التلغراف: كيف أدت أعوام أوباما الثمانية إلى خلق ترامب.؟!

كلنا شركاء: التلغراف- ترجمة ريما قداد- السوري الجديد

في الصباح الذي أعقب انتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2008، أشعلت التلفاز في غرفتي في أحد فنادق نيويورك لأشاهد ردود الأفعال. كانت قناة فوكس نيوز تدعي الشجاعة على الرغم من صعوبة احتواء المرارة والغضب السائدين حينها. إلا أن قناة MSNBC، وهي شبكة ليبرالية معترف بها، كانت في حالة من النشوة المضطربة.

ومع بزوغ الفجر، أجريت مقابلة مع سيدة خارج منزلها المتضعضع في أحد الأرياف، كانت تذرف الدموع وهي تخبر المذيع عما يعنيه النصر بالنسبة لها وأجهشت بالبكاء وهي تقول: “أنا أعلم الآن أن ملكية منزلي لن تنزَع مني”. أتمنى لو أنها كانت محقة، لكن الأدلة التي ظهرت في السنين السبع منذ استلام أوباما، صانع المعجزات، للحكم توحي أنها قد أصيبت بخيبة أمل.

كانت أمريكا غاضبة بعد حقبتين رئاسيتين للرئيس جورج دبليو بوش، وبسبب قيام بوش والمهووسين من حوله بجعل أمريكا منبوذة دولياً تمت معاقبة مرشح حزبه. وكانت الأزمة المالية عام 2008 -انهيار بنك “ليمان برذرز” في المدة ما بين المؤتمرات ويوم الاقتراع- القشة التي قصمت ظهر البعير.

لقد شاهدت أوباما في الانتخابات التمهيدية، وشاهدته أيضاً في المؤتمر الديمقراطي. انتظرته ليتحدث بفطنة وبصورة عملية حول الوضع في أمريكا وكيفية توجيهها بالوجهة الصحيحة، إلا أن انتظاري ذهب سدىً. ولقد كان القول المعتاد حينها، والذي أصبح أكثر أهمية فيما بعد، يدور حول كيفية إدارة حملته الانتخابية عن طريق الشعر وحكم البلاد عن طريق النثر. قد يكون بعض النثر أسلوباً رائعاً، لكن ليس أسلوب أوباما.

ذلك أن خطاب أوباما المبتور، لا سيما في كلمته التي ألقاها في المؤتمر، والتي استوحاها من مرحلة السخرية من الإغريق المنافية للعقل والمنصوص عليها في دنفر، كان أجوفاً. أوباما شخص ذكي ولديه القدرة على التلاعب بالكلمات، إلا أن كلامه لا ينم على الكثير. لديه أسلوب يجذب الجماهير، وظهر ذلك في أول مرة له في خطابه لحزبه -عندما تحدث عن السبب في هزيمته لهيلاري كلنتون، المتغطرسة والمملة كما هي الحال الآن، للفوز بترشيح الحزب- وبعدها عند مخاطبته لجمهور الناخبين الأوسع. كما أن جون ماكين -العجوز والجمهوري الأبيض، بوجود الشخصية المكروهة إعلامياً ، سارة بلين، بصفتها نائبته- لم يحظَ بفرصة الفوز.

ومع انهيار بنك ليمان، اجتمع القادة السياسيون، ومن بينهم رؤساء مرتقبين، لمناقشة ما ينبغي فعله حيال هذه الأزمة.

لم يقل الرئيس أوباما يومها أي شيء، وقد أثنت وسائل الإعلام الليبرالية على صمته، مشيرة إلى أنها تظهر حكمته بالاحتفاظ بحكمه في مسألة على هذه الدرجة من التعقيد.

لربما دلّ صمته على حكمته، أو لربما دلّ على أنه لا يملك أدنى فكرة عما يجري. بينما يوحي المسار بطيء الوتيرة والمتعثّر الذي تحذوه أمريكا للانتعاش من جديد، فضلاً عن الدرجة المريعة التي وصلت إليها من الدين -ما قيمته أقل من ١٩ بليون دولار – كل هذا يوحي إلى أن الخيار الثاني هو الأصح (أي أن صمته يدلّ على عدم درايته بما يجري حوله). كان هذا الدافع الكبير وراء اختفاء الديمقراطيين العاملين حينها وعدم تحقيقهم لأي شيء.

ولكي نلقي نظرة على مدى ضآلة ما أنجزه الرئيس أوباما لدائرته الانتخابية -الفقراء السود- من الجدير بنا أن نقرأ المقال الذي نشر في آخر عدد من “New Yorker”.

يتحدث ذلك المقال عن عمليات الإخلاء في ميلووكي وهي مدينة يشكل فيها السود نسبة 40%، بالإضافة إلى وجود نشاطات صناعية لخدمة عمليات الإخلاء هذه فيها، من محاكم ومحامين ورجال إزالة ومأمورين يعملون بدوام كامل، ويهتمون بشؤون الحشود الذين لا يستطيعون دفع الإيجار أو الرهون العقارية.

