محمد دركوشي: أغاني الظل الدمشقي

محمد دركوشي: كلنا شركاء

زَيْنُ الشَبَابْ

مَازالَ عِنْدَ الثَانِيَةْ

اليَوْمَ غَابْ

في ثَانِيْةْ

أُغْنيّةً حَمْرَاءَ يُنْثُرُهَا الرَدَى

بَيْنَ المدَامِعِ وَالمدَى

تَحْتَ الضَمَائرِ وَالتُرَابْ.

هَلْ تَسْمَعُونَ نَشِيْجَهُ؟

أمِي

أَبِي

وَيَمُدُّ لي عَيْنَيهِ كَفّاً رَاعِشًا

كَي أُحْرِزَهْ

أَكَلَتْ يَدَيْهِ المَجْزَرَةْ

وَأَنَا الغَريْقُ

عَلَى ضِفَافِ المَقْبَرةْ

مَا أَعْجَزَهْ

يَا أَيّهَا المنْثُورُ مَوْتًا

بَينَ أَرْصِفَةٍ

وَأرْغِفَةٍ وَدَمْعٍ مِنْ خِضَابْ

أَصْدَى أبُوكَ

وَصَدْرُهُ الخَالي سِوَى مِنْ مِرْجَلٍ

مَازَالَ يَنْتَظِرُ الإيَابْ

اليَوْمَ غَابْ

مَنْ يَمْلأُ البَيْتَ الصّغِيْرَ مَلاعِباً؟

مَنْ يُزْعِجُ الإخْوَانا؟

مَنْ يَرْتَمِي في حُضْنِ جَدّتِهِ

يَمُوْءُ كَقِطّةٍ جَوْعَانَا؟

مَنْ بِالطَبَاشِيْرِ التي جَمّعْتَهَا

سَيُخَرْبِشُ الحِيْطَانَا؟

لِمَنِ العَصَافِيْرُ التي طَارَدْتَهَا

سَتُوَقّعُ الأَلْحَانَا؟

لِمَنِ الأَزَاهِيْرُ التي رَاقَصْتَهَا

سَتُطَرّزُ الألْوَانَا؟

لِمَنِ الدّفَاتِرُ بَاقِيَةْ؟

لِمَنِ العَرَائِسُ وَالدّمَى

وَقُصُورُ رَمْلِ السّاقِيَةْ؟

بِالأَمْسِ أَسْكَنَهَا أَمَانِيَهُ العِذَابْ.

مَنْ ذَا بِضِحْكَتِهِ سَيَمْحُو

مَنْ أَغَانِيْنَا العَذَابْ؟

***

وَلَدِي

أيَا فَوْحَ الرُبَى وَنَدَى الخَمَائِلْ

يَا ضِحْكَةَ الأطْيَارِ يَا بَوْحَ الجَدَاوِلْ

قَسَمًا بِعُصْفُورٍ شَهِيْدٍ مِنْ مَدِيْنَتِنَا

سَيُخْبِرُ رَبَّهُ عَنْ مَوتِنَا

عَنْ بَطْشَةِ السّادِي وَعَنْ صَمْتِ القَبَائِلْ

قَسَمًا بِشَمْسٍ أَشْرَقَتْ

مِنْ تَحْتِ أَنْقَاضِ المَنَازِلْ

لا، لا تُصَوّرْ

إنّني عَمّاهُ غَيْرُ مُحَجّبَةْ

قَدْ كانَ يَحْرسِني الجِدَارْ

وَانهارَ مِثلَ دَمِي مَصَابِيْحَ انتِظَارْ

قَسَمًا بِزَنْبَقَةٍ بَكَتْ مُتَعَجّبَةْ:

مَازِلْتُ عَائِشَةً!

وَمَازَالَ في حَدَقِ الصّغَارْ

يَنْمُو النَهَارْ!

قَسَمًا بِشَعْبٍ ذَوّبُوا أَشْجَارَهُ كَالشّمْعِ

في شِعْبِ الحِصَارْ

قَسَمًا بِآلافِ الطّيُورِ تَجَرّحَتْ أَكْتَافُهَا

بِالأُمْنِيَاتِ وَبِالحَقَائِبْ

شَرِبَتْ أَغَانِيَهَا البِحَارْ

مِنْ بَعْدِ مَا أَكَلَتْ

أَصَابِعَهَا مَجَادِيْفُ الَمرَاكِبْ

سَأَقُولُ يَا وَلَدِي عَنِ العَرَبِ العَجَائِبْ:

وَطَنِي الكَبيرُ المسْلِمُ العَرَبيُّ

يَشْربُهُ الأعَاجِمْ

مِنْ خِصْيتيهِ وَمِنْ وَرِيدِي

سَلسَبيلاً زَمْزَمَا

وَبنُوهُ كالأنعَامِ حَولَ الماءِ

يَقْتُلُهَا الظَمَا

لم يَبقَ مِنْ دِيْنِ النَبيّ مُحَمّدٍ

إلا العَمَائِمْ

مَاتَ التُقى

مَاتَتْ بِصَحْراءِ الأعَاريبِ المكَارمْ.

