on
د. حبيب حداد: أزمة معارضات سياسية أم أزمة مجتمعات مزمنة (2-2)
د. حبيب حداد: كلنا شركاء
استعرضنا في القسم الأول من هذا الموضوع أبرز الأسباب التي أدت الى اجهاض انتفاضة الشعب السوري السلمية التحررية ، والتي أجملناها بقصور العامل الذاتي الذي لا بد منه لنجاح تلك الانتفاضة في تحقيق الأهداف التي انطلقت من اجلها ، وبقصور وعدم كفاءة المعارضات التي طرحت نفسها ممثلة لارادة الشعب السوري في قيادة هذه الانتفاضة ، وبالأسلوب الأمني القمعي الوحشي الذي واجه به نظام القهر والتخلف والاستبداد ومنذ اليوم الاول مطالب الحراك الشعبي المشروعة , كما أدرجنا في عداد تلك الاسباب ، بطبيعة الحال، مواقف المجتمع الدولي من القضية السورية وكيف تعاملت معه معظم تشكيلات المعارضة السورية ، انطلاقا مما تريد وماترغب منه القيام به من تدخل سافر وفعل مباشر لاسقاط النظام ، دون ان تتعامل هذه المعارضات مع أطراف المجتمع الدولي الضالعة في الشأن السوري بإدراك سليم لمصالحها في هذه المنطقة الاستراتيجية الحيوية من العالم ، وبوعي كاف للمجالات والمراحل التي يمكن ان تتقاطع فيها مصالح بلادنا او تتعارض مع مصالح تلك الأطراف الدولية .
ورأينا بعد ذلك ان كل هذه الاسباب على أهميتها ليست هي العوامل الحاكمة والمؤسسة لاوضاع مجتمعاتنا العربية التي ما يزال طابعها العام وفي مطلع القرن الواحد والعشرين طابع التأخر والفوات والعطالة والتبعية ، بل انها في واقع الامر نتائج للسبب الرئيس المتمثل بالبنية المجتمعية المأزومة ،في كل المناحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والعلمية والفكرية ، والتي تعطل تطورها الطبيعي وتخلفها عن مسار التطور العالمي لعدة قرون . من هنا اي من ضرورة وعي هذا الواقع بكل تحدياته ومعضلاته كان ينبغي أن تنطلق خططنا التنموية ومشاريعنا الإصلاحية أو الثورية ، ومن هنا وعلى أساس وعي هذا الواقع كان يمكن لشعوبنا ان تمتلك الرؤية الصائبة كي تواصل طريقها نحو ارساء أسس العدالة والمساواة والديمقراطية والوحدة، ومواكبة العصر.
ولقد استمرت وطأة وكوابح واقع مجتمعاتنا المتخلف لكل مشروعات تحررنا المتعاقبة على امتداد نصف القرن الماضي أي منذ أن أحرزت بلداننا استقلالها عن السيطرة الاستعمارية المباشرة وحتى الْيَوْمَ ، ذلك لأن هذه البلدان فشلت حتى الآن في بناء دول ديمقراطية حديثة تجسد إرادة شعوبها ، باعتبار أن الدولة الديمقراطية ، دولة المواطنة الحرة المتساوية هي القاطرة التي لابد منها كي توحد وتنظم وتقود جهود الجماعة الوطنية وتنمي طاقاتها المادية والروحية باتجاه صناعة غدها الأفضل.
