on
د. معتز محمد زين: لله ثم للتاريخ
د. معتز محمد زين: كلنا شركاء
مقالة ترددت كثيرا في كتابتها ، ذلك أن الواقع المعقد في الساحة السورية ينعكس بشكل أو بآخرعلى الحالة الذهنية والوجدانية ، فتتعثر الأفكار وتتبعثر الكلمات وتتشوش الرؤية ، وتولد في داخل الإنسان – كما في الميدان – حالة من الصراع بين المبادئ والمصالح ، بين الرغبة والواقع ، بين المأمول والمعاش .. تصعب الكتابة في الزمن الذي لا قيمة فيه للكلمات ، ويحرن العقل في الزمن الذي لا صدى فيه للأفكار ..
ربما لا تكون بحاجة لبذل الكثير من الجهد كي تصل إلى نهاية طريق واضح مستقيم ، لكنك قد تحتاج إلى ما يشبه المعجزة لتجاوز حقل من الألغام لم تطلع على خارطة الألغام المزروعة فيه .. ولأن الساحة السورية تحولت إلى حقل ألغام ، فنحن بحاجة إلى أفكار مركبة وجريئة تساعدنا على الخروج من هذه الأزمة بأقل الخسائر ..
كثيرة هي الأقلام التي كتبت في السابق عن ضرورة حصول اندماج للفصائل المسلحة في سوريا وتشكيل كيان هرمي بجناحين سياسي وعسكري ، وكثيرة هي الأطراف التي ربطت نجاح الثورة في سوريا بحصول تلك الخطوة وهي محقة بذلك ، ولعل الدليل الأوضح على صحة هذا الربط هو النتائج الميدانية المذهلة للاندماج العسكري الجزئي عند تشكيل جيش الفتح .. وعلى الرغم من تأخر القادة بالمبادرة لتبني هذه الخطوة إلا أنهم في النهاية وتحت ضغط الواقع الميداني والجماهيري اجتمعوا من أجل تحقيق هذا الهدف .. وفي الوقت الذي تعلقت أنظار وقلوب مؤيدي الثورة بنتائج هذا الاجتماع ، خرجت الكثير من الأصوات والجهات لتشوش الرأي العام وتزرع – عن حسن نية أو سوء نية – المزيد من الألغام بين الفصائل المشتتة أصلا من خلال طرحها لفكرة عزل جبهة فتح الشام ورفض الاندماج بها خوفا من تعرض بقية الفصائل لسخط الروس وغضب بعض الحلفاء …
لا نحتاج إلى الكثير من التفكير لكي نستنتج أن وراء هذا الطرح ضغوط دولية وإقليمية مزجت الوعد بالوعيد .. وعد بإنهاء الأزمة في سوريا ووضع حد لها بعد القضاء على فتح الشام ، ووعيد بتعرض الفصائل التي ترضى بالاندماج للقصف والدمار من الأعداء ، وربما التضييق وسحب الدعم من الحلفاء .. وكأن الروس لم يمطروا جميع مناطقنا بقذائفهم وصواريخهم الأيديولوجية الاستعمارية الحاقدة ، وكأن حلفاؤنا لم يتخلوا عنا عشرات المرات تحت ضغط الوعد والوعيد أيضا.. ومع أنني لا أقلل من خطورة المأزق الذي قد تتعرض له الثورة السورية في حال اندماج الفصائل دون موافقة ” الحلفاء ” ، ومع أنني أدرك المصاعب التي قد تعانيها الثورة وخاصة في الشمال جراء مخالفة الرغبة التركية الحديثة في عزل الجبهة ، إلا أنني أرى في الاندماج أخف الضررين ، وفي رفض الاندماج وعزل الجبهة مخاطر تتجاوز تلك الهواجس وتضع الثورة على حافة الهاوية ..
