عادل موسى: النفوذ الايراني من بروتوعيلام الى ايات الله

عادل موسى: كلنا شركاء

بروتو عيلام – protoelamskuyu  وتعتبر تقليديا منفصلة عن – حضارة عيلام الحضارة القديمة (1) هي واحدة من أول الحضارات في المنطقة، وينتمي شعبها إلى الشعوب الهندو – أوربية. وتتواجد في محافظة ايلام وإقليم خوزستان استمرت الحضارة بين عامي 7000 قبل الميلاد و 539 قبل الميلاد. وتقع في جنوب ما بين النهرين. ويرى المؤرخون انها تأثرت تأثيرا قويا بالثقافة السومرية، التي تمركزت في منطقة بلاد ما بين النهرين لتصل إلى آسيا الوسطى، ومن المتوقع وصولها الى أفغانستان. كما تُظهره الطبقات الأثرية المكتشفة في الحضارة البروتو عيلامية التي عثر عليها أثناء الحفريات في مدينة أوروك، حيث نجد أقرب الطبقات الثقافية المستقلة في فترة لاحقة عن الحضارة السومرية. وفي الواقع، يُفترض أن الثقافة البروتو عيلامية كما يراها علماء اثار بأنها نسخه لاحقة ومكررة لما إنجزته الحضارة السومرية.

وفي وقت لاحق، اصبحت ثقافة بروتو عيلامية قناه ما بين حضارة عيلام وحضارة بلاد ما بين النهرين والتي استوعبت ثقافات لاحقة أخرى، وترسخت نهائيا في ما هو الآن جنوب غرب ايران وتم اعتماد تسمية هذه الطبقة الأثرية باسم عيلام. وأهم الامبراطوريات التي حكمتها قبل الإسلام هي أمبراطورية الفرس، والتي كانت من سلالتين الأولى الاخمينية وتدمرت على يد الإسكندر المقدوني حوالي 330 ق.م ثم ظهرت السلالة الفارسية عام 224 م، ولم يحكم الفرس إيران حتى القرن العشرين بحكم الشاه محمد رضا بهلوي، ولاتزال بلبوس أياتي جديد.

إيران والعراق: عودة الشراكة الاستراتيجية؟

افتتح في العام الماضي بين مينائي البصرة العراقي والمحمرة أو خرمشهر الإيراني المتجاورين خط دوري للمواصلات البحرية والسكك الحديدية . وفي نهاية اذار الفائت وقعت العراق وإيران في بغداد بيانا حول التفاهم المشترك في القطاع المصرفي، وتنص وثيقته على الاستثمار المشترك في مشاريع صناعية كبرى ومشاريع مشتركة في مجال الطاقة والبنية التحتية.

كما انتهت إيران في اواخر ذات الشهر من مد أنابيب الغاز حتى مدينة نفطشهر المحاذية للحدود العراقية في الشمال الشرقي من بغداد، حيث سيبدأ الضخ عبره في ايار مايو أو حزيران يونيو، وهو ما أعلن عنه المدير العام لشركة الغاز الإيرانية الوطنية، حميد رضا أراكي.

وستبلغ كمية الغاز المقرر نقله من إيران إلى العراق 7 ملايين متر مكعب من الغاز يوميا على مدار 9 أشهر، سيتم بعدها رفع حجم التوريد ليبلغ بعد عامين 25 مليون متر مكعب يوميا، وهو ما “سيحرر” الغاز العراقي لتصديره إلى أوروبا. ويعد هذا الاتفاق بحق فريدا من نوعه بين البلدين في ضوء رفض الدول العظمى للتعاون المشترك بين طهران وبغداد.

