أخطار مصيريّة لأزمة اللاجئين السوريين وخيارات مستحيلة يواجهها لبنان

نزار عبد القادر: الحياة

يخطئ من يعتقد أن أزمة اللجوء السوري إلى لبنان هي أزمة عابرة ستنتهي مع انتهاء الحرب السورية والعودة السريعة للاجئين بعد زوال الأسباب الموضوعية التي دفعتهم للنزوح إلى لبنان. ويخطئ أيضاً، الذين يفترضون أن انتهاء الحرب وانطلاق مشروع إعادة البناء والإعمار لما هدّمته الحرب، سيشكلان حافزاً يعجّل في حركة عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم للانخراط في عملية الإعمار هذه.

في هذا السياق، لا بد من التوقف عند تهديدين مصيريين تنطوي عليهما أزمة اللاجئين السوريين في المدى البعيد:

التهديد الأول، يتمثّل بنشوء تنظيم أو تنظيمات مسلّحة عدة في مخيمات اللاجئين السوريين في لبنان، خصوصاً في منطقتي البقاع والشمال، وذلك بحجة الدفاع عن مصالح اللاجئين وأمنهم في لبنان من جهة، أو بمسعى وتخطيط لبعض الفصائل المسلّحة السورية العاملة في الداخل السوري، وذلك من أجل زيادة نفوذها ودورها في أي تسوية سياسية مقبلة. ولا يمكن التوسع هنا في الحديث عن كل السيناريوات الممكنة لنشوء مجموعات مسلّحة في تصرف اللاجئين، ويمكن الاكتفاء باستعادة ما حدث سابقاً من تجارب دراماتيكية للبنان وللفلسطينيين بعد نشوء المقاومة الفلسطينية في لبنان، والتي كادت أن تدمّر كل البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد من خلال تداعياتها والدخول في مجموعة حروب استمرت 15 سنة.

التهديد الثاني، يتمثل بتوطين أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين في لبنان، سواء في صورة غير شرعية (كأمر واقع) أومن خلال تجنيسهم، مع احتمال حصول الأمرين معاً. ويمكن في ظلّ سيناريو كهذا، توقّع تجنيس بضع مئات الآلاف من اللاجئين وأكثرهم من السنّة. وسيشكّل هذا الأمر إخلالاً كبيراً في التوازنات الطائفية في لبنان، ويؤدي بالتالي إلى تهديد صيغة النظام القائم على التوازنات الطائفية والمذهبية، والتي كُرِّست في دستور «الطائف».

في ظل الانقسام السياسي المستمر والمتفاقم بين مختلف الأحزاب والقوى المنضوية تحت معسكرين يختلفان كلياً في رؤيتهما وأولوياتهما حول مستقبل لبنان السياسي والاقتصادي والاجتماعي وفي علاقاته الخارجية، خصوصاً ما يعود منها إلى العلاقات مع المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، إضافة الى اصطفافاتهما مع النظام السوري أو الى جانب الثورة السورية، يقف لبنان مشلولاً ومربكاً على مستوى المؤسسات وعلى مستوى الوفاق العام بين مكوّناته الطائفية والمذهبية. فالقرار في السلطة غائب كلياً، وتغيب معه المصلحة الوطنية، في ظل ارتباط القوى والديناميات السياسية والشعبية بالقوى الإقليمية ومشاريعها لرسم واقع سياسي جديد للمنطقة.

هناك فراغ «ممدد له» في موقع رئاسة الجمهورية، وكل المؤشرات تقود الى الاعتقاد أن الفراغ سيستمر سنوات مقبلة، خصوصاً بعد ارتباطه ببلورة المشروع الإيراني في المنطقة وبمستقبل الوضع في سورية. وسيبقى مجلس النواب (المدد لنفسه) مقفلاً وعاجزاً عن الاجتماع للقيام بأدنى واجباته، وبما بات يعرف بتشريع «الضرورة». ولا يبدو في الأفق القريب أي إمكان للتوافق على قانون جديد للانتخابات، يسهّل الخروج من المأزق التشريعي الراهن، ويفتح المجال لانتخاب رئيس جديد أو تأليف حكومة جديدة. أما مجلس الوزراء، المصدر الحقيقي لكل قرارات السلطة التنفيذية، فهو معطّل بسبب الانقسامات السياسية حول القضايا الداخلية والخارجية، ولا يبدو أن هناك أملاً بتحسين أدائه ورأب التصدّع الحاصل بين مكوناته السياسية.

يمكن الاستنتاج أن الدولة اللبنانية باتت مفكّكة ومشلولة وغير قادرة على بت المشكلات العادية كالخدمات والنفايات، وعاجزة كلياً عن اتخاذ قرارات سياسية فــــي المشكلات الأساسية لمعالجة القضايا الاقتصادية والمالية والاجتمــــاعية والأمنية، بما في ذلك التـــصـــدي لتداعيات الأزمة السورية علــــى لبنان وإدارة ملف اللاجئين السوريين على غرار ما تفعله دول الجوار السوري كالأردن وتركيا.