وقد انتخِب الرئيس أوباما واعداً بوضع حد لهذا الشقاء، لكنه لم يفعل، ولم يكن ليفعل قط. إذ بينما تملك أمريكا ثروة هائلة، فهي تعاني في الوقت ذاته من الحرمان والبؤس على نحو مثير للدهشة. ويعود السبب في ذلك إلى عدم وجود ما يكفي من فرص عمل برواتب جيدة لتجاوز الوضع المزري.

أنا لا أعرف مدينة ميلووكي، لكنني على دراية بمدن كبالتيمور ونيوارك وترينتون على الساحل الشرقي، وفي هذه المدن مناطق مدقعة بالفقر والإهمال الحكومي. كما أن ديترويت تتأرجح على حافة الانقراض، ذلك أنك تجد في المدن المزدهرة مثل لوس أنجلوس والعاصمة واشنطن مناطق ينعم سكانها بالثراء تلتصق بمناطق تعاني الفقر المدقع وتشيع فيها الجريمة.

ويبدو أن التوترات العرقية، التي كان من المفتَرض لرئيس أسود أن يعالجها، أصبحت أسوأ من ذي قبل -وهنا نتذكر حادثة فيرغسون- كما كانت محاولات أوباما للتدخل محاولات خرقاء وتستدعي إبهار الجماهير في كثير من الأحيان. فقد أخفق في التحكم في قضية الهجرة، على الرغم من امتلاكه السلطة السيادية للقيام بذلك، على عكس بريطانيا.

علاوة على ذلك، رفضت أمريكا على نطاق واسع لمشروع “أوباما كير” للرعاية الصحية، الذي أبرز أسوأ ما يمكنه فيما يتعلق بالتدخل الحكومي الهائل.

ولكن إن كان إرث أوباما الاقتصادي يعاني الفقر، فإن إنجازات غيره -أو إخفاقاتهم- مقلقة إلى حد ما. فكثيراً ما جنّب أمريكا التورط في التدخلات الدولية. وعقب التدخلات الكارثية في العالم الإسلامي بعد العام 2001، من الجيد أن يفكر أكثر بكثير فيما يتعلق بهذه البعثات، لكن ذلك لا يعني التنازل عن المسؤولية العالمية العظمى. فقد كان تدخل كيري في سوريا في شهر فبراير/ شباط متأخراً بصورة مأساوية. إن إرث الرئيس أوباما الدولي يتمثل في المشهد المثير للاشمئزاز لفلاديمير بوتين، الطرف الأقوى والذي يقلل من شأنه، ومقاتلو تنظيم داعش الهمجيون (الذين لا يملك أية استراتيجية للتعامل معهم)، وأوروبا الغارقة في التأمل.

ولقد كان من المثير للاهتمام، عقب فوز دونالد ترامب في الانتخابات التمهيدية في نيو همبشاير، أن ترى كيف تذمر العديد من ناخبيه من شعورهم بأن أمريكا أصبحت منبوذة في جميع أنحاء العالم. تلك الدولة العظيمة التي اضطرت إلى مواجهة عجزها العالمي هي دولة يسعى إليها المتعجرف ترامب بلا هوادة.

وأمريكا تلك الدولة التي تعاني من هذه المشكلات الاجتماعية والاقتصادية عميقة الجذور ستولي اهتمامها بـ”بيرني ساندرز” أيضاً. وبعد هذا كله، وبعد تجربة كل شيء، لمَ لا نجرب ما يسميه “الاشتراكية الديمقراطية”؟

هذا ولم يتسبب باراك أوباما لا في الفقر ولا حتى في الشك والبغض الذي عوملت به أمريكا في العالم بعد رحيل جورج دبليو بوش. إلا أنه مع ذلك تعهد بمعالجة مشكلة الفقر، وكان راغباً في ذلك. واستخدم العلة الثانية كذريعة ليقوم بالانسحاب دون سواه.

أما دوره كرئيس فقد تضاءل الآن أكثر من دوره متحدثاً باسم القلب الدامي. وبرحيله، لن يفتقده أحد، على الأقل حلفاؤه لمرة واحدة الذين شعروا أنه قد تجاهلهم. لقد جعل أمريكا تفقد الكثير من أهميتها.

ومنذ أن ترك جورج دبليو بوش المنصب عام ١٩٩٣، تولى حكم أمريكا شخص مهووس بالتحايل ومدمن جنسياً وآخر طائش خطير ليتبعه شخص ذكي لكنه غير كفء. جميعهم يحملون تصريحات لإدارة آلات أحزابهم. وبالنسبة للكثير من الأمريكيين، يعد أوباما القشة التي قصمت ظهرت البعير. أوباما هو المتسبب بوجود دونالد ترامب وبيرني ساندرز. وفي حال أصبح أي منهما رئيساً ولم يرضَ العالم بذلك، فهم يعلمون من يتحمل المسؤولية.

اقرا:

التلغراف: الحل لتجاوز الفيتو الروسي وإنقاذ حلب قبل فوات الأوان