحارب خارجين عن السلطة، وهذا هو سبب كون الصين (مثلاً) لا تزال تدعمه لأنها تراه هو السلطة ولا ترى المعارضة المسلحة شرعية أبداً—خاصة أن البلاد العربية إلى الآن تعترف بالدولة السورية ولو جزئياً (كما في حالة الجوازات) ممثلةً بالنظام ولا تعترف بالمعارضة المسلحة إلا بطريقة إعلامية تصورهم إلى الآن على أنهم “ثوار”، مع أن بعضهم يحتقر علم الثورة!. جعلت المعارضة المسلحة بشار الأسد يقوم بتدمير أي مدينة يريد بحجة إعادتها إلى الدولة السورية وتحريرها من الإرهابيين، ورغم إجرام بشار إلا أن المعارضة المسلحة حوت إرهابيين أيضاً ساهموا مثله بتدمير مناطق سورية، وكلا الطرفين لا يزال يصول ويجول في سورية والشعب هو الخاسر الأول والأخير. حلب الغربية مثلاً كانت تتعرض لهجمات الهاون من جماعات مسلحة، فهل هذا مقبول أخلاقياً بينما قصف بشار لحلب الشرقية مرفوض؟ وجود الإيرانيين والروس في سورية يمكن لبشار أن يبررها أيضاً بسبب وجود شخصية سعودية مثل المحيسني. مرة أخرى نقول: المعارضة المسلحة فاشلة ولا تعرف ماذا تريد، بل ربما الداعمون لها أيضاً لا يعرفون ماذا يريدون. مأساة حلب ربما تجعلهم يعيدون حساباتهم على الأقل في مسألة واحدة: الابتعاد عن المدن السورية وعن الشعب السوري الذي يتم استغلاله من طرف النظام ومن طرف المعارضة بطريقة غير أخلاقية.





Tags: مميز