on
درعا وسنوات الثورة (2 / 5)
مضر الزعبي: كلنا شركاء
أطلق السوريين شعارهم الشهير (بعد اليوم ما في خوف) ليعلنوا معه انتهاء عصر “مملكة الرعب” التي زرعها نظام حافظ الأسد ووريثه بشار في عقول السوريين، معلنين بداية تاريخ جديد للسوريين والعالم، فكانوا بمواجهة جلاديهم على مدار العقود الماضية بصدور عارية وقد أطلق ناشطي الثورة على جمعتهم الأولى بعد سقوط عشرات الشهداء بدرعا (جمعة العزة).
أموال وأسحلة في المسجد العمري
لم تمض أيام حتى بدأ أعلام النظام للترويج بأن ما يجري في سوريا هي مؤامرة، وأن عصابات مسلحة هي من تقف وراء ذلك. ليكون المشهد الأول هو من قلب المسجد العمري، حيث بثّ إعلام النظام صورا لأسلحة وأموال في داخل المسجد يوم الخميس (24 آذار/مارس) مدعياً أن ما أسماها “العصابات المسلحة” هي من تقف وراء عمليات القتل التي كانت تجري في ذلك الوقت.
سامر خليل، كان أحد الموظفين في البنك التجاري بدرعا، قال في شهادةٍ لـ “كلنا شركاء”: “عقب اتخاذ القرار بإنهاء اعتصام المسجد العمري مساء يوم الثلاثاء 22 آذار، أرسل رئيس فرع الامن السياسي بدرعا ( عاطف نجيب ) دورية للبنك التجاري بالمحافظة وطلب من مدير البنك ( أمجد عواد ) إعطاء الدورية مبلغ 10 ملايين ليرة سورية، موضحاً أن مدير البنك قام بتنفيذ الطلب حيث لا يستطيع أحدٌ الرفض كون (عاطف نجيب) هو من كان يحكم درعا ولا أحد يجرؤ على مخالفته.
و أضاف بأن مدير البنك والعاملين لم يكونوا يعلمون سبب طلب هذه المبلغ في البداية، وبعد بث الصور من قبل المسجد العمري عرف الجميع السبب الحقيقي. لكن لا أحد يستطيع الحديث كون ذلك يعني الموت، و بات الجميع يتجاهل الأمر حتى ما بين العاملين في البنك لم يتم الحديث وبات الجميع يتجاهل كون أعين النظام كانت في كل مكان.
ويشير “خليل” إلى أن المبلغ لم يعد إلى خزينة البنك، ومع نهاية العام المالي طالب مدير البنك (أمجد عواد) بالأموال فتسببت له هذه المطالبة بالإهانة، وتمّ نقلة إلى دمشق ليقتل فيما بعد أمام منزله ببلدة (خربة غزالة) بظروف غامضة بعد أن كان شاهداً على أولى مسرحيات النظام.
جمعة العزة تسقط تمثال حافظ الأسد
بعد عودة الوجهاء وإعطاء الضمانات للشبان بأنه لن يكون هنالك إطلاق نار في يوم الجمعة 25 آذار، بدأ التجمهر للمظاهرة. وقال الناشط معتز العامر لـ “كلنا شركاء”، “في تلك اللحظات تغير كل شيء، وكأننا بانتظار العيد، سنكون بعد ساعات على موعد جديد و أمام تجربة جديدة. للمرة الأولى سيتكلم جيل الشباب وسيصرخ للمرة الأولى الأمهات يدفعن أبنائهن للخروج. الجميع بانتظار الفجر، لم ينم معظم الشبان فالبعض بدأ بكتابة اللافتات و البعض يجهز الشعارات وقسم كان يرسم خريطة لطرق سير المتظاهرين.
في اليوم التالي، بحسب شهادة العامر، خرج الآلاف من ساحات المسجد العمري بدرعا بعد انتهاء صلاة الجمعة، باتجاه أحياء درعا المحطة، ولكن لم يكن أحد يتوقع بأن ابناء مناطق درعا سيكونون هنالك في ساحة المدينة الرئيسية ( 16 تشرين ).