وعلى الرغم من كون الدافع الأخلاقي والعاطفي والديني يشكل الركيزة الأساسية في موقفي المدافع عن الاندماج ، إلا أنني سأحاول أن أكون براغماتيا إلى آخر حد وأتساءل من زاوية عملية : لنفترض أننا اتفقنا على عزل الجبهة وركبنا موجة شيطنتها تمهيدا للقضاء عليها واستئصالها من الساحة السورية … ما المقابل ؟؟
هل نثق بوعود دول تلقينا منها على مدى السنوات الماضية الكثير من الطعنات ؟؟ هل ستسلمنا تلك الدول مضادات طيران تضمن حماية مدننا وقرانا باليد اليسرى في الوقت الذي نوجه أسلحتنا باليمنى نحو صدور مجاهدي فتح الشام ؟؟ هل سيقصف قصر المهاجرين ويستبعد الأسد من المشهد قبل يوم واحد من القضاء على الجبهة ؟؟ هل من طريقة لوضع حد لعربدة إيران وروسيا والميليشيات الطائفية التي دخلت بلدنا بالتزامن مع وضع حد للجبهة ؟؟ هل سيتم استبعاد الحكومة الطائفية في دمشق وذيولها وتسليم السلطة للمعارضة الوطنية الشريفة ، أم أن المعارضة المرشحة لاستلام الحكم ستكون على شاكلة رندا قسيس وقدري جميل ؟؟ هل سيتم ضمان إعادة المهجرين والمبعدين قسرا عن مناطقهم إلى بيوتهم وحاراتهم ؟؟
إذا كنا جميعا نعرف أجوبة تلك الأسئلة ، فلماذا نفرق صفوفنا وننتزع مخالبنا ونلقي بأسلحتنا في اللحظة التي يحصرنا فيها عدونا بالزاوية ؟؟!! ألم نفهم الدرس من داريا وحمص والزبداني وأخيرا وادي بردى والتي لا يوجد فيها مقاتل واحد من الجبهة أو غيرها من الفصائل الاسلامية ، إنما هم أبناؤها وتاريخها وثقافتها، جمعهم العالم السافل – الذي يطالب اليوم بعزل الجبهة كشرط لوقف القصف وإعطاء بعض المكتسبات – في الباصات الخضراء ليلقي بهم بعيدا في عملية تطهير سكاني وتغيير ديمغرافي طائفي لا مثيل له في العصر الحديث ..
لقد طُلب سابقا من النصرة فك ارتباطها بالقاعدة لتجنب استهدافها وعزلها وفعلت .. ثم طُلب منها التنازل عن القيادة للسير بعملية الاندماج ووافقت .. والجبهة أبدت درجة مقبولة من المرونة عبر التنازل عن الكثير من رؤيتها المتشددة للدين استجابة للرؤية المعتدلة للمجتمع السوري ، وكان معظم مقاتليها من السوريين فاقتربت بذلك كثيرا من ثقافة المجتمع السوري – رغم اعترافي بعدم تحقيق النجاح المأمول في هذا المجال بسبب المرجعية الفكرية التي تتبناها الجبهة – وامتنعت عن استهداف الغرب خارج الحدود السورية – كعادة جميع الفصائل السلفية – وشاركت مع الفصائل الأخرى بتحرير الكثير من المناطق وإدارتها ، ودخلت في مفاوضات مع جهات دولية أدت إلى اطلاق الكثير من الأسرى والمختطفين لديها .. ورغم ذلك ما تزال مستهدفة وجوديا من قبل الدول ذاتها .. لماذا ؟؟
لأن المسألة – وبكل وضوح – تتعلق بالنظرة الاستراتيجية لتلك الدول والتي تقوم على منع ظهور أي كيان سني هرمي متماسك وقوي ويتحرك بقرارات مركزية مستقلة عنها سواء أكان هذا الكيان سياسيا أو عسكريا .. معتدلا أو متطرفا .. واستهداف اخوان مصر وحكومة تركيا دليل واضح على ذلك ..
وفي الوقت الذي يتوقع فيه أن يؤدي الاندماج الحقيقي إلى تشكيل كيان واحد برأس واحد وجسم متماسك يتحرك بقرار مركزي فيوحد الجهود ، ويعقد التحالفات ويوظف المعارك في خدمة الأهداف الاستراتيجية للثورة السورية ، ويرفع المعنويات – التي تكاد تنهار – لدى القاعدة الشعبية المؤيدة للثورة .. فإن رفض الاندماج سيؤدي إلى نتائج كارثية من ضمنها بقاء الفصائل مجرد أدوات تستخدمها القوى الاقليمية والدولية لتمرير أجنداتها وتحقيق مصالحها ، والسماح للنظام الأسدي باختراق الفصائل واحتلال المزيد من المناطق الواقعة تحت سيطرتها ، واستنزاف المزيد من الفعاليات المؤيدة للثورة وابعادها عن دعم الثورة بسبب يأسها من إمكانية إفراز قيادة تدير العملية