ونقدة البدء كانت في التعاون السوفيتي – الإيراني حول مشروع بناء قناة للسفن بين بحر قزوين والخليج العربي (700 كلم)، وهو مشروع ذو اهمية في جدول أعمال الحكومة الإيرانية اليوم. وقد تم بحث هذا المشروع خلال جميع المحادثات التي جرت على أعلى المستويات بين إيران والاتحاد السوفيتي في تموز عام 1956، حين قام وفد حكومي إيراني برئاسة الشاه  بزيارة قصيرة للاتحاد السوفيتي وكانت الزيارة الأولى. إلا أنه، والحق يقال، استمر الجانب الإيراني حتى النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي بالتذمر من عدم تنازل الجانب العراقي إزاء مسائل حدود القناة الملاحية في شط العرب واستخدامه المشترك، حيث أنه في هذه “النقطة” بالذات يتم كما في السابق التخطيط لإنهاء طريق القناة، أي بالقرب من الموانئ الإيرانية الكبرى (عبادان، والمحمرة أو خرمشهر) والعراقية (البصرة والفاو).

في غضون ذلك وضع الاتحاد السوفيتي وإيران أساسا قانونيا لتنفيذ المشروع، إذ وقع الطرفان منتصف الستينيات على اتفاق “حول الاستخدام المشترك للموارد النهرية الحدودية” و”تطوير مرور البضائع الإيرانية عبر الأراضي السوفيتية، والبضائع السوفيتية عبر الإيرانية”.

في تلك السنوات ازدادت اللقاءات الأمريكية الإيرانية على أعلى مستوى، كانت الولايات المتحدة تعلن من خلالها بشكل مباشر أو غير مباشر عن عدم توافق المشروع مع المصالح الأمريكية بعيدة المدى ومصالح حلفائها في الناتو. وقد شاركت الولايات المتحدة هذا الموقف كل من إسرائيل وتركيا والسعودية. بينما أيده العراق كونه يوفر طريقا مختصرا مع الاتحاد السوفيتي. كما تأتي أهمية المشروع خصوصا مع علاقات التحالف التي سادت بين موسكو وبغداد.

إلا أنه بدأت في ذلك الحين بالظهور أكثر وأكثر التناقضات الإيرانية الأمريكية، التي بات سببها الرئيسي، كما أكدته العديد وسائل الإعلام الإيرانية والأمريكية والعراقية، واظهرت عدم رغبة واشنطن بالمساهمة في تعزيز التأثير الإيراني في المنطقة، ولنقل هكذا، بانه محاولة “خروج” إيران عن الاستراتيجية الهدامة بين الولايات المتحدة وتركيا ضد العراق.

قربت الحقائق المذكورة أعلاه بغداد وطهران، فجرى في آذار من عام 1975 في الجزائر اللقاء التاريخي بين رضا بهلوي وصدام حسين، تم خلاله التوقيع على اتفاق “حول تسوية الاختلافات الإيرانية العراقية والمسائل الحدودية وغيرها من المسائل العالقة”. وفي آب من عام 1975 وقع وزيرا خارجية البلدين الاتفاق العراقي الإيراني بخصوص “علاقات الصداقة وحسن الجوار”. وبمعنى آخر، أن مشروع القناة بات قاب قوسين وادنى جيوبوليتيكيا.

وسرعان ما أعلن شاه إيران بعد وقت قصير من توقيع معاهدة الصداقة: “لقد اتفقت مع العراق لأجل مصالح شعبي وبلدي. فالمحافظة على السلام مع الدول العربية ذا معنى كبير، لا تستطيع حتى الدول العظمى تجاهله” .

ومن الجدير ذكره في هذا الصدد، معطيات المؤرخ والمحلل السياسي الروسي، فاليري يرومينكو بعنوان: “فتحت المخابرات المركزية الأمريكية “ملفا إيرانيا” ضد الشاه في عام 1975م. بعد الاتفاق الجزائري بين إيران والعراق”. ويعود الأمر إلى أن الشاه سار دون علم واشنطن باتجاه تحسين جذري للعلاقات مع الدول العربية وأعلن عن استعداده للـ”الوقوف في جبهة واحدة ضد المؤامرة الأمريكية” الهادفة الى “تدمير وحدة منظمة أوبك والعلاقة الوطيدة التي تربطها بدول العالم الثالث”. وفي الحال اتهمت الصحف الأمريكية القيادة الإيرانية بـ”تصرفات مقصودة ومتعجلة”، فيما أعرب عدة مسؤولون رفيعو المستوى في الإدارة الأمريكية بشكل صريح للشاه عن عدم رضاهم، مؤكدين “ضرورة إستشارة الجانب الأمريكي”.