كُلُّ الوحُوشِ تَوثّبَتْ تَغْتَالُنَا

وَتُحَرّقُ الأحْلامَ في أحْدَاقِنَا

وَبَنوْ عُرُوْبَتِنَا

“تَفَانَوا في مَحَبّتِنا”

خُيُولُ الفُرْسِ تُطْعِمُها “قُرَيشُ”

وَ”يَعْرُبُ”

وَكَنائِنُ الرّوميّ تَمْلَؤُهَا “تَمِيْمُ”

وَ”تَغْلِبُ”

كُلُّ القَبائِلِ أغْلَقَتْ أبْوابَهَا

في وَجْهِنَا

لا الأسْودُ العَنْسِيُّ يَقبَلُنَا

وَلا “مَاءُ السّمَاءْ”

نَحَرَ المَلِيْكُ خُيُولَهُ

وَسُيُوفُهُ صُكّتْ قَلائِدَ لِلإمَاءْ

عِنْدَ الخَلِيْفَةِ أوْ طَوِيلِ العُمْرِ

مَبْعُوثِ السّمَاءْ

شَيْخِ العَشِيْرةِ بِالوِرَاثَةِ

نَهْدُ غَانِيَةٍ لَعُوبْ

وَشُفُوفُ رَاقِصَةٍ وَمَا تَحْتَ الشّفُوفْ

وَشَهِيّ أَطْعِمَةٍ تَرُفَّ لَهَا القُلُوبْ

وَسُـلافُ سَـاقِيَةٍ

تُحَـاكُ عَلى ذِرَاعَيهَا الـحُتُوفْ

أَشْهَى وَأَغْلَى

من غُبَارِ مَعَارِكِ التَحْريرِ

مِنْ عَرَقِ الجِهَادْ

وَدَمِ العِبَادْ

وَمِنَ الذينَ يُعَذّبُونَ وَيُحْرَقُونَ

وَيُسْلَخُونَ بلا ذُنوبْ

في غَزّةٍ مَهْوَى القُلوبْ

في حِمْصَ في دَرْعَا الجَنُوْبْ

في المَوْصِلِ السَمْرَاءِ

في بَغْدَادَ مُنْتَزَهِ الخُطُوبْ.

قَالُوا: بِأنّ العِرْقَ دَسّاسٌ

فَأيْنَ اليَوْمَ مَا دَسّ الأَوَائِلُ

أَيْنَ أَحْفَادُ “الغَطَارِفَةِ الجَحَاجِحْ”؟

هَلْ تَنْسِلُ الآسَادُ إلا ضَيْغمًا أسدًا

وَهَلْ تَلِدُ النّسُوْرُ بَسَفْحِهَا غَيْرَ الجَوَارِحْ؟

مَا عَنْتَرُ المِغْوَارُ إلا كِذْبَةٌ

عَرَبيّةُ الدَمِ وَالملامحْ

مَا حَاتِمُ الطّائيّ إلا قِصّةٌ

وَحِصَانُهُ المَذْبُوْحُ لِلْجَوْعَى مَدَائِحْ.

مَا عِنْدَ يَعْرُبَ مُعْتَصِمْ

أو مُنْتَقِمْ

هُمْ كُلّهمْ حَجّاجُ

مَا أكْذَبَ التَارِيْخَ حِيْنَ يَخُطّهُ

بِالِمشْرِفيّ التَاجُ.

سَأَقُولُ يَا وَلَدِي المُعَفّرَ بِالشُمُوخِ وَبِالمَنَايَا

في بِلادِ الزّيْتِ وَالعَشْرِ الأَوَاخِرْ

في العِطْرِ تَغْرَقُ رَاقِصَاتُ القَصْرِ

وَالغِيْدُ العَوَاهِرْ

وَمِنَ الكَرَامَةِ أَنْ تَرَى

في البَحْرِ تَغْرَقُ طَاهِرَاتٍ كَالضِيَاءِ

نِسَاءُ سُورِيّا الحَرَائِرْ.

زَرَعُوا بِـبَارِيْسَ النّجُوْمَ

وَفي “نِيُوجِرْسِي” الأَزَاهِرْ

لَكِنَّ حِيْنَ تَذَكّرُوا

أَنّي أُمَزّقُ مِثْلَ عُصْفُورٍ يَتِيْمٍ

أَنْشَبَتْ في صَدْرِهِ الدّامِي

مَخَالِبَهَا الكَوَاسِرْ

زَرَعُوا بِأَحْدَاقِي السّيُوْفَ

وَفي أَنَاشِيْدِي المَقَابِرْ.

