on
هيفاء بيطار: ماضي سورية بطانة حاضرها
هيفاء بيطار: الحياة
لا أتقصد استحضار الماضي، أي الأحداث التي عشتها مع شعبي السوري العظيم، لكنه يتمتع بقوة ذاتية بأن يقفز من ذاكرتي ساعة يشاء ويضعني أمام أحداث ترسخت ويستحيل محوها. ربع قرن أمضيته موظفة في مستشفى حكومي هو «المشفى الوطني» الذي يمكن إعتباره عينة من سورية، خصوصاً أن أكثر من يقصده هما الطبقتان الفقيرة والمتوسطة، وأنه متعاقد مع العديد من شركات الدولة.
أن أستخلص عبرة من خلال عملي ربع قرن في «المشفى الوطني» كطبيبة عيون، يعني تماماً أنني أقيّم حياتي في اللاذقية، فالعمل أكبر محك ومؤشر إلى طبيعة الحياة. وأجدني الآن لا أستطيع فهم الحاضر السوري ولا التفاعل معه إلا على خلفية هذا الماضي، فحين أتأمل مجازر حلب، أجد صوراً من الماضي تقفز أمامي، صورنا نحن الأطباء والممرضات وكل العاملين في «المشفى» نقف في رتل وبيد كل منا زهرة من ورق ملون وعلى يميننا ويسارنا عدد من الزملاء الذين يقومون بكتابة أسماء الهاربين من المسيرة الجماهيرية العظيمة التي تنطلق من كل مؤسسات الدولة. أصلاً في يوم المسيرة التاريخية (كما يحلو للإعلام السوري وصفها) تُمنع الإجازات، حتى المرضية، أي لو كان الموظف على حافة الموت عليه أن يحمل الزهرة الاصطناعية ويسير في المسيرة الجماهيرية، حيث تلتقي كل مؤسسات الدولة المشاركة في ساحة كبيرة هي ساحة البلدية، وهناك تصدح الحناجر بخطابات طنانة ومنافقة ولغة خشبية اعتدنا عليها.
ولا أنسى أبداً ذلك المريض العجوز الفقير الذي كنت قد أعطيته موعداً لإجراء عملية الماء الأزرق وكان يسكن في قرية بعيدة، وكنت قد طلبت كالعادة من الممرضات أن يحقنوه وريدياً بالإبر المنومة والمهدئة استعداداً للعملية، وكان المريض العجوز شبه مخدر ومستلقياً على سرير العمليات، وهمـــمت بتعقيم يدي لإجراء العملية حين أتتني الأوامر بوقف كل شيء، لأن إدارة المستشفى قررت إعادة المسيرة التي شاركنا فيها قبل يوم بسبب الأمطار التي شوشت التصوير، ولم يجرؤ أحد على أن يسخر حتى من صباغ الوردة الاصطناعية الذي أذابه المطر على يديه وتلوثت ثيابه. يومها غضبت واتصلت بمدير المستشفى وقلت له إن العجوز قد حقن بالفاليوم وصار جاهزاً للجراحة، والفاليوم مُخدر قوي جداً لا يجوز إعطاؤه في فترات متقاربة للمرضى، فأجابني بلهجة تهديد: اتركي المريض ستجرين له العملية غداً. قلت له لكن قد يموت إذا أعطيته غداً إبرة فاليوم.وكانت النتيجة أن هُددت بطريقة غير مباشرة بأنني يجب أن أشارك في المسيرة الثانيه لأن الجو من حسن الحظ صحو ولا يهم أن يكون هناك إنسان ينتظر عملية جراحية في عينه وهو شبه مخدر، ولا يهم إن مات في اليوم التالي، فالولاء كل الولاء والتقديس كل التقديس للمسيرات المؤيدة للنظام، وكانت المناسبة ثورة الثامن من آذار… وعدت إلى بيتي أحس بضيق نفس حقيقي واختناق لأشاهد أهلي يتفرجون على المسيرة المؤيدة التي يبثها التلفزيون السوري، يومها أحسست بأن شعار الحياة في سورية هو سحق الكرامة، وفكرت بالمريض العجوز المسكين ولم أجد إلا السخرية تخفف من غضبي وألمي وقلت الحمد لله لم يطلبوا منه أيضاً أن يشارك في المسيرة.
الأمر ذاته تكرر معي وكان أيضاً ثمة مريض نصف مُخدر ينتظرني في غرفة العمليات حين كنت أهم بالتوقيع الصباحي على دفتر الدوام وطلب مني رئيس المستشفى أن أرافق الرجل الجالس إلى يمينه وهو عنصر من أمن الدولة للتحقيق، وقلت إن إنسانا ينتظرني لأجري له عملية ويمكن تأجيل التحقيق حتى نهاية العملية أو إلى اليوم التالي. رفض رجل الأمن ونظر إلي مدير المستشفى نظرة تعني: إياك ومخالفة الإرادة العليا. وفي غرفة بائسة تضم سريرين معدنيين قذرين ومُجندين يلعبان طاولة الزهر انتظرت أربع ساعات حتى انهارت أعصابي وطلب أخيراً الضابط الذي سيحقق معي أن يقابلني، ولم أستطع أن أسيطر على أعصابي فانفجرت به: ما الغاية أن تجعلني أنتظر أربع ساعات؟ فرد باحتقار: نحن من يحق لنا أن نسأل لا أنت! وبدأ يسألني عن أسماء أصدقاء لي في أثناء دراسة الطب إن كانوا من الإخوان المسلمين أو من رابطة العمل الشيوعي الخ… وعدت وشعوري يتعزز بأن غاية العيش في سورية أو ضريبتها هي سحق كرامة المواطن السوري. وكان الخوف من مجرد لفظ كلمة أمن كافياً للإصابة بالذعر.