صحيح ان دولنا العربية كانت حتى في ظل أنظمة حكمها وأوضاعها الراهنة قد قطعت أشواط هامة في التنمية العمرانية والاقتصادية والتعليمية وخاصة دول الاقتصاد الريعي ، لكن إذا قارنا ما أنجز وما تحقق حتى الآن ، بما أنجزته دول أخرى كانت تشاركنا نفس مستوى النمو والتطور قبل خمسة عقود ، لأدركنا مدى اتساع وخطورة الفجوة الانمائية والحضارية التي تفصل بيننا وبينها ، إذ ما يزال نمط الاقتصاد السائد في بلداننا هو الاقتصاد الاستهلاكي الذي يقوم على تصدير المواد الأولية الخام ، واستيراد معظم احتياجاته التكنولوجية والمعرفية والصناعية والطبية ، وإلى حد ما الغذائية ، من الآخر ، وأمام وعي ومواجهة حقائق الواقع العنيدة التي لا يمكن تجاهلها والقفز من فوقها بالشعارات والنوايا الحسنة ولا بسياسات ردود الفعل وتحميل الآخرين فحسب مسؤولية إخفاقاتنا وتراجعاتنا وهزائمنا المتتالية، أمام واقع الانهيار والتردي الذي يسود عالمنا العربي الْيَوْمَ لا بد أن نتساءل : هل أن أوضاع مجتمعاتنا الآن وهي تواجه رهانات المستقبل وتتطلع لأن تعيش كغيرها حياة العصر ،هي في مستوى الحد المطلوب من المقومات والمعطيات التي تؤهلها لكسب هذا الرهان ؟؟؟ وهل ان الرأسمال الاجتماعي لسورية الْيَوْمَ التي كانت حتى الامس القريب طليعة حركة التحرر والنهضة في العالم العربي هو بكل مكوناته وقيمه كما يفترض ان يكون ؟؟؟ اي هل ان هويتنا الوطنية ووحدتنا المجتمعية المنيعة التي عهدناها طوال تاريخنا القريب ، وقيم الحرية والعدالة والديمقراطية والعقلانية والإخاء والمساواة هي في أفضل أحوالها الْيَوْمَ ؟؟؟ وكيف يمكن لنا من خلال وعينا الحالي ومدى استيعاب ذاكرتنا لدروس وعبر تاريخنا ولقيمنا الحضارية والروحية أن نبرر أو نفسر أسباب الوضع المأساوي الذي وصلنا إليه أو أن نكتفي بوضع مسؤولية ذلك على الآخرين الطامعين في نهب ثرواتنا وتدمير مجتمعاتنا وتمزيق أوطاننا ؟؟؟
لا أحد منا يستطيع أن يقنع نفسه ، قبل أن يقنع غيره ، إن أوضاع المعارضات السورية سواء في الداخل أم في الخارج ، من حيث تركيبها ومواقفها وعلاقاتها وممارساتها، توفر الحد الأدنى المطلوب كي تستطيع التعبير عن إرادة شعبها وتكون الأداة الممثلة له في مرحلة الانتقال والتحول الديمقراطي ، لأن معظم تلك المعارضات قد تكونت بإرادات خارجية ، ولأن معظم تلك المعارضات أسهمت بخطابها وممارساتها وتحالفاتها مع المجموعات الإرهابية المنتشرة فوق الأرض السورية في استمرار هذه الحرب الأهلية العبثية المهددة لمجتمعنا تاريخا وحاضرا ومستقبلا ، بحيث لم يعد يختلف اثنان ينطلقان من نظرة موضوعية في تقييم الأمور بأن الدور الذي اضطلعت به المعارضات السورية حتى الْيَوْمَ كان إحدى نتائج الأزمة الشاملة التي تعيشها بلادنا ومظهرا من مظاهر هذه الأزمة ، ولَم يكن ردا عليها أو معطى إيجابيا وعونا في طريق حلها.
فإذا لم ننطلق في تعاملنا مع التحديات المصيرية التي يواجهها شعبنا من إعادة نظر شاملة وجذرية بأوضاع واقعنا : واقع الداخل الممزق و المدمر وواقع الخارج المهجر والمشتت ، واقع معارضاتنا التي كانت حتى الساعة جزءا معطلا في برنامج الخلاص والإنقاذ الوطني ، وإذا لم تجر إعادة نظر شاملة وجذرية في طبيعة وعينا الانفعالي الحماسي ،الذي يقود خطانا والذي تسلحنا به حتى الآن ، وإذا لم تتم من قبلنا إعادة دراسة تاريخنا وتراثنا وبنظرة عقلانية ومراجعة شاملة وجذرية لواقع ثقافتنا وفكرنا السياسي عامة ، وتفكيرنا الديني المنغلق والمتعارض مع معطيات عصرنا الراهن خاصة ،. فسيكون حال مجتمعاتنا أن تواصل بنفسها عملية تدميرها الذاتي إلى آجال غير محدودة .
Tags: محرر