سَأَقُولُ يَا وَلدِي المُخَبّأَ في العَبِيْرِ وَفي الحَنَايا

في بِلادِ العُرْبِ أوْطَاني

مُعَطّلةٌ قَوَارِيْرُ العَبيْرِ

فَلا رَغِيْفَ إلى الكَرامَةِ سَالكٌ

وَعْرٌ هُوَ المرْقى إلى الإنسَانِ

لا ظلّ نُولَدُ فيهِ

إلا خِنْجَرُ السّلطانِ.

لا نَارَ تُنْضِجُ خُبْزَنَا العَرَبِيَّ

إلا كَرْبَلاءْ

تَزْنِي بِنَا كُلّ الضِبَاعِ وَلَمْ نَزَلْ

نَقْتَاتُ شِعْرِ الكِبْرِيَاءْ

قَتَلُوكَ يَا وَلَدِي جَمِيْعًا

ثُمّ غَصّوا في البُكَاءْ

فِرْعَوْنُ أَفْتَى: اِقْتُلُوا هَذَا الصَبِي

عَيْنَاهُ في مَسْرَاهُمَا

عَيْنَا نَبيْ

فَجْرٌ جَدِيْدٌ

لوْ رَآهُ لَسَلّ مِعْوَلَهُ القَطِيعُ

وَهَدَّ غَاشِيَةَ الدُجَى

البِئْرُ أعْمَى

لنْ يَمرّ إلى الإمَارةِ يُوسُفٌ

هَذَا العَوِيْلَ

قَمِيْصُهُ المَشْبُوبُ مَزّقَهُ العَسَسْ

صَحْرَاؤُهمْ بِالزَيْتِ مُتْرَعَةٌ

وَلكنْ لا قَبَسْ

لا سَبْعَ في قَدَرِي عِجَافٌ

غَيْرُ بَاسِقَةِ المُنَى

وَهُنَاكَ أَشْقَى أوْ هُنَا

في سَفْحِ أَحَلامِي

سَقَوا قَدَمِي الحَرِيقْ

حَتى ارتوَيْتُ

وَمَاتَ في عَينِي الطَريقْ.

****

يَا أَيّهَا المصْلُوبُ مِثْلَ قَصِيْدَةٍ عَمْيَاءَ

يَذْبَحُهَا البُكَاءُ مِنَ الوَرِيْدِ إلى الوَرَيْدْ

يَا أيّهَا المشْنُوقُ بِالمَاءِ مِثْلَ حِكَايَةٍ شَرْقَيّةٍ

تَغْتَالُنَا في كُلَّ عِيْدْ.

وَلَدِي

أيَا وَطنًا إلى الأَرْضِ الجَدِيْدَةِ يَعْبُرُ

هَلْ تَذْكُرُ؟

عِرْزَالَنَا المَعْمُورَ مَنْ حُبّ وَطِيْنْ

كَيْفَ اسْتَحَالَ مَلاعِبًا خُضْرًا

مُعَطّرَةَ الجَبِيْنْ

لِلأخْوَةِ العَرَبِ الذِيْنْ

سَالوا إلَيْنَا هَارِبينْ

مِنْ كَرْبَلاءَ مِنَ الجَنُوبِ وَمِنْ فَلَسْطِيْنْ

هَلْ تَذْكُرُ؟

كَيْفَ اقتَسَمْنَا حَبّةَ الزّيْتُونِ

وَالثَوْبَ الصّغِيْرْ

وَعَرَائِسَ الأَطْفَالِ

دُمْيَتَكَ الأَمِيْرَةَ وَالأَمِيْرْ

هَلْ تَذْكُرُ؟

أَجْسَادَنَا العَجْفَاءَ كَيْفَ تَقَرّحَتْ

وَسْنَى عَلَى ذَاكَ الحَصِيْرْ

كَيْ يَهْنَأَ الأَضْيَافُ في دِفْءِ السّرِيْرْ

هَلْ تَذْكُرُ؟

لَمْ تَرْتَجِفْ

لِلذُلّ في صَحْرَا بِلادِي خَيْمَةٌ

يَعْوِي عَلِيْهَا أَلْفُ سَجّانٍ حَقِيْرْ

لَمْ يَفْتَرِشْ رَمْلَ الثَرَى

أَوْ يَلْتَحِفْ

بِالرّيْحِ وَالخَوْفِ المَسَاكِيْنْ

وَاليَوْمَ عَادُوا مِثْلَ ذُؤْبَانِ الدّجَى

لا بِالهَدَايَا وَالزهُورِ وَإِنّمَا

جَاؤُوا إِلِيْنَا بِالسَكَاكِيْنْ.

يَا جُثّةَ الإنْسَانِ فِيْنَا وَالضَمِيْرْ

دَمُكَ الطَرِيْقُ إلى النهَارْ

دَمُكَ الطَرِيْقُ إلى النهَارْ

فَاحْمِلْ دَمَ الأحْرَارِ وَاتْبَعْني

إلى الفَجْرِ الكَبِيْرْ.

********

اقرأ:

محمد دركوشي: السيّد الوزير و(الكاوبوي)