العامر أكد بأنه وفي تلك لحظات تجاوز العدد 80 ألف متظاهر، وكانت الأمور تسير على ما يرام، والأمن يراقب عن كثب لكن لا أطلاق للنار. بالمقابل اتفق الشباب على عدم الاعتداء على أي مرفق حكومي وحتى امتنعوا عن تمزيق الصور، لكن وبعد دقائق بدأ كل شيء يتغير، أخبار قادمة من شمال درعا تؤكد وقوع مجزرة بمدينة (الصنمين) شمال درعا، عدد الشهداء تجاوز 15، وعندها تحرك السيل البشري ليعلن انتهاء عصر نظام بشار الاسد في درعا، فكان الهدف الأقرب هو تمثال (حافظ الأسد) الاب.
يقول العامر إن عناصر الأمن حاولوا منع الشباب من الاقتراب من التمثال لكن دون جدوى الرصاص لم يمنع الاسد الاب من السقوط. وبعد إسقاط التمثال كان القرار سريعاً من قبل اجهزة النظام بالتصعيد ليصل عدد الشهداء مع نهاية اليوم إلى 20 شهيدا.
موظف في مكتب رستم غزالي يخطب بدرعا
أشد خصوم نظام بشار الأسد يشهد له بنجاحه في اللعب على الورقة الطائفية ومن الطبيعي أن يستخدم النظام ورقة الطائفية منذ البداية، لكن لم يكن أحد يتوقع أن تكون بهذه السرعة. في تلك الفترة كان السوريون اعتادوا على أن أي إمام جديد للمساجد، يجب أن يحمل معه خطبة تمت كتابتها بأفرع الأمن، لكن أن تكون الخطبة ذات طابع طائفي هو كان جديداً على السوريين في الأعوام الأخيرة.
بهذا الخصوص، يقول الناشط محمد سلمان إن أهالي مدينة الحراك بريف درعا الشرقي كانوا في يوم (جمعة العزة) على موعد مع تشيع ثلاثة من شهداء الأربعاء الدامي وكان الجميع بحالة غليان و بينما يستعد الأهالي لأداء الصلاة صعد امام جديد للمنبر وبدأ الخطبة بأسلوب حماسي وسرعان ما انتقل للحديث عن (المفاسد في السويداء) وعن مخططات تتم في السويداء لاستهداف مجتمع درعا المحافظ، يقول إنه في هذه الأثناء أصيب الجميع بالذهول واستغربوا من حديث الشيخ التي اختفى على الفور عقب انتهاء الصلاة.
كما أشار الى أن المفاجأة كانت بانتشار آلافٍ من النسخ لخطبة الشيخ في شوارع محافظة السويداء بعد ساعات فقط، ليتبين فيما بعد بأن الشيخ هو (عبد السلام الخليلي) أحد الموظفين بمكتب اللواء رستم غزالي.
أضاف أنه في تلك اللحظة أدرك شباب الثورة حجم المصاعب وبأن النظام مستعد لإحراق كل شبر من سوريا في سبيل البقاء، ولكن لم يكن هنالك أي خيار سوء المتابعة، فأي خطوة للوراء كانت تعني الانتحار.
خطاب بشار الأول
بعد الانتهاء من مظاهرات (جمعة العزة) عاد الاعتصام من جديد إلى ساحة المسجد العمري وإلى ساحات أغلب مدن وبلدات محافظة درعا، فبعد أن عمل النظام وعبر أجهزته الامنية على إنهاء اعتصام المسجد العمري بتاريخ 23 آذار وقتل أكثر من 50 شابا في يوم واحد، كانت نتائج ذلك ظهور أكثر من ساحة للاعتصامات بدرعا ة بأعداد أكبر.