بدأت حملة “خفية” ضد الشاه شاركت فيها أجهزة استخبارات لعدة دول عربية وأوروبية. وكان عملاء جهاز المخابرات المركزي يجندون دون صعوبة تذكر مساعديهم كما من المدنيين كذلك من أجهزة الأمن، بما فيها الشرطة الإيرانية السرية. ووردت الأنباء كذلك عن تنظيم أجهزة الأمن الغربية والعربية هذه في النصف الثاني من السبعينيات حملة ضد إيران في العراق بهدف إثارة أزمة بين بغداد وطهران” .

ولم تتوقع القيادة السوفيتية بدورها أيضا، مثل هذا الانعطاف السريع في العلاقات الإيرانية العراقية، ولم يرغب الاتحاد السوفيتي في نفس الوقت بإشعال بؤرة جديدة من المواجهة مع الولايات المتحدة في إيران. لذلك، لم تدعم موسكو عمليا خطط الشاه لإقامة علاقات جديدة مع الدول العربية خارج تأثير الولايات المتحدة، ولم تدعم ايضا خطط بغداد محاولتها جذب إيران في مدار المواجهة مع واشنطن. وفي جوهر الأمر لم تعرف القيادة السوفيتية كيف لها ان تتعامل مع التحالف الإيراني العراقي…..

كل هذه الحقائق خيبت آمال طهران وبغداد، مما سهل على الغرب بزيادة الاستفزاز والمواجهة بين البلدين والإضرار بالوضع السياسي الاقتصادي في إيران.

ومن الجدير ذكره أن إيران والعراق كانتا تتعاونان بشكل وثيق في الفترة 1941 – و1945، حين كانت شحن الحلفاء من الأسلحة والمواد الغذائية تتوجه عبر العراق وإيران ومن بعدها إلى الاتحاد السوفيتي، وفضلا عن ذلك كان عبور الشحن القادمة من الولايات المتحدة وبريطانيا والنمسا ونيوزلندا وأفريقيا الجنوبية. وقد كان الشاهنشاه محمد رضا بهلوي ورئيس الوزراء العراقي نوري سعيد (في الثلاثينيات ومنتصف الخمسينات) يملكان هذه العلاقات الثنائية لإيران والعراق وهذه الدول، مع دول التحالف المذكورة. وفي نفس الوقت دخلت كل من إيران والعراق في الحرب ضد ألمانيا وإيطاليا واليابان في بداية عام 1943 ما أثر بدوره بشكل ملموس على تركيا التي كانت تخطط للدخول في الحرب إلى جانب ألمانيا وإيطاليا.

خلاصة القول، انه وبعد عقود من العداوة وإراقة الدماء تصبح إيران والعراق شريكتان استراتيجيتان من جديد وُضِعَ حجر الأساس لسياستهما هذه، كما أسلفنا، في منتصف السبعينيات من القرن الماضي وحتى قبلها… حيث احتل رضا خان منطقة عربستان عسكريا ونقل الشيخ خزعل للأسر في قلعة طهران، حيث وضع تحت الإقامة الجبرية، ومن ثم فرضت إيران سيطرتها على المنطقة بالكامل عام 1925 م.، اما ارض كردستان الام مهد اكميدو نظير جلجامش في اسطورته المعروفة، فترفضها السلالة الفارسية وتلاحق احفادها اليوم حتى فيما حققوه من مكسب سياسي جديد اي ما يُسمى ب “كردستان العراق”.

1- Daniel T. Potts, The Archaeology of Elam (Cambridge, UK, 1999





Tags: مميز