باتجاه واضح وبأسلوب منظم .. لكن الكارثة الأخطر التي ستنجم غالبا عن عدم الاندماج هو الحرب الداخلية بين الفصائل في المناطق الواقعة تحت سيطرتها .. إذ يخطئ من يعتقد أن قرار عزل الجبهة سينتهي بحل نفسها وتسليم أسلحتها ومغادرة مقاتليها خطوط التماس إلى بيوتهم ، من جهة لأنهم أصحاب عقيدة صلبة ، ومن جهة ثانية لأنهم يدركون أنهم سيتحولون إلى كبش فداء يذبح على طاولة المزاودات الوطنية وتصفية الحسابات الشخصية وصراع الأفكار والايديولوجيات وتقديم فروض الطاعة للجهات الخارجية الحاقدة .. إن عزل الجبهة سيؤدي إلى حالة من التوتر والغليان بين مقاتلي الفصائل المختلفة والموجودون في تماس مستمر ، ما يجعل الساحة على فوهة بركان قابل للانفجار لأبسط شرارة وأصغر حدث .. وسنرى عندها الكثير من التصرفات المستفزة المدروسة من بعض الأفراد الذين يتحركون من داخل الفصائل لصالح سفارات خارجية وتحت إمرة مخابراتها .. وعاجلا أم آجلا ستشتعل الحرب بين الأخوة ، وتسيل دماؤهم بأيديهم هذه المرة ، وسيراقب النظام وأعوانه المشهد بنشوة الشامت المنتصر, وستنهار الثورة من الداخل ودون أية تكاليف إضافية مادية أو بشرية للعدو الذي سيتدخل في اللحظة الحاسمة للقضاء على بقايا الفصائل المنهكة من قتالها فيما بينها .. هذا هو السيناريو المرسوم كنهاية لشيطنة الجبهة وعزلها .. فهل يتحمل أحد مسؤولية هذا السيناريو ؟؟!!
الخيارات اليوم باتت محدودة ، ولسنا في وارد حل سحري يرضي كل الرغبات ويحقق كل الأمنيات .. أدرك أن للاندماج مخاطر وتبعات باهظة الثمن ، لكنني أعتقد أنه ما زال طوق النجاة المتاح لإعادة ترتيب الساحة وفرض بعض الشروط والحصول على بعض المكتسبات التي من أجلها قامت الثورة السورية .. ويمكن لقيادة الاندماج السياسية أن تعيد ردم الجسور مع حلفائها وخاصة في تركيا عبر اللعب على مصالحها التي تتقاطع كثيرا مع أي فصيل يقف سدا أمام سيطرة الميليشيات الكردية أو الأسدية على الحدود معها .. ومهما يكن فإن الموت تحت القذائف الروسية دفاعا عن الأرض والكرامة ، ووفاء لشلال الدماء الذي سال من الجسد السوري أشرف ألف مرة من الموت خسة ونذالة وغباء وغدرا بيد إخوة السلاح والدم والتاريخ والأرض ..
نعم .. للاندماج محاذيره ومخاطره لكنها أقل بكثير من مخاطر عزل الجبهة والذي سينتهي دون شك بتفجير البيت الداخلي ، والحل في رأيي يكمن في تحقيق الاندماج العسكري الكامل مع ضم شخصيات وازنة على صعيد الفكر والسياسة تشكل واجهته السياسية والإعلامية وتساهم في صياغة مشروع يحقق نوعا من التوازن بين الوطني والإسلامي ، ويقنع الحلفاء بأهدافه وتصوراته .. وإن وقع المحظور وأصرت الأطراف الفاعلة على رفض الاندماج تحت ضغط الخارج ، فليسعى العقلاء فيهم – كأضعف الإيمان – لرسم خطوط حمراء تحظر أي استفزاز أو تحرش بالجبهة وتحرم الحرب الإعلامية عليها.. وليقسم الجميع على رفض تسليم مجاهد واحد في الحاضر والمستقبل لأي جهة أو تسهيل ملاحقته أو رفع السلاح في وجهه إرضاء لجهات خارجية مهما بلغت الضغوط ..
أخيرا .. أعلم أنني بطرحي هذا أخالف طيفا واسعا من الناشطين الذين لا أشك بحسن نية الكثير منهم ، وأعلم أنني قد أدفع ثمن هذا المقال غاليا ، وأعلم أن الأسلم لي أن أمسك قلمي وأمتنع عن نشره ، وأعلم أن عدد قرائي متواضع إلى درجة العجزعن تحريك الواقع فضلا عن تغييره ، وأن بعض العقول والقلوب بحاجة إلى ازميل – لا قلم – لإزالة رواسب الإعلام والهوى والتغريب الثقافي عنها .. لكنني والله ما كتبتها ولا نشرتها إلا استجابة لغيرة في داخلي على إخوتي المجاهدين أن يتحول بأسهم بينهم و على أهل سوريا المنكوبين وتاريخي وديني وبلدي ، وتبرئة للذمة أمام ضميري وخالقي ..