لا مجال هنا لعرض مختلف الخيارات التي تواجه مختلف مؤسسات الدولة ومستقبل النظام اللبناني، بل التركيز فقط على الخيارات المستحيلة التي يواجهها لبنان في ما يعود إلى أزمة اللاجئين السوريين والأخطار والتهديدات التي يمكن أن تتربص بلبنان نتيجة تأثيراتها الممتدة في المديين المتوسط والبعيد.

في ظل الأوضاع الراهنة للسلطة ومع توقع حصول مزيد من الوهن في مؤسساتها الباقية، ومع تفاقم أزمة اللجوء، يمكن تصوّر استمرار سياسة كسب الوقت والمرواحة التي تتبعها الحكومة في تعاملها مع ملف اللاجئين، والاكتفاء بحضور المؤتمرات الدولية الخاصة بأزمة اللاجئين واستجداء ما يمكن من مساعدات، وهي لن تأتي في حال حصولها إلى الدولة اللبنانية وذلك بسبب الفساد المستشري في جسمها ولفقدانها الشفافية والأهلية من وجهة نظر المجتمع الدولي والجهات المانحة.

المهم أن لبنان سيواجه مع حالة التردي السياسي والإداري المتمادية، خيارات مستحيلة أبرزها:

الخيار الأول، أن يؤدي تقاعس الحكومة عن بناء خطة متوافق عليها وطنياً لمواجهة أزمة اللاجئين السوريين وضبط حركة تدفّق أعداد كبيرة جديدة منهم نتيجة تطوّر الأوضاع داخل سورية في السنتين المقبلتين، وفي ظل عدم الحصول على الاستثمارات والمساعدات اللازمة، الى تعميم حالة الفقر في لبنان لتشمل فئة مضاعفة من فقراء لبنان، يرافقه شحّ متماد في الخدمات الأساسية التي تقدمها الدولة اللبنانية. هذا الوضع قد يؤدي الى أوضاع اجتماعية «كارثية» للاجئين ولمضيفيهم على حد سواء، ويمكن أن يؤدي كذلك الى اهتزازات اجتماعية وأمنية تهدّد الاستقرار العام.

الخيار الثاني، في ظل الانقسام السياسي المتمادي في لبنان وتناقض المواقف حول الوضع في سورية بين القوى السياسية الرئيـــسية والفاعلة، يبدو من الممكن أن تتكرر التجربة القاسية التي واجهها لبنان مع اللاجئين الفلســـطينيين في سبعينات القرن المـــاضي وثمانيناته، والتي أدت الى قـــيام «دويلة» فلسطينية على أرض لبنان والدخول في حرب أهلية طـــويلة. ولا تكفي الحلول الأمنية وحـــدها لتجاوز هذا الخطر، ولا بـــد من اعتماد خطة متكاملة تحظى بإجــــماع شعبي وسياسي، من أجل تحــــيق إدارة ملف اللجوء ضمن حـــدود المــــصالح اللبنانـــية العليا.

الخيار الثالث، أن يؤدي اللجوء الكثيف الراهن وتفاقمه خلال العقود المقبلة (أربعة أو خمسة عقود)، الى حالة من التوطين الواقعي على أن تتبعها مراحل من التوطين القانوني من خلال تجنيس مئات آلاف اللاجئين على دفعات، وذلك تحت تأثير الضغوط التي يمكن ان يمارسها أي نظام سوري جديد، إضافة الى الضغوط الدولية، وذلك بهدف منع هجرتهم باتجاه أوروبا وأميركا الشمالية. يساعد على عمليات التوطين القانوني ضعف السلطة اللبنانية، وارتهان قوى سياسية وفئات شعبية لبنانية لأي سلطة سورية قائمة، ولضغوط قوى إقليمية ودولية على لبنان. وسيؤدي توطين مئات آلاف السوريين، وأكثرهم من السنّة، الى إخلال كبير في التوازنات الطائفية والسياسية في لبنان، وبما يهدد بزوال النظام اللبناني القائم وفق دستور الطائف، مع كل ما يستتبع ذلك من أخطار الدفع نحو حرب داخلية جديدة.

يبدو أن لا أمل بخروج لبنان من أزمته السياسية الراهنة، ومن البـــديهي توقع استمرار حالة الوهن والتـــفكك والتهالك الحاصلة في مــؤسسات الدولة. ويشكل التهديد المتمثل بالوجود الكثيف للاجئين السوريين مصدر خطر مستفحل.

لا يمكن لبنان التصدّي لهذه «القنبلة الموقوتة» إلا من خلال الخروج من أزمته السياسية الراهنة، والذي يستدعي أولاً، انتخاب رئيس للجمهورية، وثانياً انتخاب مجلس نيابي جديد، وثالثاً تأليف حكومة متجانسة قادرة على اتخاذ القرارات اللازمة لمعالجة أزمة اللاجئين بفاعلية من أجل مواجهة الخطرين المصيريين المتربّصين بلبنان ونظامه السياسي.

اقرا:

     سلام: لن نقبل بدمج النازحين السوريين في لبنان