الأدهى هو الفساد المريع في مؤسسات القطاع العام، وعلى سبيل المثال كان رئيس مؤسسة النسيج يُجبر العاملين الذين يحتاجون إلى فحوص طبية أو عمليات في «المشفى الوطني» أن يراجعوا طبيباً معيناً، وكان أحد الأطباء يتقاضى شهرياً من مؤسسة النسيج وحدها نحو ستين ألف ليرة سورية (يومها كان الدولار بـ 46 ليرة سورية) لأن رئيس شركة النسيج صديقه ولأن ضابط أمن عالي المستوى يدعم الإثنين. ولم يستطع أحد أن يوقف مهزلة المهازل حين قرّرت الدولة أن على كل مواطن خاصة إن كان سيسافر أو يستخرج جواز سفر أن يخضع لفحص الإيدز، وكان طبيب في حلب مسؤولاً عن مئات الآلاف من العاملين في مؤسسات في حلب، والمنطقي أن يُجرى فحص الإيدز في حلب. لكن قرارا» من فوق أجبر كل العاملين في حلب أن يجروا فحص الإيدز في مختبر واحد في دمشق. وكانت الباصات تغص كل يوم بالعاملين الحلبيين الذين يهدرون ساعات من وقتهم ليصلوا إلى دمشق ويجروا فحص الإيدز ثم يعودوا إلى حلب.
اللاذقية عروسة الساحل كانت أيضاً عشيقة المُشبحين، أولاد المسؤلين الكبار الذين كانوا يقودون السيارات «الشبح» (أفخم أنواع المرسيدس) ليذلوا الناس وكان أحدهم يتباهى بأنه يستطيع أن يأمر رجالاً «كهولا» يجلسون في مقهى بأن ينبطحوا أرضاً «ليطلق الرصاص عشوائياً» من مسدسه وهو يضحك بصفاقة وجنون… والأستاذ الشهير الذي اختفى لمدة سنة ولم يعرف أحد من خطفه، حتى ظن أهله أنه مات ليعود بعد سنة وهو شبه أخرس، وأقسمت لي زوجته بأولادها أنه لم يقل لها من خطفه، لكن الجكيع كان يهمس أن الذي خطفه هم عناصر من سرايا الدفاع منفذين أوامر أسيادهم. ولم يكن يسمح لأحد بأن يسأله أين وكيف أمضى هذه السنة!
الخوف والذل والقهر عنوان العيش في سورية، وهل ينسى أحد من العاملين في «المشفى الوطني» يوم حضر فريق من الأمن وأخرج طبيباً اختصاصياً في جراحة العظم من غرفة العمليات قبل جرّه إلى سيارة واقتياده إلى معتقل حيث بقي أربع سنوات؟ الجميع تفرج على هذا المنظر بعيون عمياء وشفاه ألصقها الخوف بأقوى لاصق في العالم: الخوف. ومن ينسى شكل الثقافة في سورية من نوع محاضرات: التطبيع والغزو الثقافي أو كيف نقول لا لأميركا أو الحرية في سورية (ويومها استفزني العنوان وحضرت المحاضرة التي شارك فيها شلة من الكتاب المطبلين للنظام وقالوا إن أكبر دليل على الحرية في سورية أن أحداً من الكتاب أو الصحافيين لم يمت اغتيالاً)، أو محاضرة بعنوان المرأة في فكر حافظ الأسد… وبالمناسبة في إحدى دورات فحص الشهادة الإعدادية في سورية كان أحد الأسئلة للطلاب: ما أقوال السيد الرئيس حافظ الأسد بالتدخين؟. وهو الذي قال أيضاً: إنني أرى في الرياضة حياة. وقال إن السكوت عن الخطأ مشاركة فيه. وهي الجملة التي أحتمي بها وأتشبث بها بأظافري وأسناني ولو أمكنني برموش عيوني.
هذا هو بعض الماضي الذي يبطن مسلخ حلب اليوم والبراميل المتفجرة التي تسقط في سورية كلها. هذه هي الخلفية التي عشنا ولا نزال فيها. وأخيرا» اعذروني أن أستعمل كلمة الرئيس الأب: السكوت عن الخطأ مشاركة فيه. وأنا لا أريد أن أشارك في الخطأ. وكل ما يحصل اليوم مبطن بالماضي الذي لا يزال يمد أمراضه من ذل وخوف وقهر كأذرع الأخطبوط في حياة السوريين.