وبعد أسبوعين من الحراك كان السوريون على موعد مع خطاب بشار الاسد الاول (خطاب المؤامرة) أمام مجلس الشعب، ولم يكن أي من السوريين يتوقع أن يخرج بشار الاسد بهذا الخطاب، حيث ساد اعتقادٌ أن القتل في الشوارع السورية لا يرضي رأس النظام، الذي كان يقدّم نفسه على أنه الرئيس العصري المنفتح. ولكن خطابه الأول وإنكاره لما يجري في سوريا وعدم اعترافه بالشهداء وتشبيهه السوريين بـ “الجراثيم”؛ كانت دافعا جديدا لاستمرار الاعتصمات و التظاهرات في درعا.
انشقاقات
بتاريخ 23 نيسان كانت المحافظة أمام نقطة تحول جديدة، فبعد مجزرة مدينة ( أزرع ) التي ارتكبها النقيب بقوات النظام ( غاندي عمران ) وراح ضحيتها قرابة 20 شهيدا أعلن عضو مجلس الشعب الشيخ ( ناصر الحريري ) انشقاقه عن المجلس، وبعدها بساعات اعلن مفتي المحافظة الشيخ ( رزق أبا زيد ) انشقاقه أيضاً، وكذلك الحال عضو مجل الشعب المهندس (خليل الرفاعي)، فكان أعضاء مجلس الشعب الثلاثة المنتخبين من خارج قائمة (الجبهة الوطنية التقدمية) في صفّ الشعب، فقد كان الشيخ (يوسف أبو رومية) صاحب أول موقف تحت قبة مجلس الشعب بشهر آذار لتكون المحافظة بفاعليتها خارجة قبضة النظام.
الجيش بديلاً للأمن
وعقب التطورات الأخيرة في المحافظة أيقن نظام بشار الاسد أن الخيار الأمني قد فشل، وأن المحافظة قد خرجت عن سيطرة النظام، فكان البديل هو استبدال الأمن بالجيش.
وبتاريخ 25 نيسان ومع ساعات الفجر الأولى تم فصل مدينة درعا عن محيطها. وفي تمام الساعة الرابعة فجرا قطعت الكهرباء و بعد دقائق الاتصالات. في تلك لحظات بدأ الأهالي يسمعون أصوات غريبة لم يكن أحد من الأهالي يتوقع أن تكون دبابات. وبالفعل كانت دبابات النظام من الفرقة الخامسة والتاسعة تقتحم محاور المدينة الأربعة، لتكون مدينة درعا أولى المدن التي يتم اقتحامها بالدبابات.
وبالفعل وبعد أسبوع من القتل والحصار نجح النظام باجتياح المدينة وقتل المئات واعتقال الآلاف من شباب المدينة، ونجح النظام بإنهاء اعتصام ساحة المسجد العمري واحتلال المسجد. وكان قائد عمليات النظام في المدينة وقتها اللواء (فهد جاسم الفريج) الذي تم رفع إلى رتبة عماد بعد اقتحام المدينة، قبل تعيينه وزيرا للدفاع في نظام بشار الأسد.
لم تتوقف دبابات النظام عند مدينة درعا، فبعد فرض حالة عدم التجوال في المدينة، نقل النظام عملياته لشمالها بشهر أيار وباشر باقتحام كل من مدن (جاسم وإنخل والحارّة)، ومع نهاية شهر أيار بدأ النظام هجوماً واسعاً على ريف المحافظة الشرقي واقتحم كلا من بلدات الحراك والمليحة الشرقية والمليحة الغربية.
ورغم البطش، فشل النظام بامتصاص ردود فعل السوريين تجاه جرائمه، فبعد كل عملية كانت الثورة تتمدد وتزداد الأعداد. ولم تعد درعا لوحدها، فكل سوريا باتت تردد (يا درعا حنا معاكي للموت) للتعبير عن تضامنهم مع مهد الثورة.
اقرأ:
درعا وسنوات الثورة (1/5)
